اخبار اليوم الصحيفة, مبالغات الشعراء العمانيين اخبار اليوم الصحيفة, مبالغات الشعراء العمانيين
المديح، حقل اخصب الشعر العربي بالاف القصائد، منذ مدائح زهير بن ابي سلمى في الحارث بن عوف وهَرِم بن سنان، في معلقته الشهيرة: (امِنْ اُمِّ اوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ)، مدحهما لاتمامهما الصلح بين قبيلتي «عبس وذبيان»، وتحملهما اعباء ديات القتلى، كما ورد في شرح «الزوزني»، منذ ذلك العهد، واجيال الشعراء تتالى في كتابة شعر المديح، فهو حقل عميق وعريق، يكشف عن نزوع الشعراء اليه، وتهافتهم في كتابته، توسُّلًا او تسَوُّلًا لكرم الممدوح، ولا احسب شاعرًا لم يكتب في هذا الغرض، بل ان اكثر الشعراء الكبار ان لم يكن جُلُّهم، كتبوا في مديح الملوك والخلفاء والسلاطين والامراء، وذوي الشان والرفعة والكرماء، واصحاب الايادي البيضاء، ومن له فضل واحسان على الشاعر، لان الكرم يضفي محبة، تسيل لذتها في لسان الشاعر.
والشعراء العمانيون كبقية الشعراء، ركبوا حمار المديح، الى ابواب الملوك والسلاطين، وسوف نجد ان بعضَهم اتخذ من المديح حِرفة شعرية، طغت على كل شعره، بل ان احد الشعراء خصَّص ديوانًا نُشِر محققًا في ثلاثة اجزاء، في مديح سلطان واحد، وديوان اخر في مديح شخصية كريمة، فكتب فيهما مديحًا كبيرًا، وبغض النظر عن استحقاقية ذلك المديح للسلطان او الامير او غيرهما، الا ان المبالغة المفرطة في المديح جعل من شعره مصنوعًا ومتكلفًا بلغ به حد الترف اللغوي، وابتعد به عن كتابة الشعر الصادق، بل نجده يصُفُّ الكلمات كالحجارة، ويحشدها حشدًا من قعر القواميس، فلا تلبث ان تتهاوى قصيدته من القراءة الاولى.
تجربة الشعر العماني عريقة بعراقة الشعر العربي، الشاعر العماني الذي عاش في كل العصور، بدءًا بالعصر الجاهلي، كتب شعرًا مديحًا، وفي هذه المقالة لا اتقصَّى تجربة الشعر العماني في عصوره القديمة، ولكني ساضرب مثالًا بقصيدة الشاعرة «الزهراء السقطرية»: فاطمة بنت حمد الجهضمية، ان صَحَّ ما نُسِب اليها انها كتبَتْ قصيدة «الاستغاثة» في الامام الصلت بن مالك الخروصي (حكم: 237هـ/ 272م)، بعد ان تعرَّضَت جزيرة «سقطرى» لنهب نصارى الحبشة عام 253هـ، وعلى رقة تلك القصيدة وجزالة الفاظها، الا انها ابتدات بالمديح، وكانه مفتاح لقلب الامام الذي لم يبرح مدينة نزوى، وقد ذكَّرته الشاعرة بمحتَدِه الكريم، في مطلع تشرح مفرداته معانيه:
قُلْ للامامِ الذِي تُرْجَى فَضائِلُهُ
ابنُ الكِرَامِ وابنُ السَّادَةِ النُّجُبِ
وابْنُ الجَحَاجِحَةِ الشُّمِّ الذينَ هُمُ
كانُوا سَنَاها وكانُوا سَادَةَ العَرَبِ
بدات الشاعرة في قصيدتها البائية بتذكير الامام بارومته، وانه ابن الكرام وابن السادة النجب، وابن الجحاجحة (سيد جَحْجَاح: مسارع الى المَكارم: اساس البلاغة)، وانه من سادة العرب، لذلك كله: (تُرْجَى فَضَائِلُه)، ولقد فعلتْ القصيدة فعلتها في نفس الامام، فهبَّ يجيِّش الجيوش، وارسله الى «سقطرى»، استجابة لنداء الشاعرة، التي عرَفت كيف تثير نخوة الامام العادل، بعد تذكيره بارومته ومحتده، وبما يتبع الوصف من ظلال، تدل على كرمه وقوة باسه.
واذا كانت قصيدة الاستغاثة للشاعرة السقطرية، كُتِبَتْ في ظروف تستدعي ذلك، نِداءً شعريًا انسانيًا للامام الحاكم ذو الباس الشديد، فان الشعراء كتبوا قصائد مديح، لمجرد انهم يعيشون في ظل كرم الممدوح، وبحبوحة العيش تحتِّم عليهم ان يُثنوا على الحاكم، وهذا الشاعر ابو بكر احمد بن سعيد الخروصي (ق: 5-6هـ)، والذي اراه في قامة المتنبي بلغته الشعرية المشرقة، يطغى المديح على اكثر ديوانه المطبوع، طبع الديوان لاول مرة بتحقيق: عزالدين التنوخي عام 1964م، ثم صدر بعد ذلك عن وزارة التراث القومي والثقافة، وما تزال طباعته تتالى حتى اليوم.
ديون الشاعر الستالي، لم يخرج عن اطار المديح وغرضه، فقد جَيَّرَ شعره كله في مديح سلاطين النباهنة، حيث يعيش الشاعر في ظل قصورهم، ويتنعَّم برخاء العيش منهم، وهم كانوا كرماء معه، هذا الشاعر الكبير، الذي ابدع في كتابة براعات الاستهلال الشعرية في قصائده، وفي التلاعب اللفظي بمفردات قصائده، وابدع في سبك جواهر المفردات اللغوية في سموط قصائده، يحلِّي مطالع قصيدته بعسل الغزل، ثم يضفي على ممدوحه صفات تؤكد انه شاعر يتكسَّب بشعره، وفي ديوان الشاعر المطبوع ما يزيد عن حاجتنا، في استقطاع ابيات من مدائحه في النباهنة، لناخذها شاهدًا عليه.
ولنطوي الزمان قليلًا، ونصل الى عصر اليعاربة، لنلاقي الشاعر: راشد بن خميس الحبسي (حي: 1737م)، يدبِّج القصائد في مديح الائمة اليعاربة، ونجده يجاري المتنبي في قصيدته الشهيرة: (بِمَ التَّعَلُّلُ لا اهْلٌ ولا سَكَنُ.. ولا نَدِيمٌ ولا كَاسٌ وَلا وَطنُ) في بدائع مديح المتنبي لسيف الدولة الحمداني، لينسج الشاعر العماني الحبسي على منوالها قصيدة، في مدح الامام: يعرب بن بلعرب بن سلطان اليعربي، وواضح من براعة استهلال الشاعر في البيت الاول، توظيفه لمفردة كِيسا، للاشارة الى كيس المال، فيقول:
فِيمَ الاقامَةُ لا كاسًا ولا كِيْسا
ولا مَحَلًا لنا في الدَّارِ مَانوسا
ولا مليحًا نَرَى فيما نُسَرُّ بهِ
يَزينُ لونًا ومَشْمُومًا ومَلمُوسا
ولا جَليسًا اخَا عِلمٍ نُجالِسُه
يفيدُنا منه تعليمًا وتدْريسا
حتى قال:
ومَنْ كيَعْرُبَ ضِرغامُ الوَغَى مَلِكٌ
ازْكى الوَرَى حَسَبًا في الناسِ قِدْمُوسا
مُهَذَّبٌ تُكثِرُ الخيْراتَ رُؤيَتُهُ
وذِكرُه يَدْفعُ البَاسَاءَ والبُؤْسا
شَهْمٌ ترَاهُ لِدَى الهَيْجَاءِ اشْجَعُ مَنْ
يَسْطو وَيُشْبِهُ يوْمَ السِّلمِ ادْريسا.
ويتقدم بنا الزمان، لنلاقي في القرن التاسع عشر الميلادي، الشاعر والمؤرخ: حميد بن محمد بن رزيق النخلي (ت: 1291هـ/ 1874م)، فهذا شاعر سَخَّر شعره في المديح، كديوانه «سلك الفريد في مدح السيد الحميد ثويني بن سعيد»، صدرت طبعته الاولى في ثلاثة اجزاء، عن «وزارة التراث القومي والثقافة» عام 1997م، بتحقيق محمد علي الصليبي، وديوان اخر بعنوان: «نور الاعيان وضوء الاذهان»، في مدح الشيخ محسن بن زهران العبري (ت: 1290هـ)، صدر الجزء الاول منه بعنوان: «الدرُّ المنظم» بتحقيق حمد بن زهران العبري، ومن المدخل الخاص بالشاعر في «الموسوعة العمانية»: له ديوان مخطوط بعنوان: «فصوص المرجان»، خصصه في مدح السيد محمد بن سالم بن سلطان، وديوان مخطوط اخر بعنوان: «فرقان الجمان في مدح العلامة ناصر بن ابي نبهان».
وفي مطلع القرن العشرين، سطع في سماء الوجود، نجم الشاعر ابو مسلم البهلاني (ت: 1920م)، الذي عرف بقصائده الالهية والاستنهاضية، وعلى ان اكثر شعره في العرفان الصوفي، والمدائح النبوية، الا انه كتب في شعر المديح قصائد كثيرة، منها قصيدته «المقصورة» التي نظمها مرتبة على سور القران الكريم، نظمها وقدمها مستشفعًا بها السلطان حمد بن ثويني بن سعيد (توفي السلطان عام: 1896م)، وهي ليست القصيدة المقصورة الطويلة الشهيرة: (تلكَ رُبُوعُ الحَيِّ في سَفْحِ النَّقا.. تَلوحُ كالاطلالِ مِنْ جَدِّ البِلى)، انما مقصورة «استشفاعيَّة»!، مطلعها:
«فاتِحَةُ» الحَمْدِ ايَادِي مَنْ عَفَى
والحِلمُ اصْلٌ للمَقامَاتِ العُلى
الى ان يقول بعد اكثر من مائة بيت في القصيدة، مخاطبًا السلطان حمد:
اوْرَدْتُ هِيمَ امَلي صَادِيَةً
بَحْرَ يَدَيكَ وهو ارْوَى للصَّدَى
انْ تَسْقِها العَفوَ فانتَ اهلُهُ
وانْ تَذِدْها فعَلَى الحَظِّ العَفَا
عاش ابو مسلم بعد وفاة السلطان حمد 26 عامًا، ولعله مرَّ بضائقة المَّت به، ولم يكن بيده الا ان ينفث هذه الصَّرخة الشعرية المكلومة.
وفي ديون الشاعر السيد هلال بن بدر البوسعيدي (ت: 1966م)، مدائح كثيرة، من بينها مديحه في السلطان سعيد بن تيمور، في صيامه لشهر رمضان:
هَنيئًا لشَهْرِ الصَّوْمِ انَّكَ صُمتَهُ
وَعَادَ اليكَ العِيدُ مُزدَهِرًا دَهْرا
صدر ديوان السيد هلال بن بدر عن وزارة التراث القومي والثقافة عام: 1985م، بتحقيق: محمد علي الصليبي، يقول محقق الديوان: ان مثل هذه الصورة، نجدها في مدائح البحتري للخليفة المتوكل، والحديث عن مدائح الشعراء، له فنون وذو شجون.
نقلاً عن جريدة عُمانمبالغات الشعراء العمانيين في الثناء على ممدوحيهم
