اخبار اليوم الصحيفة, شارل مارتيل.. لماذا اخبار اليوم الصحيفة, شارل مارتيل.. لماذا
في صبيحة يوم الجمعة، استيقظ الجميع على وقع صدمة مفجعة، حيث قام رجل ابيض، يحمل عدة بنادق وخزنات من الرصاص، مترجلا من سيارته في بث مباشر وحي على مواقع التواصل الاجتماعي، ومتجها نحو مسجد صغير للمسلمين، ومُشهرا اسلحته وكانه في باحة مخصصة للعب، ليطلق وابلا من الرصاص تجاه اجساد المصلين. قبل ذلك، واثناء تواجده في سيارته، ظهرت اغنية ابادة الانسان “تخلص من الكباب”، وهي اغنيةٌ كما تبدو من ايقاعاتها، ذات وقع ثابت، ترسم حالة من الهدوء والاستمتاع والتلذذ في خلفية المشهد امام اثار القتل والقنص بدم بارد.
خمسون مسلمًا حتى اللحظة راحوا ضحية الاجرام الذي لم يترك صاحبه فرصةً لحكومته او جمعيات المدافعين عن البيض من خلفه، ليخرجوا مبررين له او مدافعين عنه، فلربما كان “مختلا عقليًا” كتبرير لمازق “الارهاب” الذي وُصم به، الا ان القاتل لم يترك من خلفه فرصة حين كتب على بندقيته تواريخ وشخصيات لا تبدو اعتباطية في فحواها وتاريخها ومقصدها، وحين ترك من خلفه سبعين صفحة كتبها مفصّلا لما هو مُقدم عليه، واسبابه التاريخية والسياسية والواقعية.
وقد كان اسم “شارل مارتيل” احد الاسماء التي برزت على بندقية القاتل، في رسالة موجّهة للمقتولين ومن خلفهم من بني جلدتهم، فمن هو شارل مارتل؟ وما هي شهرته في اوروبا والتراث الغربي كله؟ وعليه فاننا بحاجة للرجوع للقصة التاريخية التي صدّرت هذه الشخصية.
عبد الرحمن الغافقي يلي امارة الاندلس!
في عام 112هـ قرر الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك بن مروان ان يُرسل للاندلس واليا جديدًا، ليصلح احوالها، يعيد ضبط الامور بها، ويوحد المسلمين قيسية ويمانية، عربا وبربرا تحت راية الاتحاد من جديد بعدما اصابتها نار العصبية، وثورة الفتنة، وحمية الغضب، ولم يجد لهذه المهمة سوى رجلا صالحا، تابعيا من ابناء اليمن الذين تربوا على يد الصحابة الكرام، وشارك بنفسه في معارك الامويين شرقا وغربا، وعُرف عنه ورعه وايمانه وكراهيته للعصبية، ذاك هو عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وبالفعل وصل الغافقي الى الاندلس وبدا سياسة جديدة فيها باخماد كل الفتن والخلافات الداخلية.
كما حرص على تنظيم شؤون الاندلس وذلك بزيارة الاقاليم المختلفة فنظّم شؤونها، ووزّع ادارتها، وقام باخماد الفتن ورد المظالم، واعاد النصارى كنائسهم واملاكهم، وعدل نظم الضرائب وفرضها على الجميع بالتساوي، وقام باصلاح الجيش وتنظيمه، فضلاً عن تحصينه القواعد والثغور الاسلامية في شمال الاندلس[1].
لكن الغافقي في اثناء ترتيب الاندلس اصطدم باحد الثوار الخارجين على طاعته، وبحسب الروايات المسيحية ان هذا الثائر كان واليا على شمال الاندلس، ولتعزيز موقفه، واستقلاله دخل في تحالف مع دوق اكونتين او مملكة اودو، هذه المملكة التي كانت تقع في جنوب فرنسا وفي اقصى شمال الاندلس، وكانت على الدوام بين نارين مستعرتين، في الشمال حيث الفرنجة وزعيمهم الصاعد شارل مارتل، وفي الجنوب المسلمين، وكانت على هذا الحال من الضغط المتواصل.
اما هذا الثائر فتشير الروايات اللاتينية الى ان اسمه “منوسة”، وقد رجّح عدد من المؤرخين الى انه ربما يكون عثمان بن نسعة الخثعمي الذي ولي الاندلس لمدة ستة اشهر قبل اعتلاء عبد الرحمن الغافقي للولاية، ثم اتجه بعد ذلك الى الولايات الشمالية الاندلسية كوالٍ محلي وُلّي عليها من قبل العاصمة قُرطبة.
وتشير الروايات النصرانية الى ان منوسة اُغرم بابنة ملك اودو، وتزوجها، بل وذهب الى ابعد من ذلك حيث عقد معه حلفا كان باطنه الخروج على حكومة الاندلس بالكلية، وكان عبد الرحمن الغافقي يتابع امر هذا الوالي كما يتابع غيره، وقد شك في ولائه بالفعل، وطلب منه الهجوم على مملكة اودو فارسل ابن ابي نسعة اليه مخبرا ان ثمة “هدنة” موقعة بين الطرفين، وحين جاءت الرسالة الى قرطبة استشاط عبد الرحمن غضبا من هذا الوالي الذي يعصي امره[2].
وارسل على الفور حملة عسكرية الى الشمال بقيادة رجل يُسمى ابن زيان لتاديب “منوسة” الزعيم الثائر، والتحوط لسلامة الولايات الشمالية، فاستعصم منوسة بمواقعه الجبلية، وتحصن في عاصمة اقليمه ” مدينة الباب “، الواقعة على منحدر جبال البرنيه/ البرانس، وكان يظن انه يستطيع ان يتحدى الجيش الاسلامي، وان يعتصم في تلك المواقع المنيعة، كما اعتصم به الزعيم القوطي “بلاجيوس” (بلايو) ولكنه كان مخطئاً في تقديره، فقد نفذ ابن زيان بجيشه الى مدينة الباب، وحاصر الثائر في عاصمته، ففر منها الى شعب الجبال الداخلية، فطارده ابن زيان من صخرة الى صخرة، حتى اخذ وقتل مدافعاً عن نفسه، وتحطمت اطماعه ومشاريعه (113هـ/ 731 م)[3].
جهاد عبد الرحمن الغافقي في الشمال
بعد القضاء على الثائر الخارجي منوسة، وبعد تامين الجبهة الشمالية واعلان جهوزيتها، كان الغافقي يتشوق الى اعادة الجهاد في فرنسا، وهو الذي لم ينس ماساة موقعة طولوشة (تولوز) تلك الموقعة التي استُشهد فيها امير الاندلس الاسبق وصديقه الاثير السمح بن مالك الخولاني؛ لذا استعد الغافقي جيدا لهذه الغزوة، واعلن الدعوة للجهاد لا في الاندلس فقط، وانما في افريقية ايضا (تونس)، فتدفّق عليه المتطوعون من كل ناحية، وتجمع لديه عدد ضخم من الفرسان والمجاهدين، بلغ ما بين سبعين الى مائة الف مقاتل بحسب بعض الروايات، وبدا الغافقي تحركاته العسكرية منطلقا من قرطبة صوب جبال البرانس الفاصلة بين الاندلس وفرنسا في اوائل سنة 114هـ/732م[4].
وصل الغافقي بجيشه الى ولاية اراغون (الثغر الاعلى الاندلسي) جاعلا من مدينة بنبلونة في غرب الاندلس في الحد الفاصل ما بين فرنسا والاندلس عند جبال البرانس قاعدة لتجمع جنده، ومن هناك انطلق مخترقا جبال البرانس زاحافا نحو الجنوب الفرنسي فبدا بمنطقة ارل في اقصى الجنوب الفرنسي، وكانت هذه المنطقة تدفع الجزية للمسلمين ولكنها بعد مقتل السمح بن مالك الخولاني، والحروب الاهلية قبل مجيء عبد الرحمن الغافقي في الاندلس، قد استغلت الفرصة وتخلفت عن دفع الجزية، فاستطاع الغافقي وجنده ان يستولوا عليها بعد معركة شرسعة مع زعيم المنطقة دُوق اودو، وعلى اثر هذه المعركة
ونجاحه فيها انفتح امامه الطريق في الجنوب الفرنسي كله، فاتجه غربا الى دوقية “اكتانيا” فالتقى بملكها في معركة فاصلة سريعة، استطاع عبد الرحمن فيها هزيمته هزيمة ساحقة، فاضطر الدوق الى الهرب والانسحاب نحو الشمال الفرنسي ناجيا بنفسه[5].
الاستيلاء على جنوب فرنسا
استطاع الغافقي وجيشه الاندلسي بعد هذه الهزائم الساحقة التي انزلها لكل من دوق اكيتون/ اكيتونيا، ملك اودو ان يستولي على غنائم هائلة، وقام الغافقي بتقسيم هذه الغنائم بين الجنود المسلمين الذين كانوا معه، ووفق الرؤية الاسلامية قام باخراج الخُمس من هذه الغنائم التي فُتحت عنوة، ويصف ابن عبد الحكم واحدة من تلك الغنائم بقوله: “وكان فيما اصاب رِجل من ذهب مفصّصة بالدُّر والياقوت والزبرجد، فامر بها فكُسرت”[6] ثم وزعها على جنده!
عاد القائد الغافقي من الغرب الى وسط الجنوب الفرنسي في الرون، واخترق الجيش الاسلامي صوب الشمال الفرنسي فاستولى على برجونية ثم مدينة ليون وبيزانسون، بل ووصلت السرايا العسكرية الاسلامية حتى مدينة صَانص، التي تبعد عن جنوب باريس نحو مائة ميل فقط. وارتد عبد الرحمن بعد ذلك غربا الي ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد الى عاصمة الفرنج “باريس”.
اتم عبد الرحمن سيره، وجدّ فيه، وافتتح الغافقي نصف فرنسا الجنوبي كله من الشرق الى الغرب، في بضعة اشهر فقط، وفي ذلك يقول المؤرخ البريطاني ادوارد جيبون: “وامتد خط الظفر (للغافقي) مدى الف ميل من صخرة طارق الى ضفاف اللوار. وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب الى حدود بولونيا ورُبى اسكتلندا. فليس الرَّين بامنع من النيل او الفرات، ولعل اسطولا عربيا كان يصل الى مصب التيمز دون معركة بحرية، بل ربما كانت احكام القران تُدرس الان في معاهد اكسفورد وربما كانت منابرها تؤيّد لمحمدٍ صدق الوحي والرسالة”[7].
هرع دوق اكيتاني الى عدوه السابق، والحاجب القوي الذي يسيطر على بلاد الفرنجة، القائد الذكي شارل مارتل، ولم يُرد شارل او “قارلة” كما تصفه الرواية الاسلامية ان يتدخل في هذا الصراع في بادئ الامر بين عبد الرحمن الغافقي والجيش الاسلامي وبين ملك اودو عن قصد وعمد، وحين لجا اليه هذا الاخير الذي كان قد فقد مُلكه، استغل شارل الفرصة، وارسل الى كافة جموع الصليبيين في اوروبا صيحة عالية لوقف هذا الزحف الاسلامي الذي لم يكن يهدد فرنسا فقط وانما اوروبا كلها، وبالفعل جاءته الامداد العسكرية بالرجال والعتاد من المانيا وبريطانيا وبولونيا وبلجيكا وغيرها.
استعد شارل مارتيل جيدا لهذه المعركة، كما استغل الكثرة العددية التي بلغت نحو اربعمائة الف مقاتل اوروبي مقابل خمسين الف مقاتل للمسلمين، وبقي المسلمون يتقدمون الى ان وصلوا الى قريب من مدينة “تور” وهناك علم الغافقي ان جيشًا عظيما قدر المسلمين سبعة او ثمانية اضعاف زاحف لمصادمته، وكان عبد الرحمن مع شدة باسه وغرامه بالحرب عاقلاً حازمًا بصيرًا بالعواقب، ففكر ساعة فيما يدي رجاله من الغنائم الثقيلة، وعلم ما يعوقهم عن القتال من اهتمامهم بحفظها، فهمَّ باعطاء الامر الجيش بترك جميع ما في ايديهم من الغنائم والاسلاب، ولكنه عاد عن ذلك، ثم تقدم بقواته واستطاع الاستيلاء على مدينة تور الفرنسية[8].
كانت هزيمة دوق “اكيتاني” ملك اود/ اودو
مفجعة
على الصعيد الاوروبي، فقد اصبح الطريق الى باريس مفتوحا امام عبد الرحمن الغافقي وجيش المسلمين، لذلك كانت الصرخة التي ارسلها الدوق الى عدوه الاكبر “شارل مارتيل” او كما تسميه الروايات العربية “قارلة” او المطرقة
لاقت عند الاخير اجابة هذه المرة.
يقول شكيب ارسلان: “لم يكن شارل مارتيل او قارلة الا اجابة اودُو لا لاجل الانسانية فقط، بل لاجل الساسة، اذ كان جميع مصير فرنسا والممالك المجاورة لها متوقفًا على نتيجة هذه الحرب، فلو كان العرب تغلّبوا ذلك اليوم على الافرنج لما كانوا وقفوا الا على ساحل البلطيق”[9] في اقصى شمال اوروبا عند القطب الشمالي!
اما عن شارل مارتيل، فكان سياسيا وقائدا عسكريا فذا، ومحافظ القصر والعرش الفرنسي، ذلك الرجل استطاع اخضاع معظم الدوقات والمقاطعات الفرنسية بل ومناطق المانيا الغربية المحاذية لفرنسا الى سلطة دولة الفرنج “الميروفنجية” التي كان مارتيل يخدم فيها كمسئول كبير في قصر الملك، لكن حين ضعفت سلطة الدولة المركزية وقوي نفوذ امراء ودوقات المقاطعات واستطاع بعضهم الاستقلال بعيدا مثل دوق اكيتاني في جنوب فرنسا وبعض من الدوقات الاخرين في المانيا الغربية وشمال ايطاليا؛ فان نفوذ شارل مارتيل من خلاله وظيفته يتسع هو الاخر.
كانت تلك الوظيفة متجسدة في “محافظ القصر” الذي كانت مهمته في بادئ الامر الاهتمام بشؤون القصر الفرنجي المنزلية، لكن مع الوقت اخذت تتوسع حتى اصبحت عماد السياسة الفرنجية كلها، وكانت الاسرة الكارلية القوية قد اختصّت بهذا المنصب الخطير، منذ عهد الملك داجوبيرت في القرن السابع الميلادي، واخذت تهدد بنفوذها وقوتها مصير الاسرة الميروفنجية الملكية. وكانت اقوى بطون الفرنج في اوستراسيا (مملكة الفرنج الغربية)، تملك ضياعاً شاسعة ما بين نهري الرَّين والموز وتتزعم جماعة النبلاء، وترعاها الكنيسة لنفوذها وسلطانها، ويمنح زعيمها محافظ القصر لقب “دوق الفرنج” تنويها برياسته وسلطانه، الذي اصبح فوق سلطان العرش[10]، ومن هؤلاء ال الامر الى شارل مارتيل “قارلة” او “كارل” في النصف الاول من القرن الثامن الميلادي.
تمكن شارل مارتيل من تجميع جيش جرار من كامل المملكة الفرنجية في المانيا الغربية وفرنسا وشمال ايطاليا فضلا عن الفايكنج الاقوياء ثم مباركة البابوية، وكان عبد الرحمن قد استولى على تواتييه ثم تور الواقعة على نهر اللوار، وبهذا يكون الجيش الاسلامي قد ابتعد عن عاصمة الاندلس قرطبة قرابة 1300 كم وهي مسافة بعيدة للغاية تجعل من امداد الجيش بالمؤن والرجال والاسلحة والزاد عند الطوارئ امرًا عسيرًا لا سيما ان معابر جبال البرانس كانت صعبة قاسية للغاية.
حين علم عبد الرحمن بقوة الحشود القادمة اليه، تراجع الى سهول بُواتييه لاتخاذ مواقعا محصّنا فيها بعد ان وصلته معلومات عن كثافة الجيش الفرنجي الا ان تحركات شارل كانت سريعة رغم ضخامة قواته وما لبث شارل ان دفع عبد الرحمن وجيشه جنوبا ليدرك مقدمة الجيش الاسلامي الزاحف في طريق روماني
قديم كان يؤدي الى بلدة “شاتلروا” الواقعة على نحو عشرين كيلو متر الى الشمال الشرقي من مدينة بواتيه[11].
كان جيش شارل قد انتهي الى نهر اللوار، دون ان يشعر المسلمون بمقدمه في اول الامر، واخطات الطلائع الاسلامية ومخابرات الجيش من تقدير عدده العدو وعُدته. فلما اراد عبد الرحمن ان يقتحم نهر اللوار، لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجاه شارل مارتل بجموعه الجرارة حينها اُجبر الغافقي على الرجوع من ضفاف النهر الى السهل الواقع بين مدينتي تُور وبواتييه. وعبر شارل مارتيل نهر اللوار غربي تور، وعسكر بجيشه الى يسار الجيش الاسلامي باميال قليلة، يين نهري كلين وفيين فرعي اللوار.
اذا ما عُدنا الى جيش الغافقي فقد كان في حال تدعو الى القلق، فان الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التي يتالف منها معظم الجيش، التي كانت تتوق الى الانسحاب نحو الاندلس مكتفية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون في الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا ْالجنوبية اثناء سيرهم المظفر، واخذوا جميع كنوزها، واُثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى، من الذخائر والغنائم والسبي، فكانت هذه الاثقال النفيسة السبب الابرز في احداث الخلل والاختلاف والنزاع.
ادرك الغافقي خطر هذه الغنائم على نظام الجيش واهبته واستعداده، وخشي مما تثيره في نفوس الجند من الحرص والانشغال، وحاول عبثا ان يحملهم على ترك شيء منها. ولكنه لم يشدد في ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة اخرى، قد انهكتهم غزوات اشهر متواصلة، مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب تخلف حاميات عديدة منهم، في كثير من القواعد والمدن المفتوحة لحمايتها وابقائها ضمن التبعية الجديدة للمسلمين. ولكن عبد الرحمن تاهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة رغم كل هذه التحديات[12].
“بواتييه” استشهاد الغافقي في بلاط الشهداء!
كانت احداث المعركة قد بدات في اواخر شهر شعبان سنة 114هـ/ 22 اكتوبر 732م، وقد استمرت المعركة كما تشير المصادر التاريخية ثمانية ايام، كان المسلمون قد اخذوا زمام المبادرة بقيادة الامير الصالح عبد الرحمن الغافقي، وبرغم الفارق العددي والعُددي الهائل بين الجانبين، فان جيش الاندلس ظل يقاوم العدو بشراسة وبسالة منقطعة النظير لمدة ثمانية ايام متوالية، حتى ان النصر كان قد اقترب للغاية في ذلك اليوم الاخير.
بيد ان شارل مارتيل “المطرقة” بعد هذه الايام المتوالية، وبعد دراسة ميدانية واستطلاعية لخبايا ومراكز ضعف الجيش الاسلامي الذي كان يتخذ استراتيجية المقدمة والقلب والساقة والجانبين الايمن والايسر، وهي الاستراتيجية التي اتخذتها جيوش المسلمين على الدوام في تلك العصور، راى ان القسم الاضعف يكمن في ساقة الجيش اي خلفه؛ ففيه توجد الغنائم الكثيرة، بل انه لاحظ ان فيه توجد النساء والاطفال الذين اُحضروا مع الجيش لا سيما البربر، وكان الغافقي قد احضرهم بهدف توطينهم في هذه المدن الجديدة المفتوحة في فرنسا بعد حسم المعارك كليا؛ لذا هجمت سرية فرنجية على هذه الساقة، وحين انتبه المسلمون لذلك رجعت طائفة من الفرسان من المقدمة والقلب الى الساقة فاختل نظام الجيش الاندلسي.
عبثا حاول الغافقي اعادة توحيد الصفوف بين جنبات جيشه المقدر بخمسين وقيل سبعين الف مقاتل، وبينما هو ينتقل من جانب الى اخر لاعادة توحيد الصفوف جاءه سهم اعجله فسقط على اثره شهيدًا من فوره، فازداد الاختلال، ولم يُنقذ المسلمين من سحق محققٍ بعد استشهاد قائدهم عبد الرحمن الغافقي سوى دخول الليل، وفي الليل قرر كبار القادة المتبقين الانسحاب مع الابقاء على انوار المعسكر وغنائمه تمويها وخداعا لشارل مارتيل، والعودة الى الجنوب الفرنسي ومنها الى الاندلس.
وفي الصباح اتجهت قوات شارل مارتيل الى معسكر المسلمين فلم يجدوا فيه احدًا، غير انهم تركوا معظم الغنائم التي استولى عليها شارل وجنده، وخشي الفرنج من تتبع الجيش الاسلامي المنسحب خشية ان يكون هناك كمين مُعد لذلك، لذا انتهت المعركة بانتصار الفرنسيين وحلفائهم، وهزيمة المسلمين باستشهاد قائدهم الفذ عبد الرحمن الغافقي الذي القائد الاول في تاريخ المسلمين الذي يسيطر على اكثر من نصف فرنسا لمدة شهور متواصلة، لكن شارل مارتل كان قائدا ذكيا، واستراتيجيا بارعا، وكان لهذه المعركة الكبرى صدى في التاريخ والادب الاوروبي على مرّ العصور، فقد علم الغربيون ان المسلمين قادرين على الوصول الى عمق بلادهم دون كلل او فتور.
ولذلك تعد موقعة بلاط الشهداء من المواقع الحاسمة في التاريخ الغربي والاسلامي على السواء؛ لانها وضعت حداً للفتوح الاسلامية خلف جبال البرانس في فرنسا. ويعلق المؤرخون الاوروبيون اهمية كبيرة عليها، فيقولون: لو ان العرب انتصروا في هذه المعركة لاصاب اوروبا مثلما اصاب اسبانيا، ولكان القرانُ يُدرس في جامعات باريس وكمبردج واوكسفورد[13].
ولم يكن من المستغرب بعد سرد هذه القصة ان يضع اليميني المتطرف اسم القائد الفرنسي “شارل مارتل” على ماسورة بندقيته، فذلك القائد هو الذي هزم جموع المسلمين، واوقف زحفهم في اوروبا، وقتل قائدهم الغافقي، الذي كان اول واخر رجل يقترب من العاصمة الاوروبية الاكبر باريس!شارل مارتيل.. لماذا وضع “ارهابي نيوزيلندا” هذا الاسم على راس بندقيته؟!
