اخبار اليوم الصحيفة, الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.. اخبار اليوم الصحيفة, الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت..
الكثير منا – ان لم يكن جميعنا – سمع عن الطوائف المسيحية الثلاث الكبرى؛ الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، وربما نعرف ان هناك بابا للكاثوليك في الفاتيكان، واخر للارثوذكس في الاسكندرية، وهما الاكثر شهرة في مجتمعاتنا العربية، لكن هل سالت نفسك يومًا عن الفوارق الاساسية بين هذه الطوائف، ما طبيعة الاختلافات؟ هل هي مشابهة للفوارق بين السنة والشيعة مثلًا في الاسلام؟ ام هناك فوارق اخرى؟
بداية الانفصال
حتى عام 451 ميلادية، كانت المسيحية متمايزة الى كنيستين شرقية وغربية، تختلف نظرة كل منهما تجاه بعض المسائل العقدية المتعلقة بالمسيح والثالوث وغيرها، لكن في عام 451م وقع حدث كبير تسبب في انفصال واستقلال كل كنيسة عن الاخرى والى الابد، انه انعقاد مجمع خلقدونية المسكوني.
المجمع المسكوني بشكل عام عبارة عن مؤتمر من الشخصيات الكنسية والخبراء اللاهوتيين، الذي يعقد لمناقشة وتسوية الامور الخاصة بعقيدة وممارسة الكنيسة، وتقوم هذه الشخصيات التي يجري احضارها من جميع انحاء العالم بالتصويت، وهو ما يعني موافقة كامل الكنائس المسيحية على ما تم اقراره، وجرى عقد المجالس المسكونية السبعة الاولى، المعترف بها من قبل كل من الفروع الشرقية والغربية للمسيحية الخلقدونية، بدعوات من اباطرة الامبراطورية الرومانية المسيحية، الذين فرضوا ايضًا بعض القرارات داخل تلك المجالس عبر كنيسة الدولة للامبراطورية الرومانية.
مجمع خلقدونية هو مجلس الكنيسة الذي عقد في الثامن من اكتوبر (تشرين الاول) الى الاول من نوفمبر (تشرين الثاني) 451م، في خلقدون، وهي مدينة اغريقية قديمة في اسيا الوسطى على مضيق البوسفور، وهي منطقة كاديكوي في مدينة اسطنبول حاليًا. هذا المجمع هو المجلس الرابع المسكوني من قبل الكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الارثوذكسية الشرقية، ومعظم البروتستانت، وكان اهم انجاز له هو اصدار «التعريف الخلقدوني».
هذا التعريف يقول ان المسيح «معترف به في طبيعتين تاتيان معًا في شخص واحد واقنوم واحد»، وكانت احكام هذا المجلس وتعريفاته بشان الالهية نقطة تحول هامة في المناقشات المسيحية العلمية. هناك اقلية من المسيحيين لا يتفقون مع تعاليم هذا المجلس. ان التعريف الرسمي لـ«طبيعتين» في المسيح كان مفهومًا من قبل منتقدي المجلس في ذلك الوقت، ويفهمه العديد من المؤرخين واللاهوتيين اليوم، الى جانب المسيحيين الغربيين والانطاكيين وغيرهم ممن لا يعتقد في هذه الطبيعتين الذين يؤمنون ان المسيح واحد.
نتيجة لهذه التعريفات، حدث الانشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية، وتجمعت كنائس الشرق تحت قيادة كنيسة الاسكندرية، وعرفت بالكنائس الارثوذكسية، فيما توحدت كنائس الغرب تحت قيادة الكنيسة الرومانية (الفاتيكان حاليًا) وسميت بالكنائس الكاثوليكية. وفي القرن الـ11 انفصلت ايضًا كنائس كل من القسطنطينية والكنيسة اليونانية والكنائس اللاتينية واصبحت هي ايضًا ضمن الكنائس الارثوذكسية.
اللاهوت والناسوت
لتوضيح ما حدث في مجمع خلقدون وطبيعة الخلاف الذي نشب، علينا معرفة مصطلحين هامين:
اللاهوت: وهو كل ما يتعلق ويخص الذات الالهية، اي كل ما يرتبط بالاله، والناسوت: وهي تعني كل ما يخص الانسان، وفكرة ايمان المسيحيين بلاهوت المسيح وناسوته تعني ان المسيح هو اله كامل وانسان كامل، وان لاهوته لا يفارق ناسوته لحظة واحدة.
الكنائس الشرقية رفضت اصطلاح «طبيعتين» وهو المصطلح الذي كان يوازي عندهم لفظ «شخصين»، وفضلت هذه الكنائس وصف المسيح بعبارة اخرى هي «طبيعة واحدة»، مثلما قال البابا كيرلس «طبيعة واحدة للاله الكلمة المتجسد»، بمعنى اخر فان الكنائس الغربية اقرت الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية وانهما اتحدتا لاحقًا، بينما الكنائس الشرقية تقولان ان هناك طبيعتين لم يفارقا من الاساس لحظة واحدة وانهما متحدتان في طبيعة واحدة.
انفصال البروتستانتية
في القرن الـ16، وتحديدًا عام 1529، قام مارتن لوثر بثورة ضد الكنيسة الكاثوليكية، والتي اطلق عليها ثورة الاصلاح. مارتن لوثر هو راهب الماني واستاذ للاهوت، ويعتبر مطلق عصر الاصلاح في اوروبا، وذلك في اعقاب اعتراضه على ما يعرف بـ«صكوك الغفران».
نشر لوثر رسالته الشهيرة المكونة من 95 نقطة، والتي تتعلق بما يسمى لاهوت التحرير (وهو فرع من فروع اللاهوت المسيحي الذي يناقش غفران الخطايا ونيل الخلاص، والمقصود بالتحرير هنا هو التبرئة من الخطيئة)، وسلطة البابا المتعلقة بالتحرير من الخطايا على مر الزمن.
ابرز اسس فكر لوثر هي المتعلقة بان الحصول على الخلاص او غفران الخطايا هو «هدية مجانية ونعمة الله من خلال الايمان بيسوع المسيح مخلصًا»، وبالتالي ليس من شروط نيل الغفران القيام باي عمل تكفيري او صالح، والامر الثاني المهم كان المتعلق برفض «السلطة التعليمية» في الكنيسة الكاثوليكية والتي تجعل البابا هو صاحب القول النهائي الفاصل فيما يتعلق بتفسير الكتاب المقدس، اذ اعتبر لوثر ان لكل مسيحي الحق في تفسيره.
عارض لوثر سلطة الكهنوت الخاص باعتبار ان جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة، كما سمح لوثر للقسيسين بالزواج.
اطلق على اتباع لوثر اسم «المحتجين – Protest»، ومنها جاءت كلمة بروتستانت، بينما الارثوذكسية هي كلمة يونانية تعني «الراي الحق المستقيم»، وهي التسمية التي بدات في القرن الـ14، والكاثوليكية هي كلمة يونانية تعني «عالميًا او جامعة» وذلك لانها جمعت كل الكنائس الغربية وظهرت التسمية في القرن الـ11.
التكوين والسلطة
الكنيسة الارثوذكسية لا تعترف الا بشرعية المجامع المسكونية الثلاثة الاولى (نيقية وقسطنطينية وافسس)، وتتشكل الارثوذكسية الشرقية من مجموعة من الكنائس المستقلة وهي دائمة التنسيق فيما بينها. تتكون هذه الكنيسة من الكنائس القبطية والاثيوبية والارمنية والسريانية والاريترية. تعتبر الكنيسة الاثيوبية اكبر الكنائس الارثوذكسية المشرقية، وتاتي في المرتبة الثانية لاكبر الكنائس المسيحية الشرقية، في حين تعتبر الكنيسة الروسية الارثوذكسية اكبر الكنائس المسيحية الشرقية.
تاتي في مقدمة تلك الكنائس الكنيسة القبطية الارثوذكسية، والتي لعب رجالها الدور الابرز في تحديد الخطوط العريضة لعقيدة هذه الكنائس، وتعد كنيسة الاقباط الارثوذكس ومقرها مصر، اهم الكنائس القبطية ويتبع لها كل من الكنيسة البريطانية الارثوذكسية والكنيسة الفرنسية الارثوذكسية، ولكل كنيسة من هذه الكنائس رئاستها الخاصة بها، والتي تتمثل في البطريرك او رئيس الاساقفة الى جانب الاساقفة.
الكنيسة الكاثوليكية او الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هي اكبر الكنائس المسيحية والتي يراسها البابا اسقف روما، وبحسب تقليدها الكنسي فهو يمثل خليفة بطرس تلميذ يسوع المسيح. لقبها الرسمي هو الكنيسة المقدسة الكاثوليكية الرسولية، وتتبعها في الشرق كنائس عديدة في شراكة كاملة معها تعرف بالكنائس الكاثوليكية الشرقية، وبالتالي فيمكننا القول ان الكنيسة الكاثوليكية تتكون من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في الفاتيكان بالاضافة الى 22 كنيسة اخرى متحدة معها هي الكنائس الكاثوليكية الشرقية.
على مر القرون طورت الكنيسة الكاثوليكية منظومة لاهوتية معقدة وثبتت بنية ادارية فريدة تحكمها البابوية، التي تعد اقدم ملكية مطلقة مستمرة في العالم، ورئيسها الحالي هو البابا فرنسيس.
الكنائس البروتستانتية تمثل مجموعة من الكنائس المستقلة ويوجد اكثر من هيئة تنسيق بين مجموعات مختلفة من هذه الكنائس، وبالنسبة لسلطة هذا النوع من الكنائس فهي عبارة عن وحدات مستقلة يشرف عليها قسيسون مختلفون حول العالم، وتعتبر الكنيسة الانجليكانية في بعض الاحيان كنيسة مستقلة من البروتستانتية.
الاله والعذراء والقديسون
تؤمن الكنيسة الارثوذكسية ان كلًّا من طبيعة المسيح اللاهوتية والناسوتية، متحدتان معًا في طبيعة واحدة، واتباع هذه الكنيسة يؤمنون ان المسيح كامل في لاهوته، وكامل في ناسوته، وان لاهوته لم يفارق ناسوته، ولا طرفة عين، لذلك لا يتكلمون مطلقًا عن طبيعتين بعد الاتحاد، مثلما تقول به الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية.
تؤمن الكنائس الثلاث بالثالوث الاقدس، والثالوث في اللاهوت المسيحي هو معتقد ديني يعني ان الله الواحد مكون من ثلاثة اقانيم او ثلاث حالات في نفس الجوهر المتساوي، والعلاقة بين الثالوث متكاملة، فقد ارسل الاب الابن الى العالم، وحدث ذلك بواسطة الروح القدس، بحسب اللاهوت المسيحي، لكن في الوقت الذي يعتقد البروتستانت والكاثوليك بانبثاق الروح القدس من الاب والابن، الا ان هذا مخالف لعقيدة الكنيسة الارثوذكسية، التي تؤمن بانبثاق الروح القدس من الاب وحده.
في المسيحية، يقصد بالاسرار السبعة المقدسة مجموعات من الطقوس، والهدف والغاية من هذه الطقوس هو «الحصول على نعمة سرية (غير منظورة) بواسطة مادة منظورة»، وذلك يحدث بفعل روح الله القدوس الذي حل بمواهبه على تلاميذ ورسل المسيح، وبحسب ما اسسه المسيح نفسه وسلَّمه للرسل وهم بدورهم سلَّموه للكهنة، ذلك كله وفق الرواية المسيحية. المثال هنا هو سر المعمودية، اذ يستخدم الماء كمادة منظورة للمعمودية بهدف الحصول على نعمة غير منظورة هي «الميلاد الثاني»، وتشمل هذه الاسرار كلًّا من سر المعمودية وزيت الميرون والقربان المقدس وسر التوية وسر الزيجة وسر الكهنوت.
تتفق الكنيستان الكاثوليكية والارثوذكسية في قبولهما بالاسرار السبعة، وذلك على عكس الكنائس البروتستانتية التي لا تؤمن بها، وان وجد عندهم طقس مشابه فانهم لا يطلقون عليه سرًا. على سبيل المثال يوجد الزواج عند البروتستانت، لكنه يمثل رابطًا بين شخصين وليس سرًا كنسيًا، كما توجد عندهم معمودية لكنهم يطلقون عليها فريضةً وليس سرًا.
الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بشفاعة مريم العذراء وهي بالنسبة لهم ام الاله، كما يؤمن اتباع الكنيسة بالقديسين وشفاعتهم، وتقوم بتعيين قديسين بشكل مستمر. الكنيسة الارثوذكسية تتماثل مع الكاثوليكية في هذه الاسس، الا ان منح القداسة عندهم صعب جدًا، ومن الناحية الاخرى، لا تؤمن الكنائس البروتستانتية بشفاعة مريم العذراء او بشفاعة القديسين، بل ان بعض الطوائف تشكك في عقيدة البتولية الدائمة لمريم.الارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.. هل تعرف الفرق بين هذه الطوائف المسيحية؟
