وهم-الحرية.-كيف-تتلاعب-الراسمالية-بقرار-انجابك-للاطفال؟

وهم الحرية.. كيف تتلاعب الراسمالية بقرار انجابك للاطفال؟

اخبار اليوم الصحيفة, وهم الحرية.. كيف اخبار اليوم الصحيفة, وهم الحرية.. كيف

يقال: ان انجاب الاطفال امر سيئ للبيئة. ام هو امر سيئ للاقتصاد؟ ام انه فعل اناني؛ لان العالم قد تحوّل الى جحيم؟ ايما تختار من هذه الحجج، المهم هو ان تتذكر انه وفقا لعدد متزايد من الليبراليين، فان تكاثر الجنس البشري بالنسبة للبيئة يعادل شراء منزل ضخم بشكل لا لزمة له وتشغيل التكييف فيه مع فتح جميع النوافذ! تقول شيلا هيتي راوية الرواية الشهيرة “الامومة”: “ان الانانية التي تكمن وراء انجاب الاطفال هي مثل الانانية التي تكمن وراء الاستعمار.. انا اشعر بالقهر عندما اسمع ان شخصًا لديه ثلاثة اطفال، او اربعة، او خمسة، او ا كثر.. يا له من جشع متعجرف ووقح “!
في صحيفة الجارديان وحدها، نشرت في العامين الماضيين فقط عناوين مثل “هل تتخلى عن انجاب اطفال لانقاذ الكوكب؟”؛ “هل ترغب في محاربة تغير المناخ؟ اذن انجب عددًا اقل من الاطفال “؛ “كسر المحظور: الاباء الذين يندمون على انجاب الاطفال”، “هل تريد ان تنقذ زواجك؟ لا تنجب اطفالًا”. كما عنونت الـ نيويورك تايمز،” لا اطفال بسبب تغير المناخ؟ “بعض الناس يفكرون في ذلك”. ونشرت “بيزنس انسايدر” مقالة بعنوان “سبعة اسباب لكي لا ينجب الناس اطفالاً، وفقا للعلم”. ولقد بدا هذا المنطق يشق طريقه بسرعة من خلال الثقافة الليبرالية العمومية.
بين الرغبة والكلفة
من الصعب عدم تلقي الرسالة من وراء هذه المزاعم ومع ذلك يبدو ان لا احد يصغي اليها. فوفقًا لدراسة حديثة اجراها مركز مكافحة الامراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، فان الفجوة بين عدد الاطفال الذين ترغب النساء الامريكيات في انجابهم والعدد الذي سوف ينجبنه على الارجح “قد ارتفع الى اعلى مستوى خلال اربعين عامًا”. اذ ان عدد النساء اللواتي يردن طفلاً في المستقبل قد زاد اضطرادا منذ عام ????. مع ذلك، فان المجموعة العمرية الوحيدة التي شهدت زيادة طفيفة في معدلات الخصوبة هي النساء اللواتي يبلغن من العمر اربعين الى اربعة واربعين عاما.
تقول صحيفة نيويورك تايمز: ان الاميركيين يحسنون من قدرتهم على تجنب الحمل غير المرغوب فيه بشكل اسرع بكثير من مما يحسنون قدرتهم على تحقيق الحمل المرغوب فيه. ومع كون خدمات الرعاية الصحية في امريكا الاغلى في العالم (حيث لا يزال عشرات الملايين من دون تامين صحي)، وبالنظر الى عقود من الاجور الراكدة، وارتفاع تكاليف التعليم والاسكان، فان انجاب الاطفال في امريكا اليوم يعد الاعلى كلفة في التاريخ. اذ تقدر وزارة الزراعة ان تربية طفل ولد في عام ???? حتى يبلغ سن السابعة عشر يكلّف في المتوسط ??? الف دولار – وهذا لا يشمل حتى رسوم التعليم الجامعي، وهو امر اخر ذو تكلفة خيالية في الولايات المتحدة. ببساطة فان جلب طفل الى العالم هو حلم لا يستطيع الكثيرون تحمل كلفته.
تلتقي الليبرالية المعادية للانجاب في هذه النقطة مع المحافظين وتجد حليفا فيهم. مثلا، يضع معهد بروكنجز مبدا تاجيل الانجاب بين “ثلاث قواعد بسيطة ينبغي على المراهقين الفقراء اتباعها للانضمام الى الطبقة الوسطى”! لكن هذا المبدا لا يختلف على الاطلاق عما سمعناه من المحافظين مثل جورج ويل لعقود من الزمن والذين يلومون الفقراء على فقرهم بسبب “الخيارات غير الاخلاقية” التي يقومون بها على حد زعمهم.
كما ان هذا يذكّر بالحملة العنصرية في منتصف التسعينيات عندما شارك كل من الجمهوريين وادارة الرئيس كلينتون في ادانة افة “الامهات المراهقات غير المتزوجات” كتهديد مزعوم لصحة الاطفال والقيم الاسرية في التسعينيات. في ذلك الوقت، ذهبت مجموعة اخرى من الديموقراطيين ابعد من ذلك وحاولت ان تمرر حكما يحرم اعطاء قسائم الطعام والمساعدات للامهات غير المتزوجات (واطفالهن) اذا كنَّ دون سن الحادية والعشرين.
على الرغم من التهويل الذي حدث حول تلك الامهات الشابات “الانانيات والشائنات”، كانت هؤلاء النساء في الواقع يتخذن القرارات الافضل لعائلاتهن. ترى الدكتورة ارلين جيرونيموس انه في مقابل التشهير المحافظ والليبرالي “بالامهات المراهقات الفقيرات”، فان اختيار النساء ذوات الدخل المنخفض انجاب اطفال في سن مبكرة يمثل قرارًا منطقيًا عندما ناخذ في عين الاعتبار القيود التي تواجههن كمواطنات فقيرات في امريكا. تقول: “اذا المراة وجدت عملاً، فان الاجور والعلاوات التي يمكنها الحصول عليها قد لا تعوض تكاليف كونها امّا عاملة. لا يمكنها ان تتوقع اجازة امومة؛ ولا يمكن الحصول على حضانة خلال النهار باسعار معقولة من شانها ان تحررها من الاعتماد على الاقرباء لرعاية الاطفال بمجرد عودتها الى العمل. ان فرصتها الاكبر في البقاء في سوق العمل على المدى الطويل تكمن في ان تصادف الفترة التي يكون فيها اطفالها في مرحلة ما قبل المدرسة، الفترة التي يكون فيها لديها القدرة على الحصول على الدعم الاجتماعي والعملي من اقارب يتمتعون بصحة جيدة نسبياً”.
مع هذه الفجوة الهائلة بين رغبات النساء والواقع المضني لكونهن امهات من الطبقة العاملة في امريكا، ما الذي يمكن ان يفسر وجود هذا العدد الكبير من الليبراليين المعادين للانجاب؟ حتى في فرنسا، التي اشتهرت بكونها دولة رفاه ذات سياسات ترعى الانجاب، فان وزيرة المساواة بين الجنسين الجديدة مارلين شيابا تبدو وكانها على استعداد لاعادة النظر بالالتزامات التقليدية نحو الامهات لجعلها اقرب الى المستويات الامريكية المتدنية جدا. قالت الوزيرة الفرنسية في حديثها لصحيفة نيويوركر مؤخرا: “انا الاحظ دائما الطاقة والروح التطوعية الموجودة في امريكا.. (لكن في فرنسا) فيما يتعلق بمكانة المراة، فان رد الفعل هو القول:” ما الذي ستفعله لي الدولة؟”. لكن ما الخطا في ذلك؟
الوصفة الليبرالية.. فلنستسلم لراس المال!
ان الوصفة الليبرالية للجماهير الكادحة في القرن الحادي والعشرين هي ان يقلصوا من افاقهم، ويخفضوا من توقعاتهم، ويقوموا بالمزيد بتكاليف اقل – وهذا بمعنى اخر، استمرار لبرنامج التقشف الذي استمر طوال الاربعين عامًا الماضية، نتيجة لتخلي الليبرالية التام عن الحركة النقابية. كما تخلّت الليبرالية عن وعودها بتحقيق حياة كريمة للناس، وان يقتنوا منازلا خاصة بهم، وان يعيش المسنون في تقاعد مريح -وهي كلها ليست سوى حصة ضئيلة جدا من الثروة الجماعية الهائلة الموجودة اصلا في مجتمعاتنا- والان، على ما يبدو، يريد الليبراليون لنا التخلي عن انجاب الاطفال.
تجد الليبرالية نفسها غير قادرة على تخيل اي طريقة للخروج من جحيم العيش على الهامش في عام ????، وبدلا من ذلك، فقد بدا الليبراليون يرون انفسهم على انهم حراسا للاخلاقيات الزاهدة، يقومون بمراقبة وادارة التدهور بورع عوضا عن ايجاد حل له. اي ان الليبرالية اليسارية لم تعد تعتقد انها تستطيع تغيير العالم وبدلاً من ذلك، على حد تعبير ادولف ريد، تجد ان مهمتها الاكثر اهمية هي “الشهادة على المعاناة”. فالليبراليون هم اما يعتقدون ان تحدّي الراسمالية والانهيار المناخي هو امر مستحيل، او هم ببساطة لا يرغبون في فعل ذلك. وفي كلتا الحالتين، فان الحلّ لديهم هو نفسه، وهو لا ينطوي على اعادة احياء الحركة العمالية، بل على الوعظ الاخلاقي الذي يشجع المزيد من التقشف والتضحية بالنفس.
وهذا يعني حتمًا مطالبة النساء بالتاقلم مع منطق يقول: ان انجاب الاطفال يجب ان يخضع لاملاءات السوق بدلاً من تحدي تلك القيود. عوضا عن ذلك، يتم تشجيع النساء اليوم بان يقومن بثني انفسهن الى الامام (Lean In). (المترجم: هو مفهوم يحث النساء على تحدّي انفسهن ومواجهة الصعاب عن طريق المثابرة والكفاح الفردي، عوضا عن الاتكال على التكافل الاجتماعي).
لنقارن ذلك بوضع النساء في ظل النظام الاشتراكي في المانيا الشرقية مثلاً. كانت النساء في المانيا الشرقية يتمتعن بنظام رفاه اجتماعي سخي ساعدهن على تربية الاطفال -مثل دور الحضانة المجانية بعد اسابيع قليلة من ولادة الطفل التي كانت تقدّم وجبات الافطار والغداء- بالاضافة الى تمتعهن بمعدل مشاركة قوي في سوق العمل. تم تشريع الاجهاض في عام ????، قبل سنوات من تشريعه في المانيا الغربية، وبالنسبة للنساء في الشرق، كان الطلاق ايضًا سريعًا وسهلاً ولا يكلف شيئًا. كما انهن كن اكثر شعورا بالثقة في مظهرهن الجسدي وكان لديهن معدلات اعلى من الرضا الجنسي مقارنة بنظرائهن في الغرب. وعلى الرغم من الطبيعية الاستبدادية لنظام المانيا الشرقية، فان القدرة على انجاب الاطفال في تلك الدولة لم تكن تعتمد على وجود الاسرة النووية.
في المقابل، في المانيا الموحدة، فان الحضانات باهظة ومحدودة، اذ هناك نقص كبير في عدد عاملات الحضانة. في الشرق، انخفضت معدلات الولادة مباشرة بعد سقوط جدار برلين. ومع ذلك، فان النساء في النصف الشرقي من البلاد لا يزال لديهن اطفال اصغر بكثير مقارنة باخواتهن الغربيات وهناك فجوة اصغر في الاجور بين الرجال والنساء مقارنة بالنصف الغربي من البلاد، حيث هذه الفجوة تماثل في حجمها تلك الموجودة في الولايات المتحدة اليوم، فان الدول الوحيدة التي تقترب من التزام المانيا الشرقية بمنح المراة هذا النوع من الحرية هي الدول التي حققت فيها الطبقات العاملة المنظمة انتصارات ضد الضغوط الراسمالية. مثلا فان النساء الهولنديات -على عكس النساء الامريكيات اللواتي “يتحدين انفسهن”- هن الاسعد في العالم بحسب الدراسات وبالكاد تعمل اية منهن بدوام كامل. فبفضل التعبئة النقابية، فازت الطبقة العاملة في هذا البلد بالقدرة على اعطاء الاولوية لحريتها قبل اي “واجب” تجاه سوق العمل او الازواج.
هنا -اذن- تكمن جذور المعاداة الليبرالية للانجاب -اي منطق راس المال-. على الرغم من ان الراسمالية تحتاج الى عمال ومستهلكين جدد، فانها لا ترغب في دفع تكاليف تربيتهم، بل تريد التخلص من هذه التكاليف لتضعها على عاتق الفرد والاسرة. قد يكون هذا السبب اليوم في انه في الولايات المتحدة، يتم استدعاء ضباط مكتب التحقيقات الفيدرالي وهيئة الانفاذ لشؤون الهجرة بالولايات المتحدة لمنع سرقة حليب الاطفال – اي ان الحكومة الامريكية تفضل حماية حليب الاطفال بقوة السلاح في محلات البقالة على ان يتم توزيعه مجانا. وبدلاً من القيام بتقديم المساعدات الاجتماعية لتربية الاطفال، تقوم الحكومة والشرطة الامريكية بمطاردة الاباء لاستيفاء الاموال من اجل رعاية الاطفال. من وجهة النظر هذه، انه من الافضل اجبار الاسرة النووية على البقاء معا على ان تقدم الدولة بشكل جماعي خدمات رعاية الاطفال والتعليم والرعاية الصحية الاباء واطفالهم. اي ان الزواج الاكراهي قد اصبح سياسة عامة للبلاد.
لقد انتقلنا من وجهة نظر المحافظين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية عن المراة كمعامل طيعة لانتاج الاطفال، الى وعظهن بانه ينبغي عليهن تاجيل الحمل لاطول فترة ممكنة وربما الى الابد للانطلاق في مسيرتهن المهنية. وفي حين يتقدّم الطب الانجابي حاليًا بخطوات هائلة، فان الاخصاب في المختبر، والادوية التي تعزز الاباضة، وتخزين البيض، والتلقيح الاصطناعي تعد كلها عمليات باهظة التكلفة. وبدون نظام رعاية صحية مجاني للجميع، فان هذه التطورات العلمية تظل محصورة بالاثرياء. ان مطالبة النساء بالانتظار لانجاب اطفال الى ان يصبح لديهن حياة مهنية ناجحة، وان يدخرن ما يكفي من النقود، هو مراة لوجهة النظر التي كانت تجبر النساء على البقاء في المنزل وصنع الاطفال لازواجهن. فكلتا النظرتين تطلبان من النساء عدم الاستماع الى رغباتهن، بل الى رغبة السوق، والبيئة، والنظام الذكوري الابوي، او حتى تيارات ملتوية من الحركة النسوية المزعومة.
من المهم بالنسبة لنا نحن في الطبقات المهنية ان نتذكر انه بالنسبة للغالبية العظمى من العاملين، فان سوق العمل ليس مكانا مناسبا لتحقيق الذات -ولن يكون كذلك ابداً- بدلاً من ذلك، انها حلبة مصارعة قاسية حيث تضطر الى التضحية على الاقل بثلث عمرك من اجل البقاء. في عام ????، اصبح شعار “اعمل ما تحب” بعيد المنال للجميع باستثناء الاثرياء. لن تفهم الطبقات المهنية ابدا – ان كانوا من المحافظين الذين يعيّرون الامهات غير المتزوجات او كانوا من الليبراليين الذين يطالبون بتاجيل الامومة حتى تتمكن النساء من تحمل نفقات الانجاب، كما ان تربية الاطفال تجلب السعادة لاولئك الذين ليس لديهم اي اوهام بان الراسمالية هي مصدر للسعادة والرضا.
كيف يمكننا ان نحقق ما نرمي اليه من تطبيق سياسات تقوم بمشاركة كلفة انجاب الاطفال في المجتمع، اذا كان الكثير من الليبراليين يرون الرغبة في انجاب الاطفال كشيء يشبه ابتياع شاليه في لاس فيغاس -اي كاستثمار مكلف واحمق ومغرورـ لكن عوضا من ترديد الادعاءات حول هذه السياسة الفادحة والمسيئة، علينا ان نطالب بان يتوقف راس المال عن تفادي تحمل تكاليف الانجاب ورميها على اكتاف الطبقة العاملة، وبان يتم جعلها مسؤولية جماعية بدلاً من ذلك من خلال توفير صناديق متسلزمات الاطفال وبرامج الرعاية الصحية مجانا والتي لا تغطي فقط الرعاية الانجابية ورعاية الاطفال، ولكن ايضا تجعل الاخصاب في المختبر حقا للجميع وليس ترفا. كما يجب تطوير برنامج لتوظيف وتدريب المئات من الالاف للعمل في حضانات اطفال عالية الجودة. لكن الطريقة الوحيدة التي سنحصل من خلالها على اي شيء هي من ذلك هو احياء الحركة العمالية – وليس نشر الافكار المخيفة (والعنصرية حتما) حول “تحديد النسل”.
لماذا لا يجب ان تكون النساء قادرات على انجاب طفل عندما يكنّ في عقد العشرين من العمر ثم التمتع بالحرية للشروع في الحصول على حياة مهنية؟ لماذا لا يمكن لام يافعة في السن الذهاب الى الجامعة وان تترك طفلها بامان في رعاية الدولة؟ ولماذا يجب عليها ان تجد او “تحتفظ” برجل فقط من اجل الحصول على معيل لاطفالها؟ ان الحرية الحقيقية للمراة تعني القدرة على الابتعاد عن الاختيار الخاطئ بين “انجاب الاطفال والتعليم، او الحياة المهنية؟” لكن حاليا، فقط الاثرياء يمكنهم ان يحققوا كل هذه الاشياء معا وهذا شيء غير عادل.وهم الحرية.. كيف تتلاعب الراسمالية بقرار انجابك للاطفال؟

Scroll to Top