اخبار اليوم الصحيفة, تعرف على اسرار اخبار اليوم الصحيفة, تعرف على اسرار
افادت ابحاث علمية اُجريت على اشخاصٍ يلقون خطابات عامة بان ايماءات اياديهم يمكن ان تُغيّر وبشكل فعال الطريقة التي يُنظر بها اليهم من جانب الجماهير، كما يقول دافيد روبسون في السطور التالية.
يجدر بك في المرة المقبلة التي تشاهد فيها خطاباً سياسياً او محاضرةً من تلك التي تتضمنها سلسلة مؤتمرات “تي اي دي” (TED) العالمية، ان تولي اهتمامك ولو لدقيقة، لالقاء نظرة عن كثب ليديّ المحاضر، لترصد هل حركاتهما بطيئةٌ ام مفعمةٌ بالحيوية، وما اذا كان صاحبهما يحركهما بشكلٍ محدودٍ ام يفرد ذراعيه على اتساعهما، وما اذا كانت هاتان اليدان تتحركان في اغلب الوقت راسياً ام افقياً.
فمن المعروف على نطاقٍ واسعٍ ان الطريقة التي تُستقبل بها رسالةٌ ما قد تتاثر بالاشارات والايماءات غير اللفظية لمُرْسِلِها، بشكلٍ اكبر من تاثرها بالكلمات المنطوقة ذاتها.
وعلى سبيل المثال، اكتشفت “بي بي سي كابيتال” مؤخراً ان الصوت الاكثر عمقاً يعزز التصورات الخاصة بان صاحبه يحظى بقدرٍ اكبر من السلطة والنفوذ، بل ان ذلك يؤثر – على ما يبدو – في الدخل المادي للرؤساء التنفيذيين ومدة بقائهم في كنف الشركات التي يعملون لحسابها.
الان خَلُصَت سلسلة ابحاث اجراها الباحث ماركوس كوبنشتاينر من جامعة فيينا مؤخراً لدراسة الطريقة التي “يتكلم بها الناس بايديهم” الى نتائج لافتةٍ للنظر.
فقد تبين ان اشارات اليد وتلويحاتها تكشف عن عناصر مهمة في شخصيتك كان تكون انبساطياً او مُهيمناً، حتى مع وضع مختلف العوامل الاخرى المتعلقة بذلك الامر في الحسبان. بل ان هذه الايماءات قادرةٌ على ان تغير تصور الاخرين عن طول قامتك، لتجعلك تبدو اطول او اقصر مما انت عليه، بعدة سنتيمترات اعلى او اقل.
ومن شان نتائج دراسات كوبنشتاينر ان تعيد الى الذهن – على ما يبدو – البحث الشهير الذي اُجري حول ما يُعرف بـ”الوَقْفات المُهيمنة او المُسيطرة”، وهي عبارة عن استراتيجيةٍ لاتخاذ وضعيةٍ جسديةٍ تقف فيها منتصباً واضعاً يديْك على وركيْك ومُباعداً بين ساقيك، على غرار الطريقة التي تقف بها شخصية “المراة الخارقة” على سبيل المثال.
ويُعتقد ان هذه الايماءات واللفتات الصغيرة تُحدثْ ردود فعلٍ تتلقاها الدماغ على شكل “رجع صدى” او “تغذيةٍ عكسيةٍ”، ما يدفع المرء للشعور بانه صاحب شخصية اكثر ثقة وحزماً، قبل ان يتحدث امام الجماهير.
وفي هذا الصدد تقول الاستاذة في جامعة هارفارد ايمي كَدي – التي اجرت الكثير من الدراسات المتعلقة بـ”الوقفة المُهيمنة” – ان الانسان يتظاهر بانه يحظى بتلك الثقة الى ان يتمكن من ان يتمتع بها بالفعل.
ورغم ان ابحاث كَدي لاقت انتقادات في ظل وجود بعض الشكوك الجدية بشان مدى دقة ومصداقية نتائجها، فان الدراسة الاخيرة التي تحدثنا عنها في بداية هذه السطور، اظهرت ان للوقوف في وضعياتٍ توحي بالهيمنة والسيطرة تاثيراً قوياً على ما يبلوره الناس من تصوراتٍ بشان انفسهم.
غير ان هناك بعض الاختلافات المهمة بين الدراسة الاخيرة والابحاث التي جرت في السابق حول “الوقفات المُهيمنة”. فتلك الوقفات كانت مُصممةً في الاساس لكي يقوم بها المرء بعيداً عن الانظار لكي يزيد ثقته بنفسه قبل مشاركته في اجتماعٍ ما، كما انها تُمثل – بوجهٍ عامٍ – وضعياتٍ جسديةً ساكنةً وثابتةً، اكثر من كونها اوضاعاً متحركةً.
اما بحث كوبنشتاينر فيختار محوراً مختلفاً له تماماً، اذ يتناول بالفحص والدراسة حركات ايادي الخطباء والمتحدثين خلال القائهم لكلماتهم، والطرق التي يؤثر بها ذلك على ما يُشكل عنهم من تصورات.
وفي الدراسات التي يجريها هذا الخبير، يُستعان عادةً بمقاطع مصورة لخطاباتٍ حقيقية القاها سياسيون. ثم تُحول صور هؤلاء الخطباء الى رسومٍ متحركة مُبسطّة بشدة، تكتفي باظهار قوام الشخص في هيئة خطوط مجردة لا تكشف عن ملامحه باي شكلٍ من الاشكال، وهو ما يلغي تاثير ما يُوصف بالعوامل المُربكة لافراد العينة مثل تعبيرات الوجه، بحكم ان هذه التعبيرات لن تكون ظاهرةً امام المبحوثين عندما تُعرض عليهم تلك الرسوم.
وطُلِبَ من المشاركين في الدراسة بعد ذلك اعطاء تقييمهم للشخصيات المرسومة التي يرونها امامهم في هذه المقاطع المصورة الصامتة، وذلك ليستنبطوا من حركاتها الجسدية ما اذا كان اصحاب تلك الاشكال يتسمون بخصالٍ شخصيةٍ معينةٍ.
وبرغم انه بدا ان هناك صفاتٍ يصعب استنباط وجودها من عدمه من خلال مراقبة ايماءات اليد واشاراتها مثل التحلي بضميرٍ حيٍ، فان بعض الصفات الاخرى كانت مرئيةَ وظاهرةً بوضوح.
فعلى سبيل المثال، بدا ان كون المرء صاحب شخصيةٍ انبساطيةٍ مرتبطاً اكثر بقيامه بتحريك يديه – عموماً – لمراتٍ اكثر، على ان يتخلل ذلك فتراتٌ قصيرةٌ تتوقف فيها اليدين عن الحركة.
اما بلورة مفهومٍ عن شخصٍ ما بانه يحظى بسلطة ونفوذ فقد بدا – حسب الدراسة – متصلا بمدى اتساع الحيز الذي يُحرك فيه يديْه بشكلٍ راسيٍ؛ ما اذا كانت يداك تتحركان – مثلاً – من على مستوى المنصة التي تقف وراءها، مُرتفعةً حتى مستوى كتفك ام لا.
واشارت النتائج الى انه يُنظر الى من يحركون – على نحوٍ منتظمٍ – اياديهم على هذه الشاكلة التي تاخذ حيزاً واسعاً، على انهم اقل سلاسةً في التعامل واكثر هيمنةً وسيطرةً في الوقت نفسه.
ويقول كوبنشتاينر ان هذه النتيجة تكررت بشكلٍ متناغم ومتسقٍ عبر الكثير من الاوراق البحثية التي اعدها.
وفي مقالٍ لافتٍ للنظر على وجهٍ خاصٍ نُشِرَ عام 2015، قال هذا الباحث انه اكتشف ان تقييم المبحوثين للخصال الشخصية التي يتمتع بها سياسيٌ ما القى خطبة امام جماهير، عبر اعتمادهم فقط على مشاهدة افلامٍ متحركةٍ صامتة تُظهر رسماً مُبسّطاً لحركات جسد هذا السياسي دون ملامحه؛ قد يُنبئ بقدر التصفيق والاطراء الذي لاقاه من جمهوره في الواقع بالفعل خلال القاء الكلمة.
كما لم تخل نتائج الدراسة من استخلاصاتٍ شديدة القيمة والاهمية، في ضوء ان التصورات والتقييمات التي كوَّنها المبحوثون عن السمات الشخصية للمحاضرين والخطباء، انبات كذلك بما اذا كان هؤلاء قد قوطعوا من جانب الحاضرين ام لا، وهو ما يشير الى ان الايماءات والاشارات التي توحي بان شخصاً ما يحظى بالهيمنة والسلطة والنفوذ، يمكن ان تشكل عاملاً ايجابياً او سلبياً بحسب السياق الذي تصدر فيه.
فربما يُنظر الى تلك الاشارات – في ظروفٍ غير مواتيةٍ – على انها علامةٌ على الغطرسة او العدوانية.
الطول المتوهم للقامة
ولا يقتصر تاثير تحريك المُحاضر ليده بشكلٍ عموديٍ – وعلى حيزٍ مكانيٍ واسعٍ – على تحدي هيمنة التصورات المسبقة على عقلنا، بل يمتد الى تعديل تخمينات من يرون هذا الرجل بخصوص طول قامته كذلك.
ويقول كوبنشتاينر ان افراد العينة كانوا متاثرين عموماً بالطول الحقيقي للرسوم المُبسّطة التي صوَّرَت المتحدثين والخطباء في الافلام التي عُرِضَتْ عليهم، “ولكن اذا حرك هؤلاء اياديهم ارتفاعاً وانخفاضاً بقوةٍ ونشاطٍ، وصاحب ذلك الكثير من حركات فرد الذراعين على اتساعهما، سَيُرَى اولئك الاشخاص على انهم اكثر طولاً على ما يبدو”.
ولا يزال الغموض يكتنف الالية النفسية المحددة التي تقود لحدوث ذلك. ففي ضوء ما اظهرته دراسةٌ سابقةٌ من انه يُنظر الى الاشخاص الاطول قامة – بشكل طبيعي- على انهم ذوو سماتٍ قياديةٍ افضل، من الممكن ان تكون تحركات الايدي هذه تخلق ضرباً من الوهم البصري يزيد من الطول الذي يقدره الاخرون لهؤلاء، وهو ما يسهم بالتبعية في بلورة تصوراتٍ متعلقةٍ بان لديهم قدرةً اكبر على الهيمنة والنفوذ.
لكن الامر قد يمضي ايضاً في الاتجاه المعاكس، اي ان يقود الاحساس بتمتع شخصٍ ما بمزيدٍ من السطوة والنفوذ الى تغيير تصورات من يرونه حول طول قامته.
وفي هذا السياق، يقول ماركوس كوبنشتاينر: “نعلم انه يُنظر الى الاشخاص الذين يشغلون مواقع مرموقةً على انهم اطول قامة”، مُشيراً الى ان الناس غالباً ما يبالغون – مثلاً – في طول الممثل توم كروز. ورغم ان ذلك ربما يكون ناجماً عن براعة المصورين في اداء عملهم، فانه قد يُعزى كذلك الى الطريقة التي يبرز بها كروز ثقته في نفسه ويعبر عنها.
ومن شان النتائج التي خَلُصَ اليها كوبنشتاينر، ان تعزز على ما يبدو استخلاصات دراساتٍ اخرى اتسمت بطابعٍ اقل منهجية.
فعلى سبيل المثال، حللت فانيسا فان ادواردز – وهي كاتبةٌ ومدربةٌ على استخدام لغة الجسد – مئاتٍ من المحاضرات التي تُنظم في اطار سلسلة مؤتمرات “تي اي دي” العالمية، وذلك لفهم الاسباب التي تجعل بعض هذه النقاشات تنتشر كالنار في الهشيم، بينما يتلاشى البعض الاخر دون ان يحظى سوى باهتمامٍ محدودٍ للغاية، حتى وان اتفقت تلك المحاضرات في الموضوعات التي تتناولها الى حد بعيد.
وقد كشفت فان ادواردز ان المقاطع المصورة الاكثر نجاحاً هي تلك التي احتوت على عددٍ من الايماءات والاشارات باليدين يزيد بمقدار الضعفين تقريباً على ما تضمنته المقاطع التي لم تحظ بمتابعةٍ مماثلةٍ، بواقع 465 اشارةً وايماءةً مقابل 272.
وفي ما يتماشى ايضاً مع نتائج الدراسة التي اجراها كوبنشتاينر، كشف عدد المرات التي فتح فيها شخصٌ ما ذراعيه على اتساعهما وهو يخاطب الجمهور، عن مستوى تقييم الجمهور له من حيث الكفاءة والجاذبية الشخصية.
ويجدر التاكيد هنا على ان كوبنشتاينر لم يختبر بعد ما اذا كان بوسع الناس محاكاة الايماءات الاخيرة هذه، من اجل تغيير الطريقة التي ينظر بها الاخرون اليهم.
ومع ذلك، فانه يشك في ان الكثيرين يلجؤون الى الاداء المصطنع بعض الشيء في اشاراتهم وايماءاتهم، برغم ان هذا ربما يكون يسيراً على بعض انماط الشخصيات اكثر من بعضها الاخر. ويُعقّب كوبنشتاينر على ذلك قائلاً: “يمكنك ان تُحْدِثَ سلوكياتٍ بعينها، وكذلك نتائج وانطباعاتٍ معينةً لدى الناس، ولكن ربما يكون هناك حدودٌ لذلك”.
وبالنظر الى ان القاء كلمةٍ امام جمهورٍ عام يُصنَّف باستمرارٍ على انه المصدر الاكبر لشعورنا بالخوف المرضي، فان اي نصيحةٍ ولو بسيطة تستهدف تحسين هذه التجربة قد تعزز الثقة وان على نحوٍ طفيف، وهو ما سيلقى بالقطع ترحيباً من جانب الكثيرين.
لذا فلتدع يديك تتحدث، وربما ستكتشف حينذاك ان الكلمات ستعتني بنفسها جيداً.
المصدر: موقع BBC Capitalتعرف على اسرار “لغة اليد” التي تجعلك اكثر جاذبية واقناعا
