من-ضيق-القصور-الى-سعة-العبادة.-ملوك-هجروا-الكرسيّ-من-اجل-سجادة-صلاة

من «ضيق» القصور الى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من اجل سجادة صلاة!

اخبار اليوم الصحيفة, من «ضيق» القصور اخبار اليوم الصحيفة, من «ضيق» القصور

تركتُ الخلقَ طرًّا في هواكا * وايتمتُ العيالَ لكي اراكا
فلو قطّعتني في الحبِّ اربًا *
لما حنّ الفؤادُ الى سواكا
بعدما انهى ابو يوسف «يعقوب بن يوسف المنصور» – من سلاطين الموحدين – غزوته الاخيرة في الاندلس، رجع قافلًا الى عاصمته في بلاد المغرب، وفي احدى الليالي التي اشتدَّ عليه فيها المرض شاهد اباه «يوسف بن عبد المؤمن» في المنام جالسًا بين ابنائه، ومنهم يعقوبُ نفسه، ويحدثهم، ثمّ التفتَ الى يعقوب قائلًا: «يا يعقوب لم قتلتَ اخاك وعمَّك؟» وعاتبه تاليًا هذه الايات من سورة الزمر: «اِنَّكَ مَيِّتٌ وَاِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ اِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ».
كان يعقوب قد قتل اخاه وعمّه؛ بسبب صراعٍ على الملك. لكنّ يعقوب ايضًا كان «فاضلًا عاقلًا، حازمًا عازمًا، متواضعًا لله مجاهدًا في سبيله» على ما يصفه المراكشيّ في كتابه «البيان المُغرِب». ويعقوبُ هذا وفقًا لاغلبِ اوصافه كان عالمًا فاضلًا، يحبُّ العلم ويتقرَّبُ لاهله. كانت هذه الرؤيا هي النهاية بالطبع؛ فبعد فترةٍ يسيرة حضر الموتُ يعقوب، فجمعَ اهله، واوصاهم بالرعيّة، ورؤوس القوم، والوزراء، والقبائل المغاربية قبيلةً قبيلة. وقُبيل هذه الوصيّة ارسل لامّ اخيه يستغفرها في دم اخيه الذي قتله بسبب تصاريف الملك وامور السياسة؛ فسامحته، واقسم ليبرّنها في اخيها، فعيّن خال اخيه واليًا قُبيل وفاته، واوصى ابنه الا يخلعه، فظلّ في ولايته قرابة 30 عامًا، خرج منها لما مات فقط.
لكنّ الرواية الاخرى لنهاية يعقوب، انّه لمّا احسّ بوحشةِ الملك، وضيقِ السلطة، اشاعَ في النّاس موته، وهرب! هرب من عاصمته، ومن وزرائه، ومن رعيّته ومن اعدائه على السواء. ويُقال انّ نهايته الحقيقيّة كانت بالشام، وانَّهُ مدفونُ بموضعٍ معروفٍ في لبنان.
للعرب حِكمٌ ومواعظ استخلصوها من علاقتهم بالسُّلطة، ربما ابرز هذه الحِكم انّ «المُلكُ عقيم»، لا تفرقةَ فيه بين ابنٍ او اخٍ او اب، فالسلطة تُفسد الصالحين، وتجذبُ السوء. لهذا فليس غريبًا ان نجد «اورنجزيب عالم كير» السلطان المغوليّ المسلم منحيًا اباه في سجن قلعته، وقاتلًا اخاه الاكبر، مستحوذًا على السلطة، او ان نجد «ابراهيم زيادةُ الله» قاتلًا جميع اخوتهِ واعمامه، او «سليمان القانوني» قاتلًا ابنه البكر وولي عهده «مصطفى» خوفًا من نفوذه المتعاظم بين الجُند وقادة الانكشاريّة.
لكن هل كان المُلك عقيمًا دومًا؟ الاجابة هي: نعم، ولكنه رغم عُقمه، ورغم شهوتهِ وسلطانه اللامحدود، وجد بعض البشر – وهم اندر من الندرة ذاتها – انّ بُعدهم عن «ضيق» السلطة منجاةٌ لهم. في التاريخ الاسلاميّ الكثير من ابناء الملوك والولاة الذين هجروا سلطان الدنيا لسلطان العبادةِ والتصوُّف، مثل «ابراهيم بن ادهم» و«ابي بكر الشبلي» وغيرهما من شيوخ المتصوفة، وايضًا الجميع يعرف تخلِّي الحسن بن عليّ عن الخلافة لمعاوية، لكن بالتنقيب اكثر في كتب التاريخ، نجد ملوكًا وسلاطين حيزت لهم الدنيا كاملةً بحذافيرها واكثر دونَ صراع، ثمّ اشاحوا عنها حبًّا في العُزلةِ والعبادة.
السلطان مراد الثاني.. المؤسس الثاني للدولة العثمانية
كان مراد الثاني شابًّا يافعًا عندما اعتلى كرسيّ السلطنة لا يتجاوز 18 عامًا. ورث السلطنة بعد ابيه السلطان محمد جلبي الاوّل، الاب الذي استطاع ان يجمعَ شتات دولةِ اجداده بعد تشرذُمها، والاب الذي كان رؤوفًا؛ فاطلق سراح عدوِّه بعد نكثه عهده معه مرتين متتاليتين، لكنَّ «مُراد» لديه مهمَّةٌ اخرى صعبة، وهو الشابُ الصغير: ان يُعيد ما خرج من الممالك من السلطنة بعد مقتل بايزيد يلدرم (بايزيد الصاعقة) على يدِ تيمور لنك.
استطاع الشابُ النشيط، والمحارب الذكيّ، ان يجمع شمل شتات السلطنة المتشظّية، وبعد حوالي 25 عامًا من الحكمِ والحرب، جاءت «كُجا سلطان مُراد» طامّةٌ كبرى اطاحت بعقلِه وقلبِه: لقد توفّيَ وليُّ عهده الشاب «علاء الدين اولو»، ومع احساس السلطان بالتعبِ والارهاق خلدَ الى حياةِ العبادة، متخليًا عن السلطنة لولدهِ الاصغر «فاتح سلطان محمد خان ثاني» (محمد الفاتح) ومنعزلًا في مانيسا.
لوحة للسلطان مراد الثاني
كان مُحمّد الثاني في الثانية عشر فقط من عمره، لا يُحسنُ من اصول السلطة وادارة الحُكم شيئًا، ورغم انّ اباه قد احاطهُ بكبار رجال دولته المحنّكين، فقد سارت الجيوش الاوروبيّة في تحالفٍ، ضمّ: المجر، وبولونيا، والمانيا، وفرنسا، والبندقيّة، تحت سلطة البابويّة، سارت هذه الجيوش لاقتلاع الدولة العثمانيّة.
في هذه الفترة اجتمع كبار رجال الدولة، وابلغوا مُحمّد الصغير انّ والدهُ يجب ان يعود على راس الجيش ليحفظ السلطنة، ارسل الصغير رسالة الى والده يطلبهُ فيها، لكنّ مراد كان قد احبّ حياة العزلة بعيدًا عن السلطنة ومشاربها والحرب وشئونها؛ فقد اعتزل الدنيا مع مقرَّبيه: حمزة بك، واسحاق باشا.
بعض المصادر تذكرُ علاقةً شديدة الوضوح للسلطان مراد – المُستقيل – مع الطريقة البراميّة (بيراميلك)، اذ انّ السلطان قد اعفى مريدي هذه الطريقة من الضرائب. حاصل الامر انّ السلطان اعتزل السلطنة، وبعد ردِّه على ولده، بانّ الدفاعَ عن السلطنة من واجبات السلطان – اي محمّد – فقد ارسل ابنهُ الصغير رسالته النهائية لوالده: «ان كنّا نحنُ البادشاه (السلطان)، فانَّا نامركَ: تعالوا على راس جيشكم. وان كنتم انتم فتعالوا ودافعوا عن دولتكم!».
اضطرّ مُراد ان يقبل «امر» ولدهِ السلطان، فعاد من فورهِ وجهّز الجيش وانتصر في المعركة انتصارًا كاسحًا، وعادَ الى العاصمة ادرنة، دون ان يخلع ولدهُ عن السلطنة، ولكنّ كبار رجال الدولة والجيش طلبوا عودة مُراد من عزلته، فعاد مضطرًا مرة اخرى، لكنّه لم يتحمَّل اعباء السلطنة اكثر من خمسة اشهر، اعتزل بعدها مرةً اخرى، وسلَّم السلطنة لولدهِ اليافع.
في هذه المرة الثانية ثارَ الجند الانكشارية، واستصغروا سلطانهم – اذ جرت العادة بخروج السلاطين على راس جيوشهم، وهو ما لم يكن متحققًا في محمد – وقاموا ببعض افعال التخريب في العاصمة، فاضطرَّ مراد ان يعود لكرسيّ السلطنة مرغمًا، بعدما هجرهه وتركه مرتين!
خمسُ سنواتٍ اخرى، وستنتهي حياته تمامًا، ليعتزل السلطةَ والخلقَ جميعًا.
معاوية بن يزيد.. الشابّ الزاهد الذي رفض الخلافة
ماذا سيكونُ حظُّ فتىً في الحادية والعشرين من الدنيا، وقد سيقت له خلافةُ المؤمنين بعد وفاة ابيه؟ في التاريخ هناك ملوكٌ وسلاطين وخلفاء جاءت لهم الخلافة وهم في زهوة الشباب، غير عابئين بثقل المسؤولية وصعوبة السلطة، فخرجوا لاهين مترفين، لا تستقيم لهم الدولة. كان بامكان «معاوية بن يزيد» ان يصبح واحدًا من هؤلاء المترفين الذين جاءتهم «الخلافة» على طبقٍ ذهبيٍّ بالوراثة.
لكنّ معاوية بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان كان لهُ رايٌ اخر.
يخبرنا الفقيه «ابن حجر الهيتمي» بما فعل معاوية بن يزيد. اذ صعد على المنبر، وجمع الناس، وقال: «انَّ هذه الخلافة حبل الله، وانّ جدّي معاوية نازع الامر اهله، ومَن هو احقُّ به منه: عليّ بن ابي طالب – عليه السلام – ورَكِبَ بكم ما تعلمون؛ حتّى اتته منيّته؛ فصار في قبره رهينًا بذنوبه، ثمّ قلّد ابي الامر، وكان غَيرَ اهلٍ له، ونازع ابن بنت رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهينًا بذنوبه». ثمّ بكى معاوية واكمل: «مِنْ اعظم الامور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، و قد قَتَلَ عترة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – واباح الخمر وخرّب الكعبة، ولم اذق حلاوة الخلافة، فلا اتقلّد مرارتها، فشانكم امركم، والله لئن كانت الدُّنيا خيرًا، فقد نلنا منها حظًّا (يقصد بني ابي سفيان)، ولئن كانت شرًّا فكفى ذرّية ابي سفيان ما اصابوا منها».
هل كانَ زُهدُ معاوية في الخلافة وموقفه الرافض لافعال ابيه وجدِّه سببًا في مقتله؟ ليس هناك امرٌ واضحٌ محدَّد، فالمؤرخون يجمعونَ انَّهُ قد مات بعد خطبتهِ تلكَ باربعين يومًا، وقيل بشهرين، وقيل اقلُّ من ذلك، لكنَّ المسعوديّ في كتابه «مروج الذهب» يقول: «وقد اختلفَ في سببِ وفاته، فمنهم من راى انَّهُ سُقيَ شربةً، ومنهم من يرى انَّهُ طُعن، ومنهم من راى انّه مات حتف انفه (اي على سريره بلا سبب)». فهل يموتُ شابٌّ في الحادية والعشرين من عمره بعد رفضه الخلافة ميتةً طبيعية؟ قد يحدث هذا بالطبع، لكن قد يحدث ان يكون موتهُ مدروسًا ومخطَّطًا، وقيل انّ بني امية اجتمعت عليه لمّا حضرتهُ الوفاة، وطلبوا منه ان يُعيّن احدهم خليفة، فرفض مبررًا رفضه انَّه لا يرى منهم من هو مثل عمر بن الخطاب ليقلِّده الخلافة، ولم يرَ من هم اهلٌ للشورى، كالستة الذين انتدبهم عمر بن الخطاب للشورى بعد موته، وعاتبتهُ امه على ذلك، فلاذ بقوله: «اللهم اني برئٌ منها – الخلافة – متخلٍّ عنها!».
احمد السبتيّ.. وليُّ العهد الحقيقي لهارون الرشيد
كان الفتى يُنظر اليه باعتباره وليًا لوليّ العهد، وليًّا لعهد اخيه الاكبر. وليُّ العهد القادم، والذي بعدهُ يجب ان يكون له وليٌّ اخر للعهد، مولودٌ من حرَّة. فـ«الخليفة» ليس فقط ابنًا لابيه، وانما لامِّهِ ذات الحسبِ والنّسب. لذلك تزوَّج هارون الرشيد من زبيدة بنت جعفر بن المنصور، حفيدةُ الخليفة المنصور. وانجبت لهُ ابنهُ الاكبر ووليّ عهده محمّد الامين، لكنّ الشاب – وليُّ ولي العهد – الذي سيملكُ الدنيا باسرها لاحقًا احبّ جاريةً وهامَ بها؛ فتزوّجها، ثمّ خافَ من ابيهِ المهديّ ان يبطش به؛ بعد ان ولدت لهُ ولدهُ الاول – قبل زبيدة – احمد، فقام بارسالها وولدها الى البصرة، واعطاها خاتمًا فيه ياقوتة يساوي مالًا عظيمًا، وامرها ان ترجع اليه عندما تؤول اليه الخلافة.
لوحة: هارون الرشيد يستقبل وفدًا
مرّت الايام والسنين، حاول الهادي اعفاء اخيه من ولاية العهد، لكن لم يستَقِم لهُ ذلك، ومع صعود هارون الرشيد، صعد نجمُ زبيدة القرشيّة حفيدة ابي جعفر المنصور، وصعدَ بالطبع نجمُ ابنها «وليُّ العهد»، فهو الابن الاكبر للرشيد، لكنّ هذه نصفُ حكايتنا.
لم تعُد زوجةُ الرشيد الاولى اليه، ولا راى ابنه مرةً اخرى. خرج ابنهُ احمد زاهدًا ورعًا، غير عابئٍ بملكِ ابيه الذي حاز الدنيا، ولا بماله، ولا باحقيّتهِ في الخلافةِ من بعده، وان كان ابنَ جارية. كان احمد يعملُ يومًا واحدًا في الاسبوع، ليسَ من كثرةِ التّرف، ولا من زيادةِ ماله، وانما زهدًا وحبًّا في العبادةِ والعزلة؛ اذ كان يعملُ يومَ السّبت فقط – ومن هنا جاءت كنيته «السبتيّ» – ويختلي بقيّة ايّام الاسبوع للعبادةِ والذكر. كان يعملُ «طيّانًا»، واجرتهُ عن يوم العمل هذا درهمٌ ودانق، لا اكثر.
حين حَضَرَتهُ الوفاة، طلب من مالك المزرعة التي يعملُ بها طلبين. الاوّل: ان يدفنهُ في ثيابه البسيطة التي عليه. والثاني: ان يحمل الخاتم ذا الياقوتة الحمراء الذي اعطاهُ الرشيدُ لامِّه، ويذهب به للخليفة، حاملًا رسالة ابنهِ البِكر، ووليّ عهدهِ المُفترض: «اياك ان تموت في سكرتك هذه فتندم، حيث لا ينفعُ نادمًا ندمه، واحذر انصرافَكَ من بين يدي الله الى الدارين، وان يكون اخر العهد بك، فانّ ما انت فيه لو دام لغيركَ لم يصل اليك، وسيصير الى غيرك، وقد بلغك اخبار من مضى».
حمل الرّجل الخاتم والرسالة وذهب الى الرشيد، الذي ما ان شاهد الخاتم حتّى عرف صاحبه، لكنه فوجئ بموته، وبالرسالةِ التي ارسلها له، بكى الرشيد، وظلّ يضربُ نفسه بالارض صائحًا: «لقد نصحتني يا بُنيّ!». انتقلت الخلافةُ بعد الرشيد الى ابنه محمّد الامين الذي صارع اخاه المامون على الخلافة؛ حتى صارت للمامون بعدما قتل اخاه «الاكبر».من «ضيق» القصور الى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من اجل سجادة صلاة!

Scroll to Top