اخبار اليوم الصحيفة, ملاذكرد.. المعركة التي اخبار اليوم الصحيفة, ملاذكرد.. المعركة التي
ينقل المؤرخ عز الدين بن الاثير مشهدا
مؤثرا من معركة ملاذكرد قائلا: “لما كان تلك الساعة صلّى بهم وبكى السلطان (الب ارسلان) فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: مَن اراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يامر وينهى، والقى القوس والنشّاب (السهام)، واخذ السيف والدبوس (الة حربية)، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله ولبس البياض، وقال: ان قُتلت فهذا كفني، وزحف الى الروم وزحفوا اليه، فلما قاربهم ترجَّل وعفّر وجهه على التراب وبكى واكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت اليه العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم، وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وانزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقُتل منهم ما لا يحصى حتى امتلات الارض بجثث القتلى واُسِر ملك الروم”([1]).
راينا في تقريرنا السابق دور السلاجقة المهم في اعادة بث الروح في الدولة العباسية التي كانت ترزح تحت الضغوط والهيمنة البويهية التي خالفتها سياسيا ومذهبيا، وكيف تم توحيد اقاليم العراق وايران ووسط اسيا وشمال الشام تحت راية السلاجقة، هذا الاتحاد الذي اعاد الاهمية الجغرافية والعسكرية لهذه الدولة الوليدة، التي كان لها مشروع واضح في زمن السلطان الب ارسلان، تمثل هذا المشروع في توسيع رقعة الدولة، والعمل على الوحدة السياسية والثقافية بين اقطارها، والمواجهة الصريحة والمباشرة للروم البيزنطيين بدلا من اسلوب الغارات القديمة للسلاجقة وبعض القبائل التركمانية الاخرى التي كانت نتائجها غير مؤثرة.
وكان مما شجع السلطان الب ارسلان على التفكير في غزو بلاد الروم انه وثّق صلاته بالدولتين الغزنوية والخانية في اسيا حتى يؤمن ظهره، فلا يطعن من الخلف، وهو مشغول بغزو الروم، فربط دولة السلاجقة برباط المصاهرة مع هاتين الدولتين بان تزوج احد ابنائه ابنة السلطان ابراهيم الغزنوي وتزوج ابنه الاكبر ملكشاه ابنة طمغاج ملك الخانيين، وهيات هذه المصاهرات السياسية ان يتفرغ الب ارسلان لغزو بلاد الروم البيزنطيين في مناطق اذربيجان وارمينية وجورجيا[2].
ملاذكرد في الرواية الاسلامية
كان الامبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينيس (رومانوس الرابع) على اطلاع من خلال مخابراته بتحركات السلاجقة وتوسعاتهم واهدافهم في مناطق التخوم والتماس شرق وجنوب الامبراطورية الرومانية، في كل من شمال الشام والعراق وارمينية واذربيجان وجورجيا، وحين تمكن السلطان الب ارسلان من تاكيد السيادة السلجوقية على حلب، والعودة الى ايران وتفرق الجيش السلجوقي للراحة، قرر ديوجينيس استغلال الفرصة والقضاء على هذا العدو الجديد الذي يهدد الدولة الرومانية بقوة هذه المرة.
جمع رومانوس جيشا جرارا يمكن وصفه بالجيش الصليبي الذي قدّرته بعض المصادر(3) بمائتي الف مقاتل من اعراق الروم والروس والفرنج والارمن وغيرهم، تروي بعض المصادر التاريخية انهم “جاءوا في تجمّل كثير، وزيّ عظيم، وقصد بلاد الاسلام فوصل الى ملاذكرد من اعمال خِلاط (اقصى شرق تركيا الان) فبلغ السلطان الب ارسلان الخبر وهو بمدينة خوى من اذربيجان عائدا من حلب وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو»([3]).
اسرع الب ارسلان لمواجهة الامبراطور البيزنطي عند منطقة ملاذكرد التي استولى عليها الامبراطور البيزنطي، وهذه المدينة (malazgirt تقع شمال بحيرة فان/وان بالقرب من ارمينيا. في محافظة موش التركية شرق الاناضول الان)، بيد ان رومانوس كان يريد اختراق ثغور المسلمين من ناحية الجزيرة الفراتية شمال العراق والتوغل في الاراضي الايرانية لضرب السلاجقة في عمق دولتهم بل واحتلالها، وقد فطن الب ارسلان لخطة العدو، وكان في ذلك الوقت بلغ اذربيجان في خمسة عشر الف مقاتل فقط[4].
حيث تشير بعض المصادر الى ان ارسلان انزعج عندما راى ضخامة جيش العدو البيزنطي وما كان منه الا ان ارسل الى الامبراطور رومانوس يطلب المهادنة والصلح، وكان هدفه من ذلك كسب الوقت ريثما تصله الامدادات العسكرية والعدد الكافي من المقاتلين، غير ان الامبراطور اصر على الحرب ومواصلة الزحف رغبة منه في عدم ضياع الوقت والفرصة، وقال: “اني قد انفقت الاموال الكثيرة، وجمعتُ العساكر الكثيرة، للوصول الى مثل هذه الحالة، فاذا ظفرت بها، فكيف اتركها؟! هيهات لا هدنة الا بالرّي (عاصمة السلاجقة) ولا رجوع الا بعد ان افعل ببلاد الاسلام مثل ما فَعل (الب ارسلان) ببلاد الروم”([5]).
فهذه الرواية التي يذكرها المؤرخ ابن الجوزي في تاريخه «المنتظم» توضّح الدافع الذي اخرج رومانوس بهذه الجيوش الجرارة؛ فقد كانت في نظره ردة فعل طبيعية لجهاد السلاجقة في منطقة القوقاز الجنوبي وشرق الاناضول، واستيلائهم على اجزاء وحصون كثيرة منها، مما هدد البيزنطيين بصورة لم تحدث منذ عصر العباسيين الاقوياء هارون والمامون والمعتصم.
ايقن السلطان الب ارسلان ان انتظاره لقوات معاونة تاتي من العراق او الري في ايران سيستغرق وقتا طويلا وسيتسبب حتما في احتلال البلاد الاسلامية ان تقاعس عن الدفاع، ومن ثم نراه يتخذ قرارا شجاعا لاقصى درجة؛ بمواجهة القوة البيزنطية التي تقدر بمائتي الف بجيشه الصغير الذي لا يتعدى الخمسة عشر الف مقاتل. وهذا ما ينقله الاصفهاني مؤرخ السلاجقة بقوله: “راى السلطان انه ان تمهّل لحشد الجموع ذهب الوقت، وعظُم البلاء، وثقلت اعباء العباد، فركب في نخبته، وتوجّه في عُصبته وقال: انا احتسب عند الله وان سعدتُ بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي (قبري)، وان نُصرتُ فما اسعدني، وانا امسى ويومي خير من امسي”([6]).
على ان المؤرخ عز الدين بن الاثير ينقل لنا رواية تُظهر مشهدا اخرا يتجلى فيه دور العلماء والفقهاء في تحفيز القادة والجند، فان الب ارسلان لما قوبل طلبه للهدنة بالرفض انزعح انزعاجا شديدا حتى بدا عليه ذلك، فما كان من امامه وفقيهه ابي نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي الا ان قال له محفزا: “انك تقاتل عن دين وعدَ الله بنصره واظهاره على سائر الاديان، وارجو ان يكون الله تعالى قد كتبَ باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال بالساعة التي تكون الخطباء على المنابر فانهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالاجابة”([7]).
قبِل الب ارسلان هذا القول من شيخه، وهو موقف يشبه الى حد كبير ما كان من اق شمس الدين مؤدب وشيخ السلطان العثماني محمد الفاتح فاتح القسطنطينية بعد ذلك باربعة قرون كاملة، وفي (19 اب/اغسطس 1071م/463هـ) و”لما كان تلك الساعة صلّى بهم (الب ارسلان) وبكى السلطانُ فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعَوا معه، وقال لهم: مَن اراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يامر وينهى والقى القوس والنشّاب، واخذ السيف والدبوس (الة حربية)، وعقد ذَنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله ولبس البياض، وقال: ان قُتلت فهذا كفني، وزحف الى الروم وزحفوا اليه، فلما قاربهم ترجَّل وعفّر وجهه على التراب وبكى واكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت اليه العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم، وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وانزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقُتل منهم ما لا يحصى حتى امتلات الارض بجثث القتلى واُسِر ملك الروم”([8]).
ورواية المؤرخ كمال الدين بن العديم في تاريخه “زُبدة الحلْب في تاريخ حلَب” تكشف لنا تكتيك الخداع الذي استخدمه المسلمون في هزيمة الروم؛ حيث تسلل اهل ملاذكرد الى المعسكر الرومي وفتكوا بهم من داخلهم، يقول ابن العديم: “وشرع اهل منازكرد يتسللون من بينهم فقتل الروم بعضهم، ونجا الباقون، وترك الروم طريقهم الذي كانوا سالكيه، وعاد ملكهم فنزل في مضاربه (معسكره) بين خلاط ومنازكرد، وباتوا ليلتهم على اعظم قلق واشده”[9]، وذلك قبل المعركة الفاصلة بين الفريقين بليلة واحدة.
ينقل بعض المؤرخين الحوار الذي دار بين الامبراطور البيزنطي الاسير وبين السلطان السلجوقي، “فلما اُحضر (رومانوس) ضربه السلطان الب ارسلان ثلاثة مقارع بيده، وقال له: الم ارسل اليك في الهدنة فابيت. فقال: دعني من التوبيخ وافعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمتَ ما تفعلُ بي ان اسرتني؟ فقال: افعل القبيح. قال له: فما تظن انني افعل بك. قال: اما ان تقتلني واما ان تشهرني في بلاد الاسلام، والاخرى بعيدة وهي العفو وقبول الاموال واصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمتُ على غير هذا. ففداه بالف الف دينار وخمسمائة الف دينار، وان يرسل اليه عساكر الروم اي وقت طلبها، وان يطلق كل اسير في بلاد الروم، واستقر الامر على ذلك، وانزله في خيمة وارسل اليه عشرة الاف دينار يتجهز”([10]).
بيد ان قرار السلطان السلجوقي باطلاق سراح عدوه يعد لافتا وغريبا، خاصة ان رومانوس اراد القضاء على الدولة السلجوقية ذاتها ولم تكن حملته مجرد حملة عابرة، لكن يبدو ان بعض القلاقل في وسط اسيا داخل الاسرة السلجوقية ذاتها هي التي اضطرت السلطان السلجوقي الب ارسلان الى قبول الصلح مع العدو الروماني، فضلا عن الفدية الكبيرة التي اثقلت كاهل الدولة البيزنطية، يضاف الى ذلك اعلان التبعية السياسية البيزنطية للسلاجقة لاول مرة في تاريخ العلاقات بين المسلمين والروم، وهو ما اعتبره البيزنطيون في القسطنطينية خيانة اوجبت قتل رومانوس بُعيد ذلك[11].
الهزيمة بعيون البيزنطيين
لحسن الحظ، فان حفيد القائد العسكري للجناح الايسر للبيزنطيين في معركة ملاذكرد قد خلّد ذكر هذه الهزيمة برواية جده للاحداث التي راها وشاهدها بنفسه، هذا الحفيد هو المؤرخ البيزنطي نقفور برينيوس، وزوج ان كومنين ابنة الامبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين (1081- 1118/474 – 512هـ)، لذا يعتبر تاريخه لهذه المعركة التي غيرت مجرى تاريخ العصر الوسيط بالسيطرة الاسلامية على كامل الاناضول مهما لمعرفة وجهة النظر البيزنطية المقابلة في تلك الاحداث.
يرى نقفور ان الامبراطور البيزنطي قد اخذه العُجب والكبر بعد سيطرته على منبج وبعض القلاع والحصون في شمال بلاد الشام، حيث لم يجد مقاومة تذكر في سنة (462هـ/1070م)، وانه اجتمع بكبار مستشاريه وقادته العسكريين لوضع خطة قتال شاملة لاستئصال قوة السلاجقة المتنامية في الجنوب والشرق، ذلك الاجتماع استشار فيه الامبراطور قادته حول امرين: مواصلة الزحف على بلاد فارس لقتال السلاجقة في عقر دارهم ام البقاء في اراضي الامبراطورية البيزنطية انتظارا لوصولهم[12]؟
انقسم المستشارون الى قسمين؛ الاول فريق “المنافقين” -بحسب راي نقفور برينيوس وجده القائد البيزنطي في تلك المعركة- الذي راى عدم الانتظار اطلاقا والزحف لقتال السلطان الب ارسلان. وعارض هذا الراي الفريق الثاني وعلى راسه جد المؤرخ نقفور؛ واوضح ان هذه الخطة تتطلب تحصين المدن المجاورة لمعسكر الجيش البيزنطي، واحراق القرى حتى يحرم السلاجقة من التزود بالمؤمن وهو امر شديد الصعوبة، لكن الامبراطور لم يسمع للفريق الثاني[13].
والخطا الثاني الذي وقع فيه الامبراطور البيزنطي انه قسّم جيشه الى قسمين؛ الاول بقيادته شخصيا واتجه به الى ملاذكرد التي استولى عليها، والثاني بقيادة قائده الخبير والمتزعم لفريق المعارضين جوزيف ترخانيوتس، حيث امره الامبراطور بالذهاب الى مدينة خِلاط او اخلاط جنوب ملاذكرد لتامينها والاستيلاء عليها من السلاجقة، لكن جوزيف كان يائسا -بحسب شهادة نقفور- لانه اوصى الامبراطور بان يحتفظ بكل قواته في معسكره والا يُقسّم جيشه لان الاتراك كانوا يتمركزون على مقربة من المعسكر البيزنطي، لكنه فشل في اقناع رومانوس برايه ونصائحه، واضطر في نهاية الامر الى التوجه الى خلاط التي وقعت في شراك السلاجقة[14].
كذلك،
يروي نقفور ان خطة السلاجقة قُبيل المعركة واثناءها اتسمت بالذكاء والحنكة الشديدة، حيث اعتمدوا اسلوب الكر والفر لاستدراج البيزنطيين في المواقع التي ارادوها، وبالفعل نجحوا عدة مرات في الايقاع بخصومهم البيزنطيين، اما ذكاء السلطان السلجوقي الب ارسلان -من وجهة نظر المؤرخ البيزنطي- فتمثل في تقسيم جيشه الى وحدات صغيره عديدة، ورتّب في المقدمة وحدات استخباراتية لجمع المعلومات والتجسس على العدو، كذلك احاط المعسكر البيزنطي بوحدات صغيرة اخرى كانت مهمتها الاساسية اعداد الفخاخ والكمائن للجيش البيزنطي واستنزاف قوته قُبيل واثناء المعركة، ثم اصدر اوامره بامطار خيالة الروم بوابل من السهام[15].
وحين القى السلاجقة بوابل من السهام تقدم الجيش البيزنطي لمساندة خيالته المهزومة، فتظاهر السلاجقة بالتقهقر والانسحاب، فطاردهم الجيش البيزنطي، وبذلك وقع فريسة كمائن السلاجقة الذين قاموا بدورهم بتعقب مؤخرة الجيش البيزنطي، وتكبيده خسائر فادحة، وامام هذه الهزائم المتلاحقة قرر الامبراطور رومانوس النزول بثقله في معركة فاصلة، فتقدم بصحبة المشاة املا الانقضاض على السلاجقة دفعة واحدة، بيد انهم تفرقوا وعادوا فجاة لينقضّوا بقوة قاصمة على الجناح الايمن للجيش البيزنطي، وهكذا احاطوا بالامبراطور البيزنطي “احاطة الدائرة بمعصم اليد” -على حد توصيف نقفور- وعزلوا جناحه الايسر، واصبح قلب الجيش البيزنطي بقيادة رومانوس معزولا ومحروما من اي دعم عسكري خارجي، وبدا السلاجقة في ابادة البيزنطيين، وانتهى المطاف باسر الامبراطور رومانوس الرابع ومعه العديد من قادة الجيش البيزنطي الكبار[16]
نتائج ملاذكرد!
تشبه معركة ملاذكرد الى حد كبير في النتائج معركة اليرموك التي استولى بعدها المسلمون على كامل بلاد الشام، وانتزاعها من يد الرومان البيزنطيين في عصر الخلافة الراشدة على يد الصحابي الجليل، والقائد العسكري الفذ خالد بن الوليد؛ فقد مهدت “ملاذكرد” الطريق امام جيوش السلاجقة للتوغل في بلاد اسيا الصغرى، واقتطاع هذه الاقاليم الاناضولية المهمة من ممتلكات الامبراطورية البيزنطية لاول مرة منذ قيامها.
ترتب على ذلك ان زادت هجرة التركمان الى عمق الاناضول واستقرارهم في تلك البقاع، وساعدهم على ذلك الانشقاق الذي حصل في صفوف البيزنطيين في اعقاب المعركة، حيث بدا الرومان “اليونانيون” بترك اراضيهم، والتوجه نحو الغرب، فاصبحت مناطق عديدة خالية من السكان، ونظرا لكون التركمان شعبا بدائيا رعويا لم يهتموا بالزراعة، فتحولت مناطق زراعية عديدة داخل اسيا الصغرى الى مناطق جرداء، وادى ذلك الى حرمان البيزنطيين من مصدر مهم للحبوب، ولم يعد بامكانهم تجنيد سكان اسيا الصغرى في جيشهم، فزاد ذلك من ضعف البيزنطيين[17].
هكذ، كوّن التركمان بعض الامارات المستقلة في الفترة ما بين عامي (463هـ -470هـ/1071-1077م) في كل من ماردين وقيصارية وسيواس وتوقات ومرعش وارزنجان في شرق ووسط الاناضول، لكن في العام 470هـ، وبتفويض من السلطان السلجوقي الاشهر ملكشاه بن الب ارسلان، يتجه ابن عمه سليمان بن قتلمش السلجوقي الى بلاد الاناضول انطلاقا من حلب لينشئ دولة جديدة وحّد فيها جهود التركمان واماراتهم تحت راية جديدة عُرفت في التاريخ باسم دولة “سلاجقة الروم”[18].
بدات الاتراك يتوافدون عشائر وجماعات الى بلاد الاناضول، ورويدا رويدا “تترّكت” هذه البلدان، وزادت نسبتهم، وتوسعوا في شن الغارات على المناطق البيزنطية ونشر الاسلام فيها، ووصل الترك بقيادة سليمان الى جزر بحر ايجه وسواحل البحر الاسود، وارسى قواعد دولة دام حكمها اكثر من قرنين (470-708هـ/1077-1308م)، واجمعت المصادر على نجاح سليمان السلجوقي في تحقيق المهام السياسية والعسكرية التي ارست قواعد دولة اسلامية في اسيا الصغرى، خرجت من رحمها فيما بعد الدولة العثمانية[19].
كانت ملاذكرد نقطة فاصلة في تاريخ العصور الوسيطة، حيث ترتب عليها بداية الحملات الصليبية التي استمرت لمدة قرنين او يزيد على العالم الاسلامي شرقا في بلاد الشام، وغربا في الاندلس
مواقع التواصل
والنتيجة الاخرى المهمة التي ترتبت على هذه المعركة الحاسمة قيام الحروب الصليبية؛ “ذلك لان اخبار هزيمة الروم وعدم تمكنهم من حشد جيش اخر لرد الخطر التركي اثار مخاوف الدول الاوروبية، صحيح ان العلاقات بين روما والقسطنطينية كانت عدائية بسبب ما قامت بين الكنيسة الرومانية من خلاف مذهبي انتهى بانفصال الكنيسة الشرقية في القسطنطينية عن الكنيسة الغربية في روما سنة 1054م، اي قبل موقعة ملاذكرد بنحو ثمانية عشر عاما، الا انه على الرغم من ذلك كان الغرب اللاتيني ينظر الى الدولة البيزنطية على انها الحصن الامامي الذي يحمي المسيحية ضد الاسلام في الشرق، ومن ثم يجب على الغرب المسيحي ان يمد لها يد المساعدة، وقد اهتم البابوات في روما بامر هذه المساعدة، نذكر منهم البابا جريجوري السابع (1073-1085م)، والبابا اوربان الثاني (1088-1099م) فاخذوا يحرضون ملوك اوروبا على مساعدة بيزنطة واتخذوا من هذه المسالة عاملا مهما لتحقيق اهدافهم الصليبية»([20]).
وهكذا كانت ملاذكرد نقطة فاصلة في تاريخ العصور الوسيطة، لا سيما جغرافيا وسياسيا وعسكريا، حيث ترتب على هذه المعركة بداية الحملات الصليبية التي استمرت لمدة قرنين او يزيد على العالم الاسلامي شرقا في بلاد الشام، وغربا في الاندلس، لكن في المقابل كانت هذه المعركة وما ترتب عليها من انشاء دولة جديدة في الاناضول هي دولة “سلاجقة الروم” والتي استمرت ايضا قرابة القرنين عاملا مؤثرا في الانتقال من التاريخ الوسيط الى التاريخ الحديث في منطقة الشرق الاوسط واوروبا، ففي احشاء هذه الدولة ظهر العثمانيون بنفس النشاط والحماس السلجوقي القديم، وسرعان ما اتجهوا غربا الى اوروبا الشرقية التي ستصبح في غضون قرنين بعد سقوط السلاجقة ضمن املاك العثمانيين، وهكذا كان دور “ملاذكرد” في تاريخ العصور الوسيطة والحديثة على السواء، مؤثرا وكبيرا وثوريا في ان!
ربما يكون مكررا لكنه يستحق المشاركة معكم مرة اخرى.. هكذا تطورت الموسيقى العربيةملاذكرد.. المعركة التي اعقبها قيام الحروب الصليبية!
