اخبار اليوم الصحيفة, ام كلثوم.. كيف اخبار اليوم الصحيفة, ام كلثوم.. كيف
في الرابعة من عصر 3 فبراير/شباط 1975 كانت اروقة مستشفى المعادي العسكري مضطربة، اطباء يندفعون هنا وهناك لانعاش قلب السيدة ام كلثوم، ومحاولات لضخ الاكسجين لرئتيها حتى لفظت انفاسها الاخيرة بعد ثلاثين دقيقة.
هذا التاريخ باليوم والساعة والدقيقة مسجل ومعروف لمعاصري ام كلثوم ومن حضروا جنازتها قبل 45 عاما، وحتى من ولدوا بعد وفاتها من المهتمين بحياة كوكب الشرق، لكن تاريخ ميلادها غير محدد، وتختلف الروايات حوله، ما بين ديسمبر/كانون الاول 1898 ومايو/ايار 1904، وتضفي هذه الروايات المختلفة للميلاد ابعادًا لاسطورة ام كلثوم، باعتبارها المسيطرة على موسيقى القرن العشرين الذي ولدت في مطلعه.
طفلة ولدت داخل منزل بسيط بقرية فقيرة، تبعد عن العاصمة عشرات الكيلومترات، وبطبيعة الزمان والمكان كان ينتظرها مصير تقليدي، الزواج والانجاب والوفاة، لكن فاطمة ابراهيم البلتاجي الموهوبة بصوت قوي بمساحات واسعة لها مسار مختلف، وضعها ابوها على اوله وانطلقت هي لتؤسس مسارها الذي سيرفعها لمكانة غير مسبوقة عربيا وعالميا، بداته بالغناء وهي بعمر الثانية عشرة الى جانب اخيها وابيها في حلقات الذكر وليالي الانشاد في اسرة غنائية صغيرة.
مصادفة تغيير المسار
كانت احدى ليالي رمضان عندما ركب الشيخ ابو العلا محمد، الرائد الاول في تلحين القصيد في حينه، القطار من القاهرة متجهين الى السنبلاوين (احد مراكز جنوب شرق محافظة الدقهلية)، وفي طريق القطار صعدت الاسرة الصغيرة الى القطار.
كانت الطفلة فاطمة تغني من الحان الشيخ ابو العلا الذي سمعها مصادفة لتنشا علاقة صداقة بين الشيخ الشهير والعائلة الصغيرة، ليلح ابو العلا على الاب ضرورة ان تاخذ الطفلة فرصتها بالقاهرة ليقتنع الاب وتنتقل العائلة الى القاهرة.
بدات الطفلة التي صارت شابة في تعلم اصول الموسيقى والغناء والمقامات، لتغني اولى اغنياتها “الصب تفضحه عيون” من الحان الشيخ ابو العلا وكلمات الشاعر احمد رامي، الذي سيشارك في صنع اسطورتها ويكتب لها 139 اغنية على مدار نحو خمسين عاما.
بلبل الشرق
لعب احمد رامي واسرته دورا محوريا في حياة ام كلثوم القادمة من دلتا مصر، مرتدية ملابس الذكور الجبة والعقال، اذ تعلمت في بيت عائلته وعلى يد اخواته اصول اللياقة، كما ساعدها رامي نفسه في فتح مداركها القرائية وفي تهذيب ذائقتها الشعرية، كما كان اول شاعر يكتب لها خصيصا، اذ كتب لها ثلاثين اغنية خلال ست سنوات من 1924 حتى 1929، منها اغنية “ان كنت اسامح وانسى الاسية” التي حققت اسطوانتها مبيعات كبيرة ونجاحا ملحوظا عام 1928.
كما ساعدها رامي في اختيار كلمات من الشعر الاندلسي والعباسي، وعرّفها الى الملحن الشاب المجدد حينها محمد القصبجي، ليشكل الثلاثيّ مشروعا غنائيا جديدا في منتصف عشرينيات القرن الماضي، ما جعلها مطلوبة حتى خارج الحدود المصرية، اذ احيت حفلات في عدة مدن فلسطينية في اطار جولات فنية كانت تدعى فيها بلقب “بلبل الشرق”، الذي تحول فيما الى “كوكب الشرق”.
الثلاثينيات الذهبية
مثلما فعل رامي، لعب القصبجي دورا في اعداد ام كلثوم فنيا ومعنويا وشكل لها فرقتها الخاصة، وفي الثلاثينيات واصل الثلاثي مشروعهم، ما بين الاغنيات الطقاطيق والاغنيات الخفيفة الجديدة، لتتشكل جماهيريتها التي ستؤهلها لتغني في افتتاح الاذاعة المصرية، كاول صوت غنائي بعد قران الشيخ محمد رفعت، وبدء طقس حفلة الخميس الاول من كل شهر في 1934، والعبور الى السينما في فيلمها الاول “دنانير”، الذي لم ينجح بشكل كاف، لكن رغم ذلك حافظت ام كلثوم على نجاحها كمغنية، ستصبح الاولى في زمانها ومكانها خلال العقد التالي.
نضج الاربعينيات
في الاربعينيات تربعت ام كلثوم على عرش الغناء، باعتبارها مطربة مصر الاولى، فالجميع يتسابق لتقديم كلمات والحان لها، فيما يتسابق الجمهور على حضور حفلاتها او طلبها لاحياء حفلاته الخاصة ان استطاع الى ذلك سبيلاً، وعمدت الى الاغنيات الطويلة، ذات التنوعات اللحنية والادائية، بالتزامن مع ظهور الشاعر بيرم التونسي الذي كتب لها “حبيبي يسعد اوقاته” وغيرها من الاغنيات الاطول عن ذي قبل، وباتت ام كلثوم تغني امام الملوك والامراء، في مصر وفي الدول العربية المحيطة.
دماء بليغ الجديدة
حافظت ام كلثوم على نجاحها خلال الاربعينيات والخمسينيات حتى بعد ثورة يوليو 1952 التي غيّرت صفحة الفن المصري، وظلت محتفظة بسيطرتها على اذان وقلوب الجمهور العربي حتى مع تغيرات الذوق العام.
استعانت ام كلثوم بالشاب الجديد حينها بليغ حمدي وايقاعاته السريعة الراقصة، نزولاً على هوى الجمهور الذي كانت تجيد التقاطه اولًا باول، كذلك تجيد التفاعل معه حتى انها غنت على مقدمات راقصة وهي في عقدها السابع من العمر في الستينيات من القرن الماضي.
تيار الثورة الهادر
يحكي الكاتب محمود عوض، في كتابه “ام كلثوم التي لا يعرفها احد”، عن طلب غريب تقدم به اللواء المصري (فرقة من الجيش) الذي حوصر في الفالوجة الفلسطينية، منذ اكتوبر/تشرين الاول 1948، حتى ابريل/نيسان 1949، اذ طلب عبر اللاسلكي ان تغني ام كلثوم اغنية “غلبت اصالح في روحي” في حفلها المقبل، الذي كان مقررًا اقامته في الخميس الاول من فبراير/شباط 1949.
نقل الكاتب مصطفى امين الى ام كلثوم هذا الطلب وكانت اعدت برنامج الحفلة بالفعل، اذ ضم ثلاث اغنيات لم تكن “غلبت اصالح في روحي” واحدة منها، الا انها لبت طلب اللواء المحاصر، وكانت واحدة من اجمل تسجيلاتها للاغنية.
ضم هذا اللواء قائده سيد محمود طه، وجمال عبدالناصر الذي سيصبح رئيسا للجمهورية بعد 1952، وبين حصار الفالوجة وثورة يوليو، كانت عودتهم من فلسطين، حيث احتفت بهم ام كلثوم بمنزلها في حي الزمالك بالقاهرة.
وحين قامت الثورة كانت ام كلثوم في قمة مجدها الغنائي الفني، وكانت تحظى برضى الاسرة الملكية، فقد غنت للملك وجاملته، وبعد قيام الثورة كان من الممكن ان تتعرض لما تعرض له كثيرون غيرها من الفنانين من ابعاد او حظر، لكن لان لها سوابق فضل مع الجيش ولانها ام كلثوم التي يمكنها توجيه وحشد الناس استطاعت النجاة من تيار الثورة الهادر.
وغنت ام كلثوم للثورة ايضا، ربما ايمانا بها وربما بغرض المواءمة مع نظام الحكم الجديد، لكنها بالتاكيد نجحت في الابقاء على مكانتها ومارست دورا وطنيا في جمع التبرعات لصالح الجيش المصري بعد نكسة 1967، وظلت تمارس دورها حتى ماتت في فبراير/شباط 1975.ام كلثوم.. كيف صنعت الصدفة اسطورة لا تموت؟
