queenarwauni

يهودي يكتب القران ومسيحي ينسخ تفسير الطبري.. الوراقون وصناعة الكتاب في الحضارة الاسلامية

اخبار اليوم الصحيفة, يهودي يكتب القران اخبار اليوم الصحيفة, يهودي يكتب القران

في سنة 854هـ/1450م؛ اخرج العالِم الالماني يوهان غوتنبرغ للناس اختراعه “المطبعة”. وبقدر ما كان هذا الانجاز فتحا تقنيا غيّر وجه التاريخ الثقافي للعالَم؛ فانه سجل ايضا بداية النهاية للمنظومة التي ابدعت اعظم ظاهرة ثقافية اهدتها الحضارة الاسلامية للانسانية، وانتجت اغنى تراث علمي عرفته البشرية حتى العصر الحديث؛ انها ظاهرة: “الوِراقة والوراقين”.
في هذا المقال؛ سندخل عالما كان -على مدار اكثر من الف عام- نابضا بالحيوية والابداع، وحافلا بالجدل والصخب الثقافي، ولا يخلو من الحقائق المدهشة والطريفة؛ لنرصد كيف دارت ماكينة انتاج الكتاب في العالم الاسلامي، وكيف احترف مهنة نسخ الكتب علماء كبار وامراء مشاهير وربات بيوت سعياً لتحصيل دخل يوفر لقمة العيش، وكيف شارك في هذه الصناعة ناسخون من اديان اخرى ساهموا في نشر الاعمال الاسلامية.
امة اقرا
جاء الاسلام وقد عرف العرب القراءة والكتابة على نطاق ضيق، والترجمة من اللغات الاخرى في حدود اضيق؛ ولكن الدين الجديد -بما تضمنه القران والسنة من اشادة بالعلم والعلماء- كان من اول لحظة ايذانا بميلاد “امة اقرا”، التي ستملا الارض علما ومعارف وتشغل الناس ثقافة وادابا.
فقد اكتمل جمع القران وتدوينه في خلافة ابي بكر الصديق (ت 13هـ) فكان ذلك اشارة لاهمية التدوين العلمي في حياة الامة؛ ولكن القرن الاول باجمعه ظل قرنا للرواية الشفهية لنصوص الاسلام (قرانا وسنة) ولغته العربية، ولم يشهد حركة تدوين للمعارف المنبثقة منهما الا في حالات محدودة.
ومع بزوغ شمس القرن الثاني الهجري (100-200هـ) الذي يُعرف بـ”عصر التدوين”؛ تفجرت ينابيع العلوم واكتملت دورة انتاجها الشفهي، فكان لا بد من استيعابها في اطر صلبة تنقلها من الصدور الى السطور، فتحفظها من الضياع وتجعلها قابلة للتداول بين الناس والتوارث بين الاجيال.
وقد ادت فتوح الاسلام الى الاختلاط بحضارات مغايرة ونُظم ثقافية متباينة في الملل والنِّحل في العراق وفارس والشام ومصر؛ فجرت مع اصحابها مناظرات جدلية ومثاقفات علمية، واحتِيج الى الترجمة عن لغاتها والاقتباس من مناهجها في الحِجاج بما يعين على المغالبة الثقافية، فازدهرت سوق الترجمة وتوسعت حتى شملت انذاك اكثر من عشر لغات، فازداد بذلك نشاط التدوين والنشر اتساعا.
وتعزز ازدهار الكتابة والتدوين بعاملين مهمين: اولهما المكانة العالية التي حازها “كتّاب الدواوين” (وزارات الدولة وادارتها) منذ العصر الاموي وازدادت اهميتها ايام ورثتهم العباسيين؛ وثانيهما استخدام الورق في الكتابة مع مطلع العهد العباسي، ذلك الاستخدام الذي ترسخ ببناء اول مصنع للورق ببغداد ايام هارون الرشيد في سبعينيات القرن الثاني.
وبذلك عرف الناس “صناعة الكتاب” بشقيه: “الاصيل” المؤلَّف و”الدخيل” المترجَم، ثم سرعان ما اصبحت “صناعة الكتاب” صنعة من صنائع المدنية في الحضارة الاسلامية تُدعى “الوِراقة”؛ فتخصصت فيها طائفة وافرة تسمى “الوراقين” ضمت في عضويتها كافة اطياف المجتمع الفكرية والادبية، وطوائفه الدينية والمذهبية؛ ووُضعت لها ضوابط واعراف، وخُصصت لها اماكن واسواق، ونشات في فضائها فروع وتخصصات، وتحصلت منها لاصحابها اموال وثروات.
عميد الوراقين
من الناحية التاريخية؛ ارتبطت “الوراقة” -في بدئها ‏بوصفها مهنة- باحتراف نسخ القران الكريم تكسُّبًا، فقد ذكر النديم (ت 384هـ) في كتابه ‘الفهرست‘ ان الناس “كانت تكتب المصاحف باجرة”، وكان اول من عُرف بتخصصه في ذلك عمرو بن نافع مولى عمر ‏بن الخطاب‏، لكن النديم عزا الى المؤرخ محمد بن اسحق (ت 151هـ) ان “اول من كتب المصاحف في الصدر الاول -ويوصف بحسن الخط- خالد بن ابي الهياج”، لعمله “ورّاقا” للخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ).
بيد ان اول من اطلِق عليه لقب “الوراق” -فاستحق بذلك علينا ان ندعوه “عميد الوراقين”- هو مطر بن طهمان (ت 129هـ) الذي اشتهر بـ”مطر الوراق”، ويقال انه كان من موالي علي بن ابي طالب. كما ان معاصره مساور بن سوار الكوفي (ت نحو 150هـ) “كان وراقا ينسخ الكتب”. ‏‏
ومع اواسط القرن الثاني؛ انضم الى نسخ القران جمعُ الحديث النبوي، وتوثيقُ فتاوى الصحابة والتابعين، وتدوينُ لغة العرب واشعارها؛ فظهرت “مصنفات” في شتى العلوم، ومن اوائل تلك المؤلفات -مما وصل الينا نصُّه موّثقَ النسبة- “الموطا” للامام مالك بن انس، و”الرسالة” للامام الشافعي، و”المبسوط” للامام محمد بن الحسن الشيباني، و”الكتاب” في النحو لسيبويه الفارسي، وقاموس “العين” للفراهيدي، و”مختارات” من اشعار العرب مثل “المفضليات” و”الاصمعيات”.
وادت كثرة طلاب العلم وازدياد انشغال العلماء باقبالهم على التاليف الى اتخاذ بعض الائمة “ورّاقاً” او ‏”كاتباً” خاصا به كما اتخذ كل شاعر “راوية” لديوانه؛ فكان مثلا حبيب بن ابي حبيب وراقا للامام مالك (ت 179هـ)، وعُرف محمد بن سعد (ت 230هـ) بانه “كاتب ‏‏الواقدي” المؤرخ (ت 207هـ).‏
وقد انتشرت لاحقا عادةٌ عمّت جميعَ طبقات العلماء والادباء بل وحتى الخلفاء والامراء، وهي اعتماد وراقِين محددين ‏كما يعتمد المؤلفون الكبار في عصرنا ناشرا معينا لطباعة كتبهم. فقد كان محمد بن ابي حاتم وراقا للامام البخاري (ت 256هـ)، واحمد بن محمد النِّباجي وراقا للامام يحيى بن معين (ت 233هـ). وورد ان الخليفة العباسي المعتمد (ت 284هـ) “كان له وراق يَكتب شعره بماء الذهب”.
وقد يكون لبعضهم وراقان كما كان للواقدي ولابي عُبيد القاسم بن سلام مؤلف كتاب “الاموال” (ت 224هـ)، ولابي داود (ت 275هـ) صاحب “السنن” وراقان احدهما ببغداد والثاني بالبصرة، وللجاحظ (ت 255هـ) وراقان: ابو القاسم عبد الوهاب بن عيسى وابو يحيى زكريا بن يحيى.
تالق وازدهار
وبحلول نهاية القرن الثاني؛ كانت “صناعة الوِراقة” -بتعبير ابن خلدون (ت 808هـ)- قد بلغت شاواً بعيدا في الانتشار وسلكت طريقها نحو الازدهار في القرن الثالث، بحيث تحددت فروعها بانها شاملة “للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الامور الكُتبية والدّواوين” مثل بيع الورق والقراطيس، وصارت لهم “دكاكين” تضمها “اسواق الوراقين” التي “اختصّت بـ]ها[ الامصار العظيمة العمران”. وبعضهم عمل في مكتبات الدولة مثل “بيت الحكمة” ببغداد، و”دار العلم” بالقاهرة، و”خزانة العلوم” بقرطبة.
وقبل ابن خلدون باربعة قرون؛ حدد ابو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ) -في رسالة لاحد اصدقائه- بعض ادوات صنعة الوراقة ومشمولاتها الداخلة في عمل الناسخين المجوِّدين؛ فذكر منها “الحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة ‏والتصحيح”.‏ على انه في عصور انحطاط الوراقة صار معروفا ان “غالب من يكون خطه حسنا لا يخلو عن الجهل”.
ويكفي ان نتذكر ان الجاحظ -حسبما رواه صديقه الشاعر ابو هفّان العبدي (ت 257هـ)- كان “يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر”. ووصف الرحالة المقدسي البشاري (ت 380) اهلَ الاندلس بانهم “احذق الناس في الوراقة”، فراجت ببلادهم سوقها لما كان لهم بها من شغف واحتفال، حتى ان القاضي والوزير القرطبي ابا المطرف ابن فطيس (ت 402هـ) اتخذ “ستة وراقين دائمين” ينسخون له الكتب.
وقد عمل في هذه المهنة الاف الوراقين من الرجال والنساء، ومن جميع طبقات المجتمع من كبار العلماء والادباء وابناء الملوك السابقين -بل والامراء- الى الموالي والارقاء. فمن مشاهير العلماء الذين عملوا وراقين تكسُّبا: الامام احمد بن حنبل (ت 241هـ) الذي كان “ينسخ الكتب للناس باجرة” ليسدّ فاقته ايام طلبه العلم، والامام النحوي القاضي المعتزلي ابو سعيد السيرافي (ت 368هـ) كان “ينسخ الكتب بالاجرة ويعيش منها”.
وعُرف امام الحنابلة في زمنه ابن مروان البغدادي (ت 403هـ) بـ”الوراق” ‏لانه كان “ينسخ الكتب ويقتات من اجرتها”، متعففا عن هدايا السلاطين. وورد ان الامام ابا حامد الغزالي (ت 505هـ) “كان ينسخ الكتب والمصاحف.. ويبيعها”.
ومن الامراء الذين “احترفوا” الوراقة -وهم في السلطة- السلطانُ الشهيد نور الدين زنكي (ت 569هـ) الذي كان “ياكل من عمل يده فكان […] ينسخ الكتب”. ومن ابناء الملوك الامير شرف الدولة يحيى بن المعتمد بن عباد الذي مارس نسخ الكتب -بعد زوال سلطان عائلته باشبيلية- ووُصف بانه “مثابر على نسخ الدواوين”. ووصلتنا اجزاء من نسخة “الموطا” التي كتبها لسلطان المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين (ت 537هـ)، نعرض هنا صورة من غلافها:
امهات وراقات
وقد عملت المراة الى جانب الرجل في مهنة الوراقة ناسخةً او مساعِدةً؛ ففي الاندلس يروي عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ) عن المؤرخ الاندلسي احمد بن سعيد ابن ابي الفياض (ت 459هـ) انه “كان بالرَّبَض (= الجانب) الشرقي من قرطبة مئة وسبعون امراة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟”، وكانت ورقاء بنت ينتاب الشاعرة الطليطلية (ت بعد 540هـ) من الناسخات المُجيدات.
وفي العراق شرقا؛ ذكر ابو العلاء المعري (ت 449هـ) -في “رسالة الغفران”- الجاريةَ “توفيق السوداء التي كانت تخدم بدار العلم ببغداد” ايام البويهيين، وكان من مهمتها مساعدة الوراقين بان تُخرِج “الكتبَ للنُّسّاخ”، ولعلها كانت تورّق ايضا.
‏وفي عام 1928م؛ حدّث الكاتب والمؤلف العراقي عبد اللطيف جلبي (ت 1945م) انه راى بجامع الحيدرخانة ببغداد نسخة من قاموس “الصحاح” لابي نصر الجوهري (ت 393هـ) نسختها امراة تدعى مريم بنت عبد القادر (القرن 6 هـ)، وكتبت في نهايتها عبارة مؤثرة هذا نصها: “ارجو من وجد فيه سهوا ان يغفر لي خطئي، لاني كنت بينما اخط بيميني كنت ‏اهز مهد ولدي بشمالي”!!
وروى المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) ان ابا العباس بن الحطيئة الفاسي (ت 560هـ) “نسخ الكثير بالاجرة [في مصر].. وعلّم ‏زوجته وابنته الكتابة فكانتا تكتبان مثل ‏خطه سواء، فاذا شرعوا في نسخ كتاب اخذ كل واحد جزءا وكتبوه، فلا يفرِّق بين ‏خطهم الا الحاذق”.‏
اشتملت حواضر الاسلام الكبيرة على صنوف الاسواق الموَّزعة وفقا لما تعرضه من بضائع او تقدمه من صنائع؛ وكان من ضمن تلك الاسواق “سوق الوراقين” او “اصحاب الورق” او “اصحاب القراطيس”؛ حسب كل اقليم وتسميته للوراقة.
وقد ذكر لنا الجغرافي المؤرخ اليعقوبي (ت 284هـ) انه شاهد في جانب واحد من بغداد “اكثر من مئة حانوت للوراقين”، وذكرت كتب الحوليات انه في شوال سنة 740 “وقع بدمشق حريقٌ كبير… واحترق سوق الوراقين”. وسبقت الاشارة الى الجانب الشرقي من قرطبة وما كان فيه من عشرات النسوة الوراقات، اللاتي يرجّح انهن كن يعملن في حوانيت اعِدت للوراقة.
يهود ومسيحيون
وكما لم تقتصر دكاكين الوراقة على انتساخ كتب الثقافة الاسلامية بل اضافت لها الكتب المترجمة؛ فان طائفة الوراقين اتسع ‏رحبها لضم وراقين من جميع الملل والنِّحل، لا ليتخصصوا في نسخ ونشر كتب معتقداتهم واديانهم وانما لينسخوا ايضا بايديهم كتب ‏الاسلام ويبيعوها!‏
ومن ذلك الحكاية التي رواها الامام البيهقي (ت 458هـ) وخلاصتها ان احد المثقفين اليهود كان “حسن الخط” فاسلم وروى ‏قصة اسلامه للخليفة العباسي المامون (ت 218هـ)؛ فقال: “عمَدتُ الى القران فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، ‏وادخلتها الى الوراقين فتصفحوها، فلما ان وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموْا بها فلم يشتروها؛ فعلمت ان هذا كتاب محفوظ ‏فكان هذا سبب اسلامي”‏. ولم يصلنا ان كتابته للمصحف استجلبت انكارا من الخليفة او من الوراقين المسلمين رغم اشتهاره بانه يهودي!! ‏
وقد نقل النديم عن الفيلسوف المسيحي يحيى بن عدي المنطقي قوله له “نسختُ بخطي نسختين من التفسير للطبري ‏وحملتهما الى ملوك الاطراف، وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يُحصى”.‏
ومن الوراقين من تخصص في نسخ الكتب الصغيرة المعدة للسفَر -وهي المسماة اليوم “كتب الجيب”- التي كانوا يدعونها “الكتب اللِّطاف” او “النسخة السفـَرية”؛ مثل الوراق ابي الفضل ابن جليق التغلبي ‏الجشمي الذي كان في حلب “ينسخ الكتب اللطاف ‏والمتوسطة بالاجر”.
كما شاعت كتابة “المصاحف اللطاف”‏ وممن تخصص فيها ابو حري الكوفي الذي “كان يكتب المصاحف اللطاف في ايام المعتصم”، وقال ابن حجر (ت 852هـ) ان اسماعيل الزُّمُكْحُلُ (ت 788هـ) “كتب من المصاحف اللطاف شيئا كثيرا”.
ومع العوائق التي يفرضها ارهاق العمل اليدوي من بطء وتعثُّر فان الوراقين تميزوا بغزارة الانتاج وتعدد “طبعات” النشر، حتى ان الكتاب الواحد كانت تتداول منه مئات النسخ في الوقت ذاته. ويكفي مثالا على ذلك انه رغم ندرة كتاب ‘الفرق بين النبي والمتنبي‘ للجاحظ -حتى انه كان ينادى بالبحث عنه في موسم الحج- فان الحموي يقول “رايت انا منه نحو مئة نسخة او اكثر”. وهناك مِن العلماء مَن “كان في خزانته الف نسخة من صحيح البخاري” وحده!!
تنافس تجاري
تجاوز الوراقون نطاق الانتاج العلمي والادبي الواقعي الى صناعة الكتب الادبية الخيالية، سواء منها ما كان لغرض تعليمي يستهدف الاطفال، او ذاك الذي سعى الى توفير مادة خفيفة تطالَع تفكُّهاً لملء اوقات الفراغ؛ ولذلك كان للقصص والروايات كتابها المتخصصون في ابداعها. فها هو النديم يحدثنا -في ‘الفهرست‘- انه “كانت الاسمار والخرافات مرغوبا فيها مشتهاة في ايام خلفاء بني العباس، وسيما في ايام المقتدر (ت 320هـ)؛ فصنف الوراقون وكذبوا، فكان ممن يفتعل ذلك رجل يعرف بابن دلان.. واخر يعرف بابن العطار وجماعة. وقد ذكرنا.. من كان يعمل الخرافات والاسمار على السنة الحيوان وغيره”.
وفي عملهم الشامل والهائل هذا؛ كان الوراقون يتبارون في سرعة الخط والقدرة على نسخ المؤلفات الكبيرة؛ وقد قدّم لنا المراكشي تقديرات ورّاقي زمانه لاحجام الكتب فقال ان “المجلد اللطيف” (= الصغير) يكون بحجم ديوان المتنبي (قرابة 5350 بيتا)، و”المجلد المتوسط” يكون قَدر ديوان ابي تمّام (نحو 7300 بيت)، و”المجلد الضخم” يضم 15 الف بيت فاكثر، ولعل ثمة “المجلد الكبير” الذي سيكون وسطا بين “المتوسط” و”الضخم”.
ومن صور التباري بين الوراقين؛ ان ابا الفضل محمد بن طاهر المقدسي الظاهري (ت 507هـ) كان يقول: “كتبت صحيح البخارِي ومسلم وابن داود سبع ‏مرات بالوراقة، وكتبت سنن ابن ماجه بالوراقة عشر مرات”. وذكر النديم ان الفيلسوف المسيحي ابا زكريا يحيى بن عدي (ت 364هـ) “كان يكتب في اليوم ‏والليلة مئة ورقة”.‏
وفاخر ابو علي ابن شهاب العكبري جلساءه من الوراقين بانه ينسخ “ديوان المتنبي في ثلاث ليال”، وقال ابن الخاضبة الوراق (ت 489هـ) انه في سنة 466هـ وحدها كتب صحيح مسلم ‏”سبع مرات”!! و‘جوهرة التوحيد‘ للقاني (ت 1041هـ) “كُتب منها في يوم واحد خمسمئة نسخة”.
وافاد المستشرق الاسباني خوليان ريبيرا بان الوراق القرطبي محمد بن اسماعيل ابن ابي الفوارس (القرن 4هـ) كان ينسخ المصحف في اسبوعين!! واخبر المراكشي عن يوسف ابن الجنّان السلَوي انه اعتاد “نسخ عشرين ورقة من الورق الكبير -وسطور كل صفح منها سبعة وعشرون سطرا- في كلّ يوم”، ونسخ “ازيدَ من ‏مئة مجلّد في مدة ليست بالمديدة”.
وقد يُفرّق الكتاب -خاصة ان كان ضخما- على عدة وراقين طلبا لسرعة الانجاز؛ كما حصل حين استاجر ابن ابي شيبة (ت 235هـ) عشرة وراقين لينسخوا له كتابه العظيم “المصنَّف”. ووُزّع “تاريخ ‏دمشق” (وكان 80 مجلدا) للحافظ ابن عساكر (ت 571هـ) على عشرة وراقين فاكملوا نسخه في سنتين، وهي “مدة معقولة ‏طبقا لمعايير الوراقين”؛ كما يقول المستشرق فرانز روزنتال. وسبق ذكر انّ ابن الحطيئة الفاسي كان يتقاسم نسخ الكتاب الواحد مع ‏زوجته وابنته.
منتديات ثقافية
عُرف عن الوراقين التفاوت في جودة الخط والضبط؛ فكثيرا ما وُصف وراق بانه “حسن الوِراقة” او “سيئ الخط” او “نبيل الخط ضابط متقن” او بانه يكتب “الخط المنسوب”، اي الخط المتناسب الابعاد هندسيا والذي وضع قواعده شيخ الخطاطين ابن البواب البغدادي (ت 413هـ). فمثلا قال ابن حجر ان ‏اسماعيل الزُّمُكْحُلُ المتقدم ذكره “خطه غاية فِي الحسن مرغوب ‏فيه”.‏
واثناء عملهم الدقيق؛ كثيرا ما يقع الوراقون –خاصة غير العلماء منهم- في اغلاط فاحشة في النسخ حذفا او زيادة او تحريفا او تصحيفا او نسبة للكتاب الى غير مؤلفه، وغيرها من الاخطاء التي وقع فيها النساخ وعانى منها جهابذة المحققين لكتب التراث في زماننا. ولذلك الف العلماء قديما كتبا في “اخبار المصحِّفين” وفي “شرح ما يقع من التحريف والتصحيف”.
وقد اشتكى الجاحظ -في كتابه ‘الحيوان‘- من ان الكِتاب “يصير الى ما يعرض من الافات لاصناف الناسخين… ولربما اراد مؤلف الكتاب ان يُصلح تصحيفا او كلمة ساقطة فيكون انشاءُ عشر ورقات من حُرّ اللفظ وشريف المعاني ايسرَ عليه من اتمام ذلك النقص”. وقال السبكي الابن (ت 771هـ): “ومن النسّاخ من لا يتقي اللَّه تعالى ويكتب عن ‏عجلة ويحذف من اثناء الكتاب شيئا؛ رغبة في انجازه اذا كان قد استُؤجر على نَسخه جملة. وهذا خائن للَّه تعالى في تضييع العلم”.
ولم تكن دكاكين الوراقين واسواقهم مجالا لصناعة الكتب ونشرها فقط؛ بل سرعان ما غدت منتديات تلتقي فيها رجالات العلم والثقافة والادب، فتعقد مجالس الافادة والافاضة متصرفةً في ضروب الفكر ومتجولةً في دروب المعرفة، وتخوض نقاشا ونقدا واخذا وردا.
وقد لاحظ الجاحظ رواج ما يُلقى في سوقهم من انتاج مكتوب ايا كان، حتى انه ما من احد “ولّد حديثا… ثم صوّره في كتاب والقاه في الوراقين الا رواه من لا يحصّل ولا يثبِّت ولا يتوقف”. وحدثنا التوحيدي ان جماعة “اخوان الصفاء” لما ارادوا اذاعة رسائل فلسفتهم وتقديمها للراي العام “بثّوها في الوراقين”.
وذكر ابن الجوزي (ت 597هـ) انه كان “للوراقين سوق كبيرة وهي مجالس للعلماء والشعراء” بالرصافة من بغداد. ويروي ياقوت الحموي -في ‘معجم الادباء‘- عن الشاعر المشهور ابي بكر الصنوبري (ت 334هـ) انه “كان بالرُّها (= مدينة اورفة الواقعة اليوم جنوبي تركيا) وراق يقال له سعيد، وكان في دكانه مجلسُ كل اديب…، وما كنا نفارق دكانه… وغيرنا من شعراء الشام وديار مصر”. وعدّد المقريزي (ت 845هـ) من ضمن معالم القاهرة سوقا لاصحاب الكتب من الوراقين، ثم قال “وما برح هذا السوق مجمعا لاهل العلم يتردّدون اليه”.
فعلى هذه الدكاكين تردد اعلام كبار -سجلت لنا دواوين التاريخ قصصا تحكي زياراتهم لها- من امثال: الاصمعي وابي نواس، وابي العيناء وابي هفان والجاحظ، والمتنبي والاصفهاني والسيرافي والنديم، والتوحيدي وابن سيناء والمعري،‏ وياقوت الحموي وياقوت الموصلي وياقوت المستنصري، ومن الفقهاء والمحدّثين الزركشي وابن عرفة التونسي والحافظ ابن حجر العسقلاني.
ولا شك ان قائمة المذكورين تستعصي على الحصر، وما اهمل التاريخ ذكره اكبر واكثر. وبعض هؤلاء كان وراقا في مرحلة ما من عمره كما نعرفه عن السيرافي والنديم والتوحيدي والياقوتيْن الحموي والموصلي وسميهما المستنصري.
الوراقة والقانون
كان الوراقون يتعاطون مع شتى انواع الكتب والدواوين والوثائق، ولم يكن اغلبهم يكترث لمضمون ما سينسخه او لشخص من يورّق له؛ فها هو النديم يسجل لنا عناوين نحو 110 كتب الِّفت او تُرجمت متضمنة روايات للاسمار وقصصا للعشاق والمتحابين من الانس والجن!! ولذلك كثيرا ما طالب الفقهاءُ السلطاتِ بمنع الوراقين من تداول ونشر كتب معينة بين الناس.
فقد اورد الطبري (ت 310هـ) في احداث سنة 279 انه “كان من امر السلطان” المعتمد العباسي ان “حُلّف الوراقون الا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة”. وذكر الخطيب البغدادي (ت 463هـ) انه لما حكم القضاءُ باعدام الصوفي الفيلسوف ابي عبد الله الحلّاج سنة 309هـ “احضِر جماعة من الوراقين واحلِفوا على الا يبيعوا شيئا من كتب الحلاج ولا يشتروها‏”.
وقد لخص السبكي الابنُ واجباتِ الوراق القانونية في التزامه بـ”الَّا يكتب شيئا من الكتب المضلّة ككتب اهل البدع والاهواء، وكذلك لا يكتب الكتب ‏التي لا ينفع اللَّه تعالى بها كسيرة عنتر، وغيرها من الموضوعات المختلفة التي تضيع ‏الزمان وليس للدين بها حاجة، وكذلك كتب اهل المجون… ‏فينبغي للناسخ الَّا يبيع دينه ‏بدنياه”.
ولم تقتصر دكاكين الوراقة على نسخ الكتب والوثائق فقط؛ بل اتسع نطاقها ليشمل كافة الخدمات الكُتبية، بما في ذلك صناعة الورق التي بلغ عدد معاملها في فاس وحدها 104 معامل ايام المرابطين، وتجاوزت اربعمئة معمل في عهد خلفائهم الموحدين. وكذلك فن الخط وفن تجليد الكتب (في الاندلس والمغرب كان يسمى التسفير) وفن زخرفتها (التذهيب او التزيين)، وهي فنون بلغت مستوى من الاتقان صارت به من ارقى الفنون الانسانية الجميلة.
وقد احتفظ لنا النديم باسماء سبعة من مشاهير “المجلِّدين” القدماء، ومن ابرزهم “ابن ابي الحرِيش ]الذي[ كان يجلّد في خزانة الحكمة للمامون” بغداد‎.‎ وممن امتهن التجليد امامُ المالكية في قُطره قاضي القضاة ابو بكر ابن عاصم الغرناطي (ت 829هـ) فقد “كان يجلّد الكتب في صباه”.
ومع ازدهار الوراقة؛ تطورت كذلك صناعة الاقلام والمداد وكيمياء تركيب الاحبار من مختلف الالوان، وتفننوا في ذلك حتى تمكنوا من صناعة حبر يُقرا مكتوبه ليلا ولا يُقرا نهارا! بل ان الصفدي يخبرنا انه “كتَب بعضُ المغاربة الى الملك الكامل (الايوبي ت 635هـ) رقعة في ورقة بيضاء، ان قُرِئت في ضوء السراج كانت فضية، وان قرئت في الشمس كانت ذهبية، وان قرئت في الظل كانت حبرا اسود”!!
بداية النهاية
وعلى المستوى التنظيمي؛ كان لا بد لمهنة الوراقة -ككل الحرف والصناعات- من ان توّثّق اعرافها الناظمة وتدون تجاربها المتراكمة، وصار لصنعتها نقابة مهنية تُعرف بـ”مشيخة الوراقين”، كان ممن تولاها عبد الرحمن بن احمد الحميدي الذي كان “شيخ الوراقين بمصر” في حقبة اخيرة من القرن العاشر الهجري.
وقد امدتنا اقلام خبراء الوراقة الاقدمين بطائفة من الكتب المرشدة في تقاليد صناعتها تصحيحا بالمراجعة والمقابلة، وتحصينا بالتجليد والترميم، وتزيينا بالتذهيب والزخرفة. ولكن كثيرا منها لم يصلنا سوى عنوانه، ومنها: رسالتان في مدح الوراقين وذمهم للجاحظ، و”‎رسالة الوراقة” لابي زيد البلخي (ت 322هـ)،‎ وكتاب “تنويق النطاقة في علم الوراقة” لعبد الرحمن بن مسك السخاوي (ت 1025هـ).
واما الكتب التي وصلتنا نصوصها فقليلة وابرزها: “كتاب التيسير في صناعة التسفير” لابي عمرو بكر بن ابراهيم الاشبيلي (ت 629هـ)، ومنظومة “تدبير السفير في صناعة التسفير” لابن ابي حميدة.
وبعد هذه الرحلة الزاخرة الزاهرة؛ كان لا بد لقافلة الوراقين ان تضع عصا التسيار، وما كان لها ان تجد توقيتا انسب لبدء العد التنازلي لتوقفها الاجباري من “لحظة غوتنبرغ”، تمهيدا لانقطاع مسيرتها النهائي بعد مرور قرنين ونصف على تلك اللحظة.
فبعد سبعة عقود من ظهور اختراع “المطبعة”؛ طرقت الطباعةُ بابَ لغة الضاد فدخلت عالمها بكتاب “صلاة السواعي” المسيحي الذي اصبح اول كتاب يطبع بالعربية سنة 919هـ/1514م. وبتمام الالفية الهجرية سنة 1000هـ/1592م؛ ظهرت باكورة كتب التراث الاسلامي المطبوع اولا باوروبا: “الكافية” لابن الحاجب و”الاجرومية” و”نزهة المشتاق” للادريسي، ثم كان اول كتاب من هذا التراث يُنشر مطبوعا في العالم الاسلامي ترجمة معجم “الصحاح” للجوهري الى التركية، التي طُبعت سنة 1142هـ/1729م في اسطنبول باول مطبعة تدخل بلاد الاسلام.يهودي يكتب القران ومسيحي ينسخ تفسير الطبري.. الوراقون وصناعة الكتاب في الحضارة الاسلامية

Scroll to Top