اخبار اليوم الصحيفة, الّف موسوعة من اخبار اليوم الصحيفة, الّف موسوعة من
رُبما كان من غير المستساغ ان يكون فقيهٌ حنبلياً وعقلانياً في نفس الوقت؛ اذ انه من المشهور انّ الحنابلة نصوصيون، لدرجة انّ مصطلح “اهل الحديث” يُراد به غالبا عند اطلاقه جموع الحنابلة، لكن العجيب انّ الامام ابن عقيل الحنبلي (ت 513هـ) كان ميّالا كل الميل الى المعتزلة رغم نبتته الحنبلية!!
فهل كان ميلُه الى الاعتزال ميلا تقريبيا اعتراضاً على تشظي الامّة بين التيارات والمذاهب، وتوظيف هذا الانقسام من قبل السلطة السياسية حينئذ؟ ام انّه كان مقتنعاً حقّا ببعض مقولات المعتزلة؟ ام اراد ان يقوم بعملية انفتاح داخل المذهب الحنبلي وتاسيس تيار عقلاني داخله، يَقرا اطروحة احمد بن حنبل (ت 241هـ) قراءة مغايرة لما هو سائد وشائع عنه؟ ذلك ما نسعى -في هذه المقالة- الى الوقوف على الجواب عنه لتبين حقيقة صنيع هذا الامام المثير للجدل.
نشاة عقلانية
نشا ابن عقيل نشاة عقلانية في بيئة عائلية حنفية تميل الى الاعتزال؛ فبدا طلبه العلم مقلّدا حنفيًّا ثمّ تحول الى مذهب احمد، لكنّه ظلّ منفتحاً على جميع التيارات والمدارس. وبتتبع مشايخه ممن تلقى عنهم ندرك انّه لم يكن يؤمن بانحصار اخذ العلم في مشايخ المذهب فحسب، فقد اخذ عن اعمدة كل الفنون كالقاضي ابي يعلى الحنبلي (ت 458هـ)، وشيخ الشافعية ابي اسحق الشيرازي (ت 476هـ)، وابي علي ابن الوليد المعتزلي (ت 478هـ) الذي درّس مقولات المعتزلة سرًّا لابن عقيل.
وبعبارة الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير اعلام النبلاء‘؛ فان ابن عقيل “اخذ علم العقليات عن شيخيْ الاعتزال ابي علي بن الوليد وابي القاسم بن التبان صاحبيْ ابي الحسين البصري (ت 436هـ)، فانحرف عن السنة”؛ وقال في ترجمته لابن الوليد هذا: “كان داعية الى الاعتزال وبه انحرف ابن عقيل”. الا ان الذهبيّ وصفه -في كتابيْه ‘السِّيَر‘ و‘العِبَر‘- بانه “كان اماما مبرّزا كثير العلوم خارق الذكاء”، وبانه “شيخ الحنابلة”؛ وهو الوصف نفسه الذي اطلقه ايضا على شيخ ابن عقيل: القاضي ابي يعلى الحنبلي الذي “انتهت اليه الامامة في الفقه وكان عالم العراق في زمانه”!!
وفي ترجمة ابن عقيل الحافظ ابن حجر (ت 852هـ) -في كتابه ‘لسان الميزان‘- قال انه “احد الاعلام وفرد زمانه علماً ونقلاً وذكاء وتفنناً…، الا انه خالف السلف ووافق المعتزلة في عدة بِدَع”. وبالتمعن في ترجمة ابن عقيل الحنبلي ندرك انّه لم يكن معتزلياً بشهادة خصومه، بل وافقَ المعتزلة فقط في بعض المسائل، وهذه نقطة الخلاف البادية بينه وبين خصومه.
وعند التحقيق نجدُ انَّ كثيراً من علماء الاسلامِ وافقوا المعتزلة والشيعة والخوارج وغيرها من الفِرَق في كثير من المسائل، بل انه ما من مذهب الا وكان بعض فقهائه موافقين للمعتزلة خاصة في الكثير من ارائهم تصريحا او تلميحا؛ فالجوينيّ (ت 478هـ) مثلا خالف السلف في اشتراط القرشية في الامام، واتفق مع الخوارج في عدم اشتراطها، وجعل الامرَ الى اختيار الامة وانتخابها.
ولذلك ردّ الجويني حديث «الائمة من قريش» الذي اعتمد عليه جمهور اهل السنّة. يقول في كتابه ‘غياث الامم‘: “الذي يوضح الحقَّ في ذلك انّا لا نجد من انفسنا ثلَجَ الصدور؛ واليقين المبتوت بصَدَر هذا من فَلْق (= فَمِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر اخبار الاحاد؛ فاذن لا يقتضي هذا الحديث العلمَ [القطعي] باشتراط النسب في الامامة”.
والذهبيّ الذي يصف ابن عقيل بالانحراف عن السنة بسبب مسائل هو نفسه يدافع عن ابن تيمية (ت 728هـ) في ترجمته، رغم تقريره انَّه يُخالفه في اصول وفروع؛ ينقل ابن حجر -في ‘الدرر الكامنة‘- ضمن ترجمة الذهبي قوله: “وانا لا اعتقد فيه عصمة، بل انا مخالف له في مسائل اصلية وفرعية”. ومقتضى كلام الذهبي هذا انّ الاصول نفسها مراتب متفاوتة.
وخالف ابو حامد الغزاليُّ الاشاعرةَ في مسائل كثيرة حتى اخرجه متعصبون منهم من الملة. وكان تكفيرُه من الداخل المذهبيّ لا من خارجه سببا في تصنيفه كتابَه ‘فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة‘ الذي يقول فيه رافضا حصر الحق في مذهب معيّن: “فانْ زعمَ انّ حدَّ الكفرِ ما يُخالف مذهب [ابي الحسن] الاشعريّ (ت 324هـ) -او [الـ]ـمذهب المعتزليّ او الحنبلي او غيرهم- فاعلم انّه غِرٌّ بليد، قد قَيّده التقليد، فهو اعمى من العميان، فلا تُضَيّع باصلاحه الزمان”.
تسامح علمي
وخالف ابو الطيب الباقلاني الاشعريَّ (ت 402هـ)في كثير من المسائل حسبما نصّ عليه الغزاليّ (ت 505هـ) في ‘فيصل التفرقة‘؛ حيث يقول: “من اين ثبت له (اي المكفِّر بمخالفة مذهب الاشعري) كونُ الحقِّ وقْفاً عليه حتى قضى بكفر الباقلانيّ اذ خالفه (اي الاشعريّ) في صفة البقاءِ لله تعالى، وزعم انّه ليس وصفاً زائداً على الذات؟! ولمَ صار الباقلانيّ اولى بالكفر بمخالفة الاشعريّ من الاشعريّ بمخالفة الباقلاني؟”.
وقد ترحم اهل المذاهب الاسلامية على بعضهم البعض رغم الخلاف بينهم؛ فالرازيّ (ت 606هـ) يترضى على ابن سينا (ت 429هـ) في كتابه ‘اساس التقديس‘ فيقول: “قال الشيخ –اي ابن سينا الرئيس- رضي الله عنه: وهذا الكلام موافق للوحي والنبوة”، مع انّ ابن سينا ابعد شُقَّة عن اهل السنّة من المعتزلة. وقد تتلمذ كثير من اهل السنة على غير اهل السنة والعكس، وعند التتبع نجد ان كثيرا منهم مختلف عقديا وفقهيا مع شيخه او تلميذه.
بل انّ علماء الحديث جوّزوا الرواية عن المبتدع بشروط معروفة عندهم، اهمها ان يكون ثقة وصادقاً. وقد روت كتب الصحاح عند اهل السنّة -وعلى راسها صحيحا البخاري (ت 256هـ) ومسلم (ت 261هـ)- عن المبتدعة. يقول الحافظ ابن حجر: “وامّا البدعة فالموصوف بها امّا ان يكون ممن يكفَّرُ بها او يُفسَّق. فالمكفَّر بها لابد ان يكون ذلك التكفير متفقاً عليه من قواعد الائمة…، والمفسّق بها كبدع… الطوائف المخالفين لاصول السنّة خلافاً ظاهراً لكنه مستند الى تاويل ظاهره سائغ؛ فقد اختلف اهل السنّة في قبول حديث مَن هذا سبيله اذا كان معروفاً بالتحرز من الكذب مشهوراً بالسلامة من خوارم المروءة موصوفاً بالديانة والعبادة”.
ونخلص من هذا كلّه الى انّ ما حصل لابن عقيل من اضطهاد على ايدي اقرانه من الحنابلة لا يُمكن فهمه على انه بسبب موافقته للمعتزلة او بسبب طلبه علوم العقليات على بعضهم فحسب، بل ثمة امور متشابكة ينبغي لمحها وتتبعها. فاذا كان ابن عقيل بشهادة خصومه ليس معتزليا، بل هو متاثر فقط ببعض مقولاتهم؛ فانه على ما يبدو كان احتوائياً وتوليفياً، ومن كلامه الذي يؤيد طبيعته التوفيقية ما نقله عنه ابن مفلح الحنبلي (ت 763هـ) في كتابه ‘الفروع‘: “لا ينبغي الخروج عن عادات الناس الا في الحرام؛ لتركه عليه السلام بناء الكعبة. وترَك احمدُ [بن حنبل] الركعتين قبل المغرب وقال: رايتُ الناس لا يعرفونه”.
وهو في مذهبه التوفيقي هذا شابهته قلّة قليلة في تاريخ الاسلام، ممن حاولوا التقريب والاحتواء والتوليف على مستوى رجال المذاهب ومقولات المذاهب، مثل العز ابن عبد السلام الشافعي (ت 660هـ) الذي انتقد تطرف بعض الاشاعرة في التكفير؛ والقرافيّ المالكي (ت 684هـ) الذي جوّز التلفيق المذهبيّ، وخرج عن بعض اقوال مذهبه المالكي. وغيرهما من علماء يجود بهم الدهر ليُجددوا امر الدين، ويُعززوا الدرس الفقهي بقراءاتهم العميقة.
ويبدو انّ فلسفة ابن عقيل التوليفية كانت عاملا مهمّا من اسباب محنته ايضا؛ اذ كان ذا منهج تقريبي تجاه الصوفية –وقد كان حسب
الذهبي واعظا بارزا حتى تاثر ابن الجوزي (ت 597هـ) بمنهجه الوعظي- حيث دافع اولاً عن ابي الحسين الحلاج (ت 309هـ) مثنيا عليه رغم انه قـُتل بتهمة الزندقة، وقال في ذلك: “اعتقدتُ في الحلاج انه من اهل الدين والزهد والكرامات، ونصرتُ ذلك في جزء عملته، وانا تائب الى الله تعالى منه”؛ وتجاه المعتزلة حيث تتلمذ على رجالهم فاعتنق بعض ارائهم، او بعبارة ابن تيمية كانت له “موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه ‘ذم التشبيه واثبات التنزيه‘ وغيره من كتبه”.
وكذلك توفيقيته تجاه الاشاعرة؛ حيث لازم درس ابي اسحق الشيرازي الذي قال انه هو مَن علمه فنّ المناظرة، وتولى تغسيله لما مات. وفي سنة 495هـ قُبض على الفقيه الشافعي ابي الحسن الطبري المعروف بـالِكْيَا الهراسي (ت 504هـ) –وكان مدرسا بالمدرسة النظامية- بتهمة القول “براي الباطنية..، فشهد له جماعة بالبراءة من ذلك، منهم ابو الوفاء بن عقيل”؛ كما روى ابن الجوزي في كتابه ‘المنتظم‘.
صراع المرجعية
ويبدو ان توليفية ابن عقيل سرت روحُها بين تلامذته حتى شاع فيهم الترحال بين المذاهب؛ فابن الجوزي ذكر ضمن تلامذة ابن عقيل: ابا الفتح ابن برهان البغدادي (518هـ) الذي كان حنبليا ثم صار شافعيا، ويكشف لنا ابن الجوزي سبب ذلك التحول فيقول انه “كان بارعًا في الفقه واصوله، شديد الذكاء والفطنة؛ فنقم عليه اصحابُنا اشياء لم تحتملها اخلاقُهم الخشنة، فانتقل.. ووجد اصحابَ الشافعي على اوفى ما يريده من الاكرام، ثم ترقى وجعلوه مدرسًا للنظامية”!!
كما ترجم ابن الجوزي لتلميذ ابن عقيل الاخر ابي جعفر ابن الزيتوني (ت 542هـ) الذي كان حنبليا ثم انتقل الى “مذهب ابي حنيفة…، وصار متكلما داعيا في الاعتزال”، عكس شيخه ابن عقيل الذي كانت عائلته حنفية المذهب فتحنبل هو.
ولابن عقيل عبارة صريحةٌ -نقلها عنه ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘- تدلّ على رجحان قراءة دور توفيقيته في محنته؛ اذ يقول: “وكان اصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً”. فهو يصف المخالفين هنا بالعلماء، ويتحسر على الفوائد التي فاتته بسبب استبداد المتشددين من علماء مذهبه وحرمانهم له من حضور دروس المخالفين. ولعل ابن تيمية كان موفقا حين حاول عَرَضاً تسويغ خروج ابن عقيل على المستقر عقديا لدى رفاقه الحنابلة؛ فقال: “ولابن عقيل انواع من الكلام، فانه كان من اذكياء العالم كثير الفكر والنظر في كلام الناس”!!
ان ابرز المسائل التي هوجم بسببها ابن عقيل يمكن حصرها فيما يلي: 1- ترحمه على الحلاج ودفاعه عنه. 2- اقترابه من المعتزلة. 3- علاقته بالسلطة السياسية. 4- علاقته بعلماء مذهبه. لقد كانت هذه العوامل من اهم الامور التي اعتمد عليها خصومه في تاليب الدولة عليه، ونقول: الدولةَ، لانّه لولا تدخل الدولة لظلّ ابن عقيل على نفس خطّه الفكريّ ممارساً لدرسه الفقهيّ واقبال العلماء والعامة عليه، وربما كان لخطّه الاصلاحيّ شانٌ اخر لو تُركت له المساحات دون اقحام قصر الخلافة.
ومن الواضح ان تدخل قصر الخلافة وصناعته محنة الرجل هو الذي ضخّم مقولاته؛ فابن عقيل نفسه درّس في جامع المنصور ببغداد خلفا لشيخه ابي يعلى الحنبليّ وتصدّر الجماعة الحنبلية، وكانت الامور مستتبة لولا اقحام خصومه للسلطة السياسية في صراع الجماعة العلمائية؛ وهو ما نفصله فيما يلي:
لمّا مات الشيخ ابو يعلى -الذي كان ابن عقيل احد تلامذته المخلصين- انفرد ابن عقيل بخلافته في مرجعية المذهب، لكن احد تلامذة ابي يعلى النبهاء وهو الشريف ابو جعفر بن ابي موسى الهاشمي (ت 470هـ) -وهو الذي تولى غسل وتكفين ابي يعلى اشارة الى كونه الاحقّ بميراث الشيخ العلميّ- لم يقبل بخلافة ابن عقيل لابي يعلى، وكان اكثر الحنابلة ينظرون بريبة الى تصدر ابن عقيل بعد وفاة شيخهم، ودعموا تصدر الهاشمي فاصبح –بتعبير الذهبي في ‘تاريخ الاسلام‘- “امام الطائفة الحنبلية في زمانه بلا مدافعة”. وهكذا كان الموج عالياً امام ابن عقيل فحال بينه وبين الانفراد بزمام المرجعية بعد وفاة شيخه.
وقد ساعد ابو منصور ابن يوسف –وهو تاجر حنبلي كبير ومستشار للخليفة القائم- ابن َ عقيل في التصدّر بعد ابي يعلى، وقدمه مُدرساً بجامع المنصور الذي كان يدرس فيه ابو يعلى، وتكفّل برعايته ماليا وحمايته مذهبياً وسياسياً. يقول ابن عقيل عن نفسه في تلك الفترة حسبما نقله ابن رجب الحنبلي: “واقبل عليَّ ابو منصور ابن يوسف فحظيتُ منه باكبر حظوة، وقدّمني على الفتاوى مع حضور من هو اسنّ مني (يقصد منافسه اللدود الهاشمي)، واجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي (= ابو يعلى) سنة ثمان وخمسين [واربعمئة]، وقام بكل مؤنتي وتجملي”.
استقطاب داخلي
واللافت انّ اكثر الحنابلة دعموا الهاشمي “الاصيل” حنبليا ضد “الدخيل” المذهبيّ ابن عقيل؛ وذلك لاسباب اهمها:
1- تمثيل الهاشمي للتراث الحنبلي؛ فهو اقرب علماء المذهب لارثه الفقهي والعقدي، ولم يكن ناقداً لممارسات الحنابلية مثل ابن عقيل الذي اشتُهر بعقلانيته ونقده الذاتي المذهبي. ايضا فانّ الهاشمي هو الممثل الحقيقي لمدرسة ابي يعلى المحافظة، والتي كانت تنتهج نهجاً متشددا تجاه المعتزلة والاشعرية، ومن ثمّ نُظر الى ابن عقيل ذي النهج التقريبي على انّه لا يُمثل مدرسة شيخه تمثيلاً حقيقياً.
2- شخصية الهاشمي المتشددة مذهبياً والتي لا تعرف ايّ تنازل للخصوم من خارج المذهب او داخله، وكان شديد الوطاة على المخالفين يمارس الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه، وله دور كبير في فتنة ابن القشيري -او فتنة الحنابلة- سنة 469هـ التي مات فيها عدد من الحنابلة والاشعرية، مما ادى الى تدخل قصر الخلافة للاصلاح بين المتصارعين، وهو ما ساهم في تعزيز مرجعية الهاشمي عند الجماهير الحنبلية. ومن هنا ندرك بعض اسباب شدته تجاه ابن عقيل.
3- ممارسة ابن عقيل النقد الذاتي للداخل المذهبيّ؛ حيث هاجم ابن عقيل التزمت الحنبليّ تجاه الخصوم، وانتقد التحولات المذهبية لكثير من الحنابلة نحو المذهب الشافعي والاشعريّ لمـّا عظُم شان المدرسة النظامية، واتهمهم بانهم ما تحولوا الا طمعا في المال والجاه؛ فيقول فيما يرويه عنه ابن الجوزي في ‘المنتظم‘: “ورايت كثيراً من اصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا، وتوثق[ـوا] بمذهب الاشعري والشافعي طمعا في العزّ والجرايات”.
وقد كان بامكان ابن عقيل ان ينتقل الى الاشعرية او الشافعية الا انه كان حنبلياً مخلصاً، لكن مشروعه الحنبليّ كان وسيطاً بين خصوم المذهب والجناح المتشدد المهيمن فيه؛ مما قلل مرجعيته وموقعه داخل المذهب الحنبلي.
4- مما اضعف مرجعية ابنِ عقيل داخل المذهب تتلمذُه لمخالفي الحنابلة كبعض مشايخ المعتزلة، والشيرازيّ الشافعي الذي لا ينسى الحنابلة دوره في فتنة ابن القشيري، حيث كان ممن يحضر مجالس ابن القشيري بالمدرسة النظامية التي كان ينتقد فيها خصومه الحنابلة. وكانت بين الشيرازي والهاشمي معارك علمية كبيرة متعلقة بنفوذ مذهب كل منهما وموقعه في الساحة الفقهية؛ فيبدو ان الهاشمي راى تتلمذ ابن عقيل على يدي خصمه خيانة له وللمذهب.
لكن يبدو ان العامل الاكبر في الخلاف بين الهاشمي وابن عقيل كان يتعلق بالتصدر للمرجعية، والتحدث باسم المذهب بعد وفاة شيخهما ابي يعلى. وهذا الصراعُ على المرجعية يُذكّرنا بالصراع الذي دار بعد وفاة الحافظ ابن حجر بين بعض تلامذته، والذي انتهى الى صراعٍ بين اَمْتنِ عالميْن في عصرهما: تلميذه المباشر الحافظ السخاوي (902هـ) وتلميذه بالواسطة جلال الدين السيوطي (911هـ)، وكان من اشهر الصراعات بين الاقران في تاريخ الاسلام!
وهذا الصراع بين العلماء على المرجعية هو جزء من تاريخ الاُمّة ويعكس الثراء الفقهي والعلمي، ويخدم تطور الدرس العلمي؛ وبالتالي فانه يؤدي الى نقاشات عميقة في مسائل بعينها، والى تصنيفات وردود على التصنيفات، وردود على الردود؛ مما يعد حافظة لتراث الجماعة العلمية، وسجلا حافلاً بما هو تاريخي وما هو فقهي، ومن ثمّ يساهم في فهم مسار الاحداث حينها علمياً ومجتمعياً.
تدخل السلطة
بدات محنة ابن عقيل علميةً باشتباك اقرانه من داخل المذهب معه بسبب زعامة الهاشمي منذ سنة 458هـ تقريباً، ثمّ بتدخل قصر الخلافة ووضعه ابن عقيل قيد الاقامة الجبرية بين عامي 461 و465، ثمّ باستتابته العلنية سنة 465هـ بمحضر من رموز السلطة وعلماء الحنابلة.
وهي الاستتابة التي حفظ لنا نصَّها ابنُ الجوزي في ‘المنتظم‘ نقلا عن خط ابن عقيل، ومما جاء فيها: “اني ابرا الى الله تعالى من مذاهب المبتدعة والاعتزال وغيره، ومن صحبة اربابه وتعظيم اصحابه، والترحم على اسلافهم والتكثر باخلافهم. وما كنت علّقته (= لخّصته) ووُجد خطي به من مذاهبهم وضلالاتهم فانا تائب الى الله تعالى من كتابته، وانه لا تحل كتابته ولا قراءته ولا اعتقاده”.
لم تنظر السلطة السياسية حينئذ الى الخلاف بين ابن عقيل وخصومه على انّه امر مذهبي خاصّ، بل حاولت توظيفه بغية تعزيز حضورها وهيمنتها على الشان الديني. فكان الهاشمي مقربا من الخليفة العباسي القائم بامر الله (ت 467هـ) وكانت بينهما قرابة، وحاول ادخال الخليفة في معركته ضد ابن عقيل ليكبحه عن “بِدَعه” المتمثلة في ترديد بعض مقولات المعتزلة والتعاطف العام مع الصوفية.
وفي نهاية المطاف اُجبر ابن عقيل وحُمل حملا على كتابة “توبة”، الا انّه واقعياً ظلّ على قناعاته حتى مات عليها؛ يقول ابن رجب الحنبلي في ترجمته له: “وذلك انّ اصحابنا كانوا ينقمون عليه تردده الى ابن الوليد وابن التبان شيخيْ المعتزلة، وكان يقرا عليهما علم الكلام سرّاً، ويظهر منه في بعض الاحيان نوع انحراف عن السنة، وتاول لبعض الصفات؛ ولم يزل فيه بعض ذلك الى ان مات رحمه الله”. فعبارة ابن رجب صريحة في انّ “توبته” كانت ظاهرية وبضغط سيف السلطة المُصلت عليه!
ومما يؤكد ذلك هذه الواقعة التي يرويها القاضي ابن العربي المالكي (ت 543هـ)؛ فقد قال في تفسيره ‘احكام القران‘ (سورة التوبة/ الاية: 77): “كنت بمجلس الوزير العادل ابي منصور بن جَهير (ت 493هـ)…،؛ فقرا القارئ: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} وكنت في الصف الثاني من الحلقة، فظهر ابو الوفاء علي بن عقيل امام الحنبلية بها -وكان معتزلي الاصول (= العقيدة)- فلما سمعتُ الاية قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري: هذه الاية دليل على رؤية الله في الاخرة، فان العرب لا تقول: ‘لقيت فلانا‘ الا اذا راته؛ فصرف وجهَه ابو الوفاء المذكور الينا مسرعا، وقال ينتصر لمذهب الاعتزال في ان الله لا يرى في الاخرة: فقد قال [تعالى]: {فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه}، وعندك ان المنافقين لا يَرون الله في الاخرة”.
ثم ان عبارة ابن رجب صريحةٌ ايضا في منهج ابن عقيل التقريبيّ الذي “تاوّل بعض الصفات” على طريقة الاشعريّة، فهل هو فِعْلٌ تقريبيّ احتوائيّ لتيارات الاُمّة؟ ام هو نتيجة لتاثره بشيخه الشيرازيّ؟ ربما كلاهما. ولكن السؤال المهم هو: لماذا حسمت السلطة السياسية موقفها من ابن عقيل وتعاملت تعاملاً حازما مع افكاره: حجراً وقسراً ومنعاً؟ وهل كانت السلطة السياسية حريصة على عقيدة اهل السنّة والجماعة.. ام ان هناك اسبابا اخرى جعلت السلطة تتبنى موقفاً متشددا تجاه ابن عقيل؟
افتراضات شارحة
هناك عدّة افتراضات يُمكن عبرها فهم موقف الدولة/قصر الخلافة منه:
1- موقف ابن عقيل السياسيّ: فنحن نلاحظ من ثنايا كلامه انّ موقفه من السلطة السياسية ومن العلماء المقربين منها كان سلبياً، اذ انه انتقد تحوّل علماء الحنابلة عن مذهبهم بسبب الطمع في المال والجاه، فهذا يُنبئ عن شخصية متمردة وجريئة، تسعى للاصلاح دون مواربة.
فابن عقيل يُحذّر -في كتابه ‘الفنون‘ حسبما ينقله ابن مفلح الحنبلي في كتابه ‘الاداب الشرعية‘- العلماءَ الذين يقتربون من السلطة؛ فيقول: “اكثر من يخالط السلطان لشدة حرصهم على تنفيق نفوسهم عليه باظهار الفضائل وتدقيق المذاهب في درك المباغي والمطالب؛ يبلغون مبلغاً يغفلون به عن الصواب، لانّ السلاطين دابهم الاستشعار والخوف من دواهي الاعداء، فاذا احسوا من انسان تنغُّراً (= تنكُّراً) ولمحاً تحرزوا منه بعاجل احوالهم، والتحرز نوع اقصاء فانه لا قربة لمن لا تؤمن مكايده…، فانّ للسلطان كنزاً لا يحب ظهوره الى كل احد”. وعندما انتقد المخالفين من الصوفية؛ قال فيما نقله عنه ابن الجوزي في ‘تلبيس ابليس‘: “وانا اذم الصوفية لوجوه يوجب الشرعُ ذمَّ مَن فعلها، منها… [انهم] يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الاموال”!!
وبعبارة لا لبس فيها؛ يبين ابن عقيل موقفه من الدولة والامراء بقوله الذي حكاه عنه ابن رجب الحنبلي: “وتقلّبتْ عليَّ الدولُ فما اخذتني دولة سلطان -ولا عامة- عما اعتقد انه الحق، فاوذيت من اصحابي حتى طُلب الدم، واوذيت في دولة النِّظام (= الوزير السلجوقي نظام الملك المتوفى 485هـ) بالطلب والحبس، فيا من خِفْتُ الكلَّ لاجله لا تخيِّب ظني فيك”!
ومع ذلك يبدو انه توفي راضيا عن هذا الوزير الذي ضيّق عليه؛ فقد نقل عنه الذهبي قوله: “بهر العقولَ سيرةُ النظام جودا وكرما وعدلا، واحياء لمعالم الدين، كانت ايامه دولة اهل العلم، ثم خُتم له بالقتل وهو مارٌّ الى الحج في رمضان؛ فمات ملكا في الدنيا ملكا في الاخرة، رحمه الله”.
وموقفه المستقل عن السلطة هو الذي سمح له بالانكار عليها كلما راى منها انحرافا عما يعتبره الموقف الشرعي الصحيح؛ ولنستمع اليه وهو يقول للوزير ابن جهير في رسالة وجهها اليه سنة 488هـ منتقدا بعض الممارسات الخاطئة، ونقل الينا ابن الجوزي نصها في ‘المنتظم‘: “لولا اعتقادي صحة البعث، وان لنا دارا اخرى -لَعلّي اكون فيها على حال احمدها- لمـَا بغّضتُ نفسي الى مالك عصري…، لكن اذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فو الله ما ازن هذه بهذه…؛ [فـ]ـاتق سخط الله فان سخطه لا تقاومه سماء ولا ارض”!
2- قصر الخلافة وتصفية الحسابات: كان قصر الخلافة ميّالا كل الميل للخط الحنبليّ حينئذ، اذ كان ثمة تحالف بين الجانبين، وكان الخليفة القائم بامر الله يُجلّ ابا جعفر الهاشمي، ولذلك اوصى ان يقوم الهاشمي بامر غسله وتكفينه بعد موته؛ بينما كان اهل الراي –خاصة الاشاعرةُ والشافعية- متحالفين مع الوزير نظام الملك.
وكان الخليفة ينظر بقلق الى النفوذ الاشعريّ الشافعيّ المدعوم من الوزير، منتظرا الفرصة السانحة ليُحجّم تمددهم. وانتظارا لتحسّن الظرف السياسيّ؛ دعم الخليفة الخطّ الحنبليّ المحافظ ليضمن شرعيته في قلب بغداد.
ولذا فانّ اصلاحية ابن عقيل التي بدت وكانها تواطؤ مع خصوم الحنبلية -من المعتزلة والاشعرية والشافعية- لم تقلق الهاشمي فحسب؛ بل ربما اقلقت الخليفة نفسه الذي كان حريصا سياسيا على تماسك المذهب الحنبليّ لموازنة نفوذ الوزير السلجوقي، علاوة على صلته الوثيقة بالهاشمي!
3- نفس ابن عقيل الابية: فهو لم يكن ممن يتملقون بغية مال او جاه، ومن ثمّ لم يرُقْ له القرب من قصر الخلافة كما فعل خصمه الهاشمي، رغم ان الاخير اصطدم بالسلطة في السنة الاخيرة من عمره (469هـ) خلال عهد الخليفة الجديد المقتدي بامر الله (ت 487هـ)، وسُجن حتى مات متاثرا بمرضه في السجن.
ثم ان ابن عقيل عاش فقيراً بسبب محنته، خاصة بعد وفاة كفيله ابي منصور التاجر الحنبلي الكبير؛ ويقول عن نفسه الابية حسبما رواه عنه ابن رجب الحنبلي: “وعانيتُ من الفقرِ والنسخ بالاجرة، مع عفة وتقى، ولا ازاحم فقيها في حلقة، ولا تطلب نفسي رتبة من رتب اهل العلم القاطعة لي عن الفائدة”.
مصير المشروع
لا يُمكن الزعم انّ ابن عقيل اخفق تماماً في تمرير مشروعه؛ فقبل وفاته (سنة 513هـ) وُلد ابن الجوزيّ سنة 510 هـ، وانهى حياته اصلاحياً حنبلياً على نفس نهج ابن عقيل في العقيدة والوعظ، وان لم يُصرّح بذلك؛ فتعززت مدرسة ابن عقيل الاصلاحية داخل المذهب الحنبليّ الذي كان انذاك شديد المركزية.
وربما يفيد في ذلك تتلمذ ابن الجوزي على ابي الفضل محمد بن ناصر البغدادي (ت 550هـ) وهو احد تلامذة ابن عقيل. ولا يخفى انّ ابن الجوزيّ (ت 597هـ) من اكثر العلماء ذكرا لاقوال ابن عقيل، ولذلك قال ابن رجب -في ترجمته لابن الجوزي- انه “كان معظِّما لابي الوفاء بن عقيل”، وقال في ترجمته لابن عقيل ان “من معاني كلامه يستمد ابو الفرج ابن الجوزي في الوعظ”. بل ان سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) يفيدنا بدقة بحجم ما اخذ جدُّه من ابن عقيل؛ فيقول -في كتابه ‘مراة الزمان‘- متحدثا عن كتاب ابن عقيل الضخم المسمى ‘الفنون‘: “اختصر منه جدي عشر مجلدات فرّقها في تصانيفه”!!
وقد فطن ابن تيمية الى هذه الصلة بين الرجلين فجعل الاشاعرةَ اقربَ الى مذهب احمد من ابن الجوزيّ وابن عقيل، حين قال في ‘درء تعارض العقل والنقل‘: “وكان الاشعري اقرب الى مذهب احمد واهل السنة من كثير من المتاخرين المنتسبين الى احمد الذين مالوا الى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل وصدقة ابن الحسين (ت 573هـ وكان من تلامذة ابن عقيل) وابن الجوزي”.
ويسير ابن الجوزي على درب ابن عقيل فيُوجّه سهام نقده الى علماء الحنابلة الجامدين في نظره، ممن يتعصبون لاحمد ويُصححون كل روايات المسند تعصبا، بل انه انتقد الشيخَ ابا يعلى -استاذَ ابن عقيل- بسبب جموده المذهبيّ. وقد ادى ذلك لاتهام ابن الجوزيّ -فيما بعدُ- بالمروق من المذهب؛ كما حدث من قبلُ مع ابن عقيل.
وقد خطا ابن الجوزي خطوات اوسع عندما اعتمدَ منهج التاويل الاشعريّ في ايات الصفات، فقرر قانونه الشهير الذي نص عليه في كتابه ‘فيض الخاطر‘: “التفويض للعامة والتاويل للعلماء”. وكانه كان منشغلا ومهموماً بذلك الصراع الابدي الحنبلي/الاشعريّ، فاراد ان يكون حلقة ربط والتقاء بين الجانبين.
لقد كانت محنة ابن عقيل ملهمة للداخل المذهبيّ ولخارجه على السواء، بيد انّ التاثير الداخلي كان اعظم اثراً، اذ ان ذكريات محنة خلق القران الكبرى لامام المذهب كانت لا تزال تؤثر في المخيال الحنبليّ، ومن ثمّ استمد ابن عقيل قوّته واثره بعد وفاته من نفس المحنة التي تسببت في انزوائه وتراجعه ظاهرياً عن مقولات كثيرة له اعتقدها خشية من بطش مذهبي يستقوي بالسلطة.
ثمرات المحنة
لم تمرّ محنة ابن عقيل -التي تمثلت في اضطهاده علمائياً وسياسياً ونفيه ومنعه من التدريس- مروراً عابراً؛ اذ انّه عكف على تاليف اكبر مُصنّف في تاريخ الاسلام حسب وصف كثير من العلماء، وهو كتاب ‘الفنون‘ الذي قال ابن رجب انه بلغ “ثمانمئة مجلدة”، وقال الذهبي في ‘تاريخ الاسلام‘: “له كتاب ‘لفنون‘ لم يُصنَّف في الدنيا اكبر منه، حدثني من راى منه المجلد الفلاني بعد الاربعمائة”!!
لكنّ هذا الكتاب ما زال مفقودا، وقد عُثر على جزء صغير منه يدلّ على اهمية الكتاب وعبقرية صاحبه؛ ولعل ابن عقيل نافس به موسوعة ابي يوسف القزويني المعتزلي (ت 488هـ) في التفسير فانه “جمع [فيه] كتابا بلغ خمسمئة مجلد”، خاصة انه كان معجبا بهذا الكتاب وبمؤلفه، ولعل ذلك من بقايا تاثره بفكر المعتزلة.
على ان طبيعة تكوين ابن عقيل الموسوعية لا يستغرب معها مثل هذا الانجاز العلمي المتفنّن، كيف وهو الفقيه المحدّث الذي كان يطالع كتب علوم الهندسة والفلك وينقل مضامينها دون ردٍّ لها؛ كما يفيدنا هذا النص الثمين بشان مفاهيم مثل كروية الارض وخط الاستواء، والذي خلده لنا ابن الجوزي في ‘المنتظم‘: “قال ابو الوفاء بن عقيل: ونقلتُ من ‘كتاب الهندسة‘: ذكر علماء الهندسة ان الارض على هيئة الكرة على تدوير الفلك، موضعهـ[ـا] في جوف الفلك كالمُحّة (= صُفار البيض) في جوف البيضة…؛ والارض مقسومة نصفين بينهما خط الاستواء، وهو [يمتدّ] من المشرق الى المغرب، وهو طول الارض، وهو اكبر خط في كرة الارض”.
لقد تعلم ابن عقيل في محنته كيف يُجلّ العلم ويستغل كل لحظة في افادة او استفادة؛ فهو يقول عن نفسه كما نقله عنه ابن رجب: “انه لا يحل لي ان اضيع ساعة من عمري، فاذا تعطل لساني من مذاكرة ومناظرة وبصري من مطالعة، عملتُ في حال فراشي وانا مضطجعٌ، فلا انهض الا وقد يحصل لي ما اسطّره، واني لاجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين اشد مما كنتُ وانا ابن عشرين”. وهذا شان المصلحين دائما، انهم لا يضيعون لحظة الا في افادة واستفادة.
ويبدو انّ المحنة اثرت كثيراً في ابن عقيل، فلغته وادبه وفقهه ونظرته للكون والدين والدنيا مختلفة عن غيره من العلماء، او اذا شئت فقل انّ هذا قانون الاصلاح، فالاصلاحيون دوماً هكذا لانهم غالباً ما يتعرضون في حياتهم لعوائق ومشكلات لكونهم ضد العوائد ومعتقدات العامة. ومن اقوال ابن عقيل في ذلك ما نقله عنه ابن مفلح في ‘الاداب الشرعية‘: “قال ابو الوفاء ابن عقيل في ‘الفنون‘: من صدَر اعتقادُه عن برهان لم يبقَ عنده تلوّنٌ يراعي به احوالَ الرجال {افان مات او قُتل انقلبتم على اعقابكم}” (سورة ال عمران/ الاية: 144).
ورغم وطاة المحنة على ابن عقيل فانه ظل منصفا لاصحابه الحنابلة ومعتزا بالانتماء الى ركبهم، مع علمه العميق بتكوينهم النفسي والمنهجي؛ فها هو –فيما يرويه ابن رجب نقلا عن الحافظ ضياء الدين المقدسي الحنبلي (ت 643هـ)- يقول فيهم حين سُئل عن وصفهم بـ‘انصاف‘: “هم قوم خُشُنٌ، تقلصت اخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المُداخلة، وغلب عليهم الجِدّ وقلّ عندهم الهزل، وغربت نفوسهم عن ذلّ المراءاة، وفزعوا عن الاراء الى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التاويل، وغلبت عليهم الاعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع، واخذوا ما ظهر من العلوم”.
والغريب العجيبُ في امر ابن عقيل انّ الجماعة الحنبلية اهدرت دمَه ولم ينصره سوى القليل، ومع ذلك بقي اسمه ورسمه وبقيت محنته ملهمة تُتدارس، في حين اختفى خصومه وكَمُنَ ذكرهم، ولم تذكر المصادر اسماء معظمهم، ومات كثير من تصانيفهم. بل ان السلطة اضطرت الى الاعتراف بمكانته، فاستعانت به لحل كثير من الازمات المجتمعية التي واجهتها كالفتنة الطائفية التي عصفت مجددا ببغداد سنة 482هـ “فقُتل فيها نحو مئتي قتيل ودامت شهورا”، بتعبير ابن الجوزي في ‘المنتظم‘؛ وكان لابن عقيل الاسهام الاعظم في احتوائها. بل وصل اعتراف قصر الخلافة به الى حد انه لما تُوفي الخليفة المستظهر بالله سنة 512هـ “غسّله ابو الوفاء بن عقيل”!
وبقاء اثر ابن عقيل انما يعكس شان مقولات العلماء؛ فانها لا يمكن الحكم عليها بعصر صاحبها فقط بل بعد موته بعقود وربما قرون؛ فكم من عالم ذاع صيته ثم خفت اثره ونُسي اسمه، وكم من عالم اخر نُبذ في حياته وارتفع شانه بعد مماته. ويحدث ذلك فيما يمكن تسميته بعملية “الانتقاء” او “الانتخاب الطبيعي”؛ فـ‘موافقات‘ الشاطبيّ (ت 790هـ) لم تُعرف وتشتهر الا بعد موته بقرون على يد الشيخ محمد عبده (ت 1905م)، وكذلك مقدمة ابن خلدون (ت 808هـ).
والحقيقةُ ان سبر تاريخ التيارات والمذاهب وعلاقتها بالسلطة السياسية وعلاقتها بعضها ببعض، امر مهمّ جدا للمؤسسات الدينية والعلمائية المعاصرة، ولا غنى عنه لايّ مشروع تجديدي واصلاحي يُريد ان يتجاوز السلبيات التي وقع فيها السابقون. وكذلك ليُدرك الجميع صيرورة التاريخ وانّ القضاء على الخصوم الفكريين بالاستعانة بسلطة لم ينجح ابدا في تاريخ الافكار. ومن ثمّ فان ايّ انتصار بسيف السلطة في عالم الافكار هو انتصار لحظيّ ومرتبط بالسياق الاجتماعي والسياسي والديني، وايّ نشوة له هي محض رؤية قاصرة لتاريخ الجماعات العلمية والتيارات الفكرية.الّف موسوعة من 800 جزء ودافع عن الحلاج وتاثر بالمعتزلة.. ابن عقيل الحنبلي متمرد ام اصلاحي؟
