اخبار اليوم الصحيفة, غسان كنفاني.. خارج اخبار اليوم الصحيفة, غسان كنفاني.. خارج
في كلّ مرة يستعاد فيها الروائي الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972) الذي تمرّ ذكرى استشهاده السادسة والثلاثين، اليوم، يتوقّف المرء على قراءات متعدّدة لتجربته، سواء تلك التي تشير الى بنائها الحداثوي او الى مقارابته المعمّقة لمفهوم المقاومة والاستعمار والمنفى.
باستثناء مجموعاته القصصية الثلاث “عالم ليس لنا، و”موت سرير رقم 12” و”ارض البرتقال الحزين”، وروايته “رجال في الشمس”، فان اعماله العشرة بما تتضمنّه من روايات ومسرح وقصة قصيرة قد الّفها بعد نكسة حزيران عام 1967، وهي محطّة فاصلة في الادب العربي بمجمله.
بقدر ما كان كنفاني متصلّباً في مواقفه السياسية تجاه قضايا التحرّر الوطني وكذلك في ايمانه بتلازمه مع التحرر الاجتماعي، فانه نظر الى الادب بوصفه تمثّلاً للمقاومة بحسب رؤيته لها والتي تفترض الاعتراف بالهزيمة والتفكيرّ باسبابها وتداعياتها، وكيفية النهوض وتجاوزها في ان، لذا لا يبدو مستغرباً تصريحه لاحدى المحطات الاذاعية الاسكندفانية حين قال “في عملي السياسي ادافع عن المنظمة التي انتمي اليها.. في قصصي اعطي شخصياتي حرية التعبير عن مواقفهم دون تحفظ”.
مساران مختلفان حد التضاد رسما تصوّره نحو الكتابة؛ الاول يتمثّل في حنين المنفيّ الى الماضي الذي يريد ان يراه كما كان عليه من قبل، كما لو انه لم يبتعد عنه ولم يتغير هو وماضيه مع تقادم الزمن، والثاني يتعلّق بتاملاته المكثفة والواعية في جوهر الصراع وتحوّلاته على مستوى الذاكرة والهوية والجدران التي تشيّد وتنهار في كلّ مرحلة لانها محضّ وهم.
في “عائد الى حيفا” التي صدرت عام 1969، تبرز مراجعات كنفاني العديدة التي تتجاوز الواقع السياسي لحظة الانكسار والتراجع، اذ قرر باكراً ان يواجه فكرة “العودة المنقوصة” حين عاد بطل روايته الى مدينته حيفا زائراً بعد ضمّ الضفة الغربية الى الاحتلال، حيث فتحت البوابة من الجهة الاخرى (باذن المحتل) وان ابنه الذي فقده عند خروجه من بيته عام 1948 قد اصبح مجنداً في صفوف العدو بعدما تغير اسمه وهويته.
تبدو الصدمة مركبة في هذا العمل، حين اراد صاحب “ما تبقى لكم” ان يقول ان الوطن ليس مجرّد ذكريات مضت تتحوّل الى صور وايقونات تنتمي الى الماضي، كما اخفق في رسمه القادة والزعماء، وان الانسان محكوم الى حاضره؛ اي الى قضيته، التي تستند الى الحقائق وليس الى الامنيات، وكانه يرى ما حلّ بالوطن بعد عودة بعض اهله الى “دولة فلسطينية” عقب عدّة عقود.غسان كنفاني.. خارج منطق الجدران
