اخبار اليوم الصحيفة, “من قتل اسعد اخبار اليوم الصحيفة, “من قتل اسعد
يختفي “اسعد المروري”، الاستاذ بجامعة وهران، والناشط الحقوقي، اربعة ايام، وفي اليوم الخامس تعلن الجهات المختصة عثورها على جثته مقتولاً في مقر الحزب الذي ينتمي اليه.
هذا هو الخبر الذي تنطلق منه رواية الحبيب السائح الاخيرة “من قتل اسعد المروري”، ليتحول هذا السؤال الى قلقٍ يقض مضجع الصحافي “رستم معاود” الذي كان صديقاً للمقتول، فيحاول البحث عن جواب من خلال متابعته لحيثيات القضية واستجلاء ملابساتها.
“سمعت صوتاً من خلفي. استدرت فاشار الي، من خلف احد الموانع، رجل كهل بوجه مشوّش. اقتربت منه فحط يده على طرف شفته العليا، في وضعية همس. (…) نظر يميناً وشمالاً، كمن سيقفز في هروب. وهمس لي ان سيارة غريبة عن الحي باربعة اشخاص كانت تتوقف لايام مقابل باب الحركة. ثم اختفت باختفاء الاستاذ يوم الثلاثاء الماضي”.
هكذا، يجد “رستم” نفسه عالقاً في الغاز ومتاهات لا تنتهي وهو يبحث عن الحقيقة، خاصة ان الشرطة تتكتم على بعض المعلومات، لكنه بمساعدة صهره الذي يعمل مفتشاً في الشرطة القضائية، وبمساعدة “لطيفة” حبيبته التي تعمل طبيبة شرعية وتكون هي من يكشف على الجثة ويشرّحها، يتمكن من الوصول الى الكثير من الحقائق التي تحاول الجهات الامنية التكتم عليها، وربما طمسها ومحاولة تزييفها.
يفتت “الحبيب السائح” الزمن الحكائي، يرجعنا الى الخلف بتقنية “الفلاش باك” ليحكي عن اللقاء الاول الذي جمع الراوي “رستم” بالطبيبة الشرعية “لطيفة”، كما يُدخل مشهداً مسرحياً ضمن الحبكة، هو مقتطف من مسرحية كان يمثّل فيها “المروري” وكان قد كتبها الصحافي نفسه وحضر بروفاتها برفقة عشيقته.
في هذا المشهد المسرحي هناك الكثير من الاشارات الى الفساد والرشا والغش الذي يشوب الدولة بكل مؤسساتها، وهي نفسها الافكار التي كان المقتول يناضل ضدها، وهذا ما جعل الاحزاب والمنظمات الحقوقية والمدنية تعتبر ان قتله ليس مجرد حادثة عادية بل هو اغتيال مدبّر بسبب الافكار التي يحملها، خاصة ان هذه الجريمة تمت بعد ان قابل الضحية مندوب الامم المتحدة وتحدث في مؤتمر عن حرية التعبير، وقمع الشرطة السياسية.
اقوال جاهزة
ما هي حقيقة ما حصل فعلاً؟ وهل مقتل “اسعد المروري” كان سببه علاقة مثلية مع طالبه، ام انه اغتيال سياسي؟
تقدم رواية “من قتل اسعد المروري” صورة عن الواقع السياسي في الجزائر، دون ان تغامر بخسارة قارئها بسبب الافكار الثقيلة التي تطرحها، اذ تنجح في ابقائه مشدوداً بحبكتها المشوقة، وحيوية علاقات الحب التي تزهر داخلها
“كان السيد رانك يتحدث لقناة اوروبية، بوجه ممتلئ، حليق، واثق، مطمئن تنبعث منه نظرات علية: كنت اكدت على حريتي المطلقة لكي استطيع اجراء اي لقاء اقدّر انه ضروري. وطلبت حماية شاملة من الدولة لكل النساء والرجال الذين قابلتهم اثناء زيارتي، وخاصة بعد انتهائها. وعليه، فانا مصدوم جداً وحزين لهذا الحادث”.
تتناول الرواية اذاً مسالة سياسية، هي الحركة اليسارية في الجزائر، والتحديات التي تواجهها، وغياب العدالة، في ظل سيطرة اجهزة الامن والاستعلامات، ورغم ان هذا الموضوع ثقيلٌ على عملٍ ادبي، لكن الكاتب اختار حبكة بوليسية ليقدم من خلالها هذه الافكار، وضفرها بعلاقات انسانية مشرقة، وجمع ذلك كله بلغةٍ ادبية عالية، فخرج من فخ المباشرة اولاً، ومن فخ التوثيق ثانياً خاصة انه اعتمد على حادثة حقيقية لكنه البسها لبوس الخيال، خالقاً علاقات شخصية بين الاطراف ذات الصلة بالقضية، ليعبّر من خلالها عن خطاب المؤسسات التي تنتمي اليها كالاعلام والاجهزة الامنية…
تكون المفاجاة التي يفجرها السرد اتهام شاب مثلي كان على علاقة جنسية مع “المروري” بجريمة القتل، فيقبض عليه ويتم التحقيق معه.
في هذه الاثناء يقابل الصحافي رستم مجموعة من الناس المحيطين بالشخصيتين: والد المتهم، واحدٌ من اصدقائه المثليي الجنس، ضابط مخابرات، زوجة المقتول… محاولاً جمع معلومات قد تكون مفيدة ليصل هو الى قناعة خاصة به بعيداً عما تحاول المحكمة الايحاء به ان وراء القتل اسباباً عاطفية.
“كان الرئيس طلب الى المتهم، بعد سماع اعترافاته، ان يؤكدها او ينفيها. “هي اقوالي فعلاً. لكنها انتزعت مني قسراً في مقر محافظة الشرطة. لقد اساءوا معاملتي ومنعوا النوم عني، وجوّعوني”. قال، غارق الراس في ما خلته دلواً من الصمغ. ثم رفع راسه نحو المنصة: “خلال استنطاقي كنت اجيب عن كل ما يطلب اليّ تحت الاكراه”. وبتشفع: “لكني اليوم اقول اني بريء مما نسب الي”.
تترافق محاولات الراوي للبحث عن اسباب القتل مع اكتشافات جديدة في الصور التي حصل عليها بطرق مختلفة. يحاول تحليل كل ما اصبح بين يديه للاجابة عن سؤال: ما هي حقيقة ما حصل فعلاً؟ وهل مقتل “اسعد المروري” كان سببه علاقة مثلية مع طالبه، ام انه اغتيال سياسي؟
تقدم الرواية صورة عن واقع الاحزاب السياسية في الجزائر، وعن تعثر عملية الوصول الى مجتمع ديمقراطي يتمتع افراده بحرية التعبير، وعن غياب العدالة في المجتمع، دون ان تغامر بخسارة قارئها مقابل الافكار الثقيلة التي تطرحها، اذ تنجح في ابقائه مشدوداً بحبكتها المشوقة، وحيوية علاقات الحب التي تزهر داخلها.
الحبيب السائح، كاتب وروائي جزائري. له عدة مجموعات قصصية، وتسع روايات، من ابرزها: “زمن النمرود”، “تلك المحبة”، “الموت في وهران”، “كولونيل الزبربر”. ترجمت معظم رواياته الى اللغة الفرنسية. هو حائز على جائزة الرواية الجزائرية سنة 2003، وينشر في العديد من الصحف العربية.“من قتل اسعد المروري”… رواية سياسية بنكهة بوليسية
