اخبار اليوم الصحيفة, عبدالعزيز المقالح يواجه اخبار اليوم الصحيفة, عبدالعزيز المقالح يواجه
اذا كان لي ان اطلق على قصيدة الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح توصيفاً ملائماً فيمكنني ان اقول انها قصيدة البوح الداخلي والشجن العاطفي والانهمام بالحياة. وهذه ليست السمة على عمله الاخير فحسب بل على كل اعماله الشعرية منذ باكورته «لا بد من صنعاء»، مروراً بـ «عودة وضاح اليمن»، ووصولاً الى احدث اعماله. ثمة شعر يتصل دائماً بالقلب ويصدر عن الشغاف ويحفر في الاماكن اللصيقة بذات الشاعر واماكنه الاولى وفراديسه المفقودة، ويعبر في الوقت نفسه عن هواجس شعبه وقضايا وطنه وامته وعالمه الاوسع.
ومع ان المكان، بشقيه الريفي والمديني، يشكل ارضاً خصبة للغة الشاعر وصوره ومخيلته فانّ الانسان في كفاحه الملحمي ضد البؤس والقهر والموت يظل قبلة انظار المقالح ومحور انشغالاته ومحل عنايته واهتمامه. واذا كان كثيرون من المثقفين العرب اعتبروا صاحب «الساعة السليمانية» احد بوابات اليمن واحد ابرز عناوينه الثقافية والانسانية فلم يقتصر ذلك على الجانب العملي والسلوكي، بل ان شعره بدا المعادل الابداعي لحياته بحيث افرد لاصدقائه الاثيرين مجموعة شعرية متميزة هي «كتاب الاصدقاء»، وافرد للريف الذي انتمى اليه وشغف بسحر طبيعته «كتاب القرية»، ولصنعاء التي تاخى مع شوارعها وزخارف ابنيتها اهدى «كتاب صنعاء».
وكان شعره يقيم دائماً في الجوانب الاكثر خفوتاً وحميمية من الاشياء، مبتعداً عن التانق الزائد والانشاد التطريبي، من دون ان يتخلى عن غنائيته الموجعة والمبقعة بحروق النفس او بشهوتها للجمال والحب.
حفر داخلي
في عمله الاخير «الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة» تتجه قصائد عبد العزيز المقالح الى المزيد من الخفوت والحفر الداخلي والتحلق حول بؤرة المعنى.
ومع ان الديوان يصدر في ظل انشطار اليمن وتذابح بنيه ووصول ماساته الى ذروتها فاننا لا نعثر على اثر يذكر لمناخات التفجع والقتل والدم والتهويل اللفظي. كان الشاعر لا يريد ان يرد على عنف الواقع بعنف اللغة ولا على ضراوة الحرب بضراوة الخطاب الشعري، بل ينسحب من كل ذلك الى داخل نفسه المشظاة ويحاول عبر ترجيعات الماضي وتجليات الاماكن الاولى ان ينقذ عبر الشعر ما يمكن انقاذه من نثار الفراديس وقصاصات الهناءة المتوارية. واذا كان المكتوب يقرا من عنوانه، على ما يعتقد بعضهم، فان عنوان الكتاب يعبر خير تعبير عن محتواه. فالشمس، بما هي مصدر للطاقة والنور وديمومة الحياة، لا تكتفي باضاءة صنعاء واجلاء الظلام عن ملامحها بل هي تستمرئ الجلوس في احيائها القديمة واحتساء السعادة مضمخة بنكهة البن اليمني وروائحه النفادة.
لا يعود المكان هنا مجرد جغرافيا طبيعية ذات خصائص وسمات محددة، بل يكتسب عبر ساكنيه والحيوات التي تعاقبت فوقه واحتضنها ترابه جمالات ليست له في الاصل ودلالات اقرب الى السحر منها الى الواقع الموضوعي. وكما اعتبر بدر شاكر السياب ان شمس العراق وظلامه اجمل منهما في اي بقعة اخرى من العالم، يذهب المقالح من جهته الى اخراج البن الصنعاني من صفاته العادية المعروفه ليربطه بروح المكان وطقوسه وتجلياته. فلك ان تشرب قهوتك في اي ركن من الارض «لكنك لن تتذوق فنجاناً اشهى من فنجان صنعاني ياخذ شكل بخار الغيمةِ وهي تبلل جفن صباحٍ يفتح عينيه الخضراوينِ على جبل تكسو عرْي حجارته اشجار البنْ لن تقرا فنجاناً احلى من فنجان ترشفهُ في شرفة دار باذخة الافياءِ قبالة غيم يرسم بالابيض والازرقِ مقهىً تتوقف فيه الشمس لتشرب قهوتها».
يتقاسم المكان والزمان دورَي البطولة في المجموعة الجديدة، كما في الكثير من اعمال الشاعر الذي لا يكف عن استعادة اساطير بلاده وتاريخها الحافل بالمنعطفات والاحداث الكبرى، كازدهار مملكة سبا وانهيار سد مارب وبطولات سيف بن ذي يزن وماساة وضاح اليمن، وصولاً الى التاريخ الحديث. على ان التاريخ ورموزه يتراجعان في العمل الجديد ليحل محلهما انكفاء الى الذات في مكابداتها الصعبة، او احتفاء بالمكان الموزع بين احشاء المدينة المغضية على اوجاعها، وبين الطبيعة الريفية في تمظهراتها الجميلة والاسرة. ومع ان الشاعر يعلن في احدى مقطوعاته « كل ممالكنا الارضية خاوية»، الا انه سرعان ما تشده اماكن طفولته الريفية التي يرى فيها انعكاساً لفراديس حياته المفقودة «خذوني بعيداً الى قرية لا تنام حكاياتها حيث للماء ضوءٌ وللورد صوتٌ وحيث الاغاني تشق شغاف القلوب بلا الةٍ حيث ينحدر الماء في شغف من اعالي الجبال». وهذا الافتتان بالطبيعة ينعكس في اكثر من قصيدة ومقطوعة، وتتحول النصوص الى لوحات ورسوم زاخرة بالالوان ومطلة على صيف البلاد كما على شتائها، على رخائها الغابر كما على شقائها المقيم.
ومع ذلك فلم تعد الطبيعة التي افتتن بها الشاعر بمناى عن فساد البشر وضغائنهم واحقادهم. فالشتاء الذي كان يشكل من غيومه المتناثرة او الملبدة لوحات ومنمنمات طبيعية يعجز عن محاكاتها امهر الرسامين بات الان ذئباً شرساً ذا وجه داكن. والسحب التي تختال فوق صنعاء لا تكاد تنجو من انين الرصاص ورجْع المدافع، لولا انها تحسن مراوغة البشر وتتشكل في غير صورة وشكل.
رثاء وشجن
ثمة في المجموعة نزوع واضح الى الحزن وشجن النفس ورثاء الحياة المنقضية، وبخاصة في مرثية الام الراحلة التي تضرب على وتر الفقد وتتحول مقاطعها الى دوران على الذات المثلومة ينتهي دائماً بصورة من صور الامومة الغاربة. وهو ما ينعكس في قصائد «الملاك يرحل عن بيتنا»، و «مرثية لزمن الورد»، وثلاثة فصول من سيرة النهر اليابس»، حيث تلبس الام لبوس الطبيعة، والعكس صحيح بالطبع، وحيث غاضت المياه ولم تعد تجري الا في ذاكرة الام المحتشدة بالتضرعات.
وما نقص من يوتوبيا الطبيعة اليمنية النادرة في تضاريسها وتشكلها المتغاير يكمله الشاعر بالاحلام والتهيؤات، فيتمنى لو كان لديه بيت على البحر مبني من خشب الابنوس ومفتوح على اللانهاية.
وفيما يسرف في قصيدته «بيت في الريف» في رسم تفاصيل منزله الريفي واروقته وحديقته الوارفة وفضائه الباهر، يفاجئنا في نهاية القصيدة بان كل ما تحدث عنه كان من بنات خياله المجرد ويخاطبنا قائلاً: «هل صدقتم يا احبابي اني املك بيتاً في الريف… ذلك حلمٌ عذبٌ راودني منذ هبوط الشعر على قلبي الاعمى فارتدّ بصيراً». وعلى رغم انّ ذات الشاعر في هذه المجموعة تفصح عن مكابداتها او مباهجها من دون حاجة الى قناع تستتر خلفه او تتماهى معه، فان صاحب «ابجدية الروح»، يستعير خيبة قلقامش السومري وصوته ورؤياه ليكشف عن انياب الوحوش الخارجة من عباءة الانسان، وعن الدماء التي تراق بغزارة في بغداد ودمشق وسائر بلاد العرب.
واذ يرى المقالح في الشعر عزاءه وملاذه وترياقه الشافي في هذا العالم المثخن بالحروب والاوبئة والاحقاد، يتمنى في المقابل ان نبقي الاوراق على بياضها اذا لم نستطع ان نسوّدها بحبر الكثافة والعمق والايماء اللماح الى المعنى «احلم ان نقرا هذا الواقع ظاهره باطنهُ في كلمات لا تكتب ان نتسلى بالتفتيش المضني عن خيط وهميّ يتسكع فوق فضاء مجهول تتخيله الروح وتعشقهُ عبر سماء تتماهى بين سطورٍ لا توجدْ».
ينحو الشعر في مجموعة عبد العزيز المقالح الجديدة، اخيراً، الى التخفّف من اثقال الشكل وحمولة اللغة الزائدة لكي يتقدم المعنى الى الواجهة من دون عوائق. وقد اختار لقصائده من الاوزان ما يعفيها من الارهاق ويحررها من التعقيد، لكي تنساب برشاقة الماء في سياقها التلقائي. وهو ما يفسر ايثاره للمتدارك على سواه، بوصفه البحر الذي يماشي حاجة النفس الى البوح العفوي واللغة الى البساطة والايقاع الى التدفق الحرّ.
كما ان القافية تغيب في اكثر القصائد ولا تحضر الا في نهاية المقاطع، لكي لا تعيق دينامية النص وتَتابع خلجات الروح وتوالد الصور والمعاني. واذ تبدو الصور من ناحية اخرى غير متكلفة ومنسجمة مع مقتضيات الحالة او المعنى، تعتمد في بعض وجوهها على المفارقة غير المتوقعة، كقول الشاعر» انقذيني فقد طفح الحزن واختلّ وزن الزمان». وتنحو بفعل النضج وتخمر التجربة الى ما يشبه القول الماثور او الحكمة السائرة، من مثل «ما اوسع قلب البحر وما اضيق قلب الانسان»، او «لا ساعة في كفّ العصفور فكيف تعلّم ان يصحو بعد رحيل الليل».عبدالعزيز المقالح يواجه قبح الواقع بالشعر
