اخبار اليوم الصحيفة, للونِ ريشةٌ… للحرف اخبار اليوم الصحيفة, للونِ ريشةٌ… للحرف
الصورة هي محاولتنا تجميد الزمان…
الكلمة هي محاولتنا تحريك المكان…
وفي النقطة التي التقى فيها «الزمن المتجمد» والمكان المتحرك» ولد الفردوس.
٭ ٭ ٭
لماذا نصور؟
لماذا نكتب؟
لاننا نريد – باللون والحرف – ان نسترجع المكان الاول او الفردوس المفقود الذي خرجنا منه بخطيئة، ثم بدانا – مع الصورة والكلمة – رحلة العودة اليه، الى حيث الشجرة التي اكل منها ابوانا القديمان.
٭ ٭ ٭
ما القصيدة واللوحة والسيمفونية الا محاولاتنا المتعثرة في سبيل العودة الى الجنة.
٭ ٭ ٭
منذ خروجنا من وطننا الاول (الفردوس) ونحن نحِنُّ اليه، نبحث عنه تارة في القصيدة، نراه تارة اخرى في الصورة، وثالثة في النغمة، ورابعة وخامسة وسادسة نتخيله في جزيرة معزولة او صحراء منقطعة، او بحر غامض.
واذا كان خروجنا من «الفردوس» بسبب «خطيئة» فان محاولاتنا في العودة اليه تاخذ شكل «التطهر» اننا نغسل ارواحنا في الالوان والحروف، من اجل ان نتهيا للعودة الى الفردوس «طاهرين» كما نحن عندما كنا نعيش فيه حياتنا الاولى.
٭ ٭ ٭
الابداع، ما هو الا ذلك الحنين الازلي فينا للمكان الاول، للحبيب الاول، للقُبلة الاولى، للحرف الاول، والقصيدة التي ولدنا فيها اول مرة في قماط اللغة، التي اتخذنا مجازاتها وسيلتنا للعودة الى فردوسنا السماوي، الذي فقدناه بسبب رغبتنا في الخلود، ثم خرجنا منه لننحت اسماءنا على القصائد واللوحات والتماثيل والسمفونيات الخالدة.
انه المكان…
المكان الذي كتبنا عنه اجمل القصائد، ورسمنا في سبيل استحضاره اجمل اللوحات، واخترعنا له الاساطير، وسافرنا لاجله في كل الاتجاهات، وعندما لم نجده في اليوتوبيا التي بناها افلاطون، والصحراء التي هام بها صعاليك شعراء العرب، ولا في الجزيرة التي شكَّلها ابنُ طفيل، او الفردوس الذي ابدعه ميلتون، والاسطورة التي نسجها كافكا والجبال التي حج اليها كويلو، والغابة التي عاشها ماركيز، واللوحة التي رسمها بيكاسو…
عندما لم نجده في كل الاماكن التي زرناها لجانا الى الحروف والالوان والنوتات، لنعيد صياغة ملامح ذلك المكان مرة اخرى، في سبيل ان نحصل على صورة قريبة منه، نتهيا بها لدخول فردوسنا الضائع، الذي تعيش ارواحنا على ذكراه، بعد ان تم حبسها في سجنها الجسدي الذي تسعى كل لحظة للتحرر منه، من اجل العودة مرة اخرى الى مكانها السماوي الخالد.
واذا كان لافلاطون يوتوبياه وللشعراء الصعاليك صحراؤهم، ولابن طفيل جزيرته، ولملتون فردوسه، وكويلو له جباله وانهاره، ولماركيز غاباته وادغاله فان لكلٍ من: بانوا وسيسيل بالوسينسكي فردوسهم الخاص الذي اخرجاه لنا: صورةً وكلمة.
٭ ٭ ٭
عكست تقنية الاسود والابيض المستعملة في صور هذا الكتاب نوعاً من الغموض اللذيذ، واضفت على المناظر بعداً زمنياً، جعل الصور تبدو اقرب الى بقايا اثار عوالم غابرة، طمرتها الرمال، قبل ان يجلو عنها المصورُ المبدعُ «غبارَ النجوم» لتاتي الشاعرة، لتضفي بالكلمة على الصورة ابعاداً ميتافيزيقية اسطورية، تجعلنا نطلق خيالنا معها الى عوالم سحرية موجودة في الميثولوجيا الدينية القديمة، بكل ما تحويه من سحر ودهشة وغموض.
وقد ساعد الضباب المنتشر في المشهد على حَجْب التفاصيل عن العين، كي يترك المجال للقلب ليملا كل الفراغات، ويغوص في كل التفاصيل، وينطلق مع الخيال، راسماً الاشجار على هيئة ملائكة تمارس «طقوس الصَّمْت» او جِن يهيمون مع الشعراء في الكهوف البعيدة.
٭ ٭ ٭
«سقطرى» في هذا الكتاب لم تعد مكاناً منسوباً لكوكبنا، بل اصبحت فردوساً اخر، ويوتوبيا جديدة، نهرب الى حكايات اشجارها، وهي تتهامس في الاماسي الحالمة، تماماً، كما يفعل العشاق الذين يريدون ان يخبئوا اشواقهم في التجاعيد المرسومة باناقة على جسد شجرة «دم الاخوين».
لقد استطاعت الصورة/الكلمة «انسنة» الجزيرة بكل ما فيها من شجر وحجر ورمل وغيوم، ويبدو ان علاقة غامضة نشات بين «اللون والحرف» من جهة والاشياء داخل الجزيرة من جهة اخرى، علاقة حميمية «حضنت الجبال» بعد ان حولتها الى قلوب كبيرة مليئة بالعشق والحكايات وبدم الاخوين، الشجرة التي رفعت اذرعها لتحتضن السماء في عناق ابدي، لتصبح قصة هذا العناق اسطورة، تشبه اسطورة الدم الذي تدفق من دم «القتيل الاول» الذي نبتت منه هذه الشجرة المقدسة، حسب الاسطورة السوقطرية القديمة.
٭ ٭ ٭
واذا كان المكان هو الفراغ الذي نملؤه بالصورة، وهو العرش الذي تربعت عليه الكلمة، فان سقطرى هي «المخزن الابدي» للالوان، وهي كذلك «الحاضنة الاولى» للاصوات، قبل ان تولد في الكلمات التي استطاعت مع الصور ان تضع «الجنة» اما اعيننا، لنمد ايدينا الى تفاحتها مجدداً، ونمارس «خطيئتنا الاولى» مرة اخرى، لكنها هذه المرة «خطيئة الابداع» الذي يطهر ارواحنا، ويؤهلنا للعودة للفردوس الحقيقي، محلقين في بانوراما من الالوان والاصوات والصور والكلمات التي تقودنا الى ابواب السماء.
٭ ٭ ٭
وهل السماء الا سقطرى، وهل الفردوس الا تلك البراري التي هام فيها الانبياء القدامى والجبال التي انعزلت فيها «الهة الاغريق» والكهوف التي اختبا فيها الجن، ليكتبوا الشعر ويرسموا اللوحات؟!
٭ ٭ ٭
اننا انما نرسم ونكتب، لنستحضر فردوسنا المفقود، وما قصيدة الشاعر ولوحة الفنان وصورة الفوتوغرافي ونوتة الموسيقار الا ادوات رحلتنا الطويلة الى ذلك المكان. نفعل ذلك، لان اللون هو الصورة التي التقطت اخر مرة لهذا الفردوس، فهي خريطة طريقنا اليه، ولان الحرف هو الكلمة التي ارسلها الفردوس الينا، لتكون دليلنا في هذا الطريق الذي يمر عبر وديان وجبال ورمال وبحار وجداول واشجار سقطرى، والذي ينتهي بنا الى اللانهاية، واللانهاية هي سقطرى، هي الفردوس الذي نرى – ونحن ندخل بابه – شجرة دم الاخوين على مدخله، ثم نرى اخوين اخرَين غامضين، يلتحفان الغيوم، ويبتسمان لنا، ونحن ندخل، احدهما يمسك بالكاميرا، والاخرى تغمس قلمها في دم الشجرة المقدسة وتكتب.
تحية لبانوا وسيسيل، حارسي فردوسنا الذي وجدناه معهما: صورة وكلمة.
باريس – 26 يوليو 2023
المصدر: القدس العربيللونِ ريشةٌ… للحرف جناح: «رحلة سيسيل بالوسينسكي الى جزيرة سقطرى اليمنية»
