اخبار اليوم الصحيفة, انترنت الاجسام.. تكنولوجيا اخبار اليوم الصحيفة, انترنت الاجسام.. تكنولوجيا
من المتوقع ان ينمو سوق “انترنت الاشياء” (IoT) العالمي في مجال الرعاية الصحية الى 446.52 مليار دولار بحلول عام 2028، وذلك حسب ما ذكرت منصة “فورتشن بيزنس انسايتس” (Fortune Business Insights) مؤخرا.
ويعتبر “انترنت الاجسام” (Internet of Bodies) جزءا لا يتجزا من انترنت الاشياء؛ وساعد على نشوء وتطور هذا المصطلح الجديد وجود العديد من الاجهزة المعدة خصيصا للجسد البشري مثل الاجهزة المستخدمة في رصد اللياقة البدنية كساعات اليد، واجهزة رصد دقات القلب، واجهزة قياس ضغط الدم، والرقاقات الدقيقة المزروعة في الجسم لمراقبة عمل الجهاز الهضمي، واجهزة تحفيز الدماغ، وغيرها الكثير من الادوات والاجهزة المصممة خصيصا لمراقبة حركة الجسد البشري وادائه، الذي يتم التعامل معه على انه نظام حاسوبي قابل للمراقبة واعادة البرمجة.
وانترنت الاجسام -بتعريف يسير له- هو الربط بين الاجهزة الموجودة داخل جسد الانسان وحوله عبر توفير اتصال امن بينهما، وهذا الاتصال ينقل معلومات وبيانات بالغة الاهمية عن حالة الجسد البشري وصحته الحالية والمستقبلية، مما يسهم في علاج كثير من الامراض او التنبؤ بحدوثها قبل وقوعها، اضافة الى متابعة الحالات المرضية وتشخيصها بشكل فوري وبدقة متناهية، وذلك كما ذكرت منصة “اي او تي فور اول” (IOT for all) مؤخرا.
ويمكن ان تساعد هذه السيول المتدفقة من البيانات عن كل شيء -بدءا من الانظمة الغذائية الى التفاعلات الاجتماعية- في تحسين الرعاية الصحية الوقائية، وزيادة انتاجية الموظفين، وتشجيع الاشخاص على ان يصبحوا مشاركين نشطين في الحفاظ على صحتهم وصحة مجتمعهم.
ويمكن للبنكرياس الاصطناعي، مثلا، ان يقوم باتمتة وتنظيم جرعات الانسولين لمرضى السكري كما يمكن ان تعطي “واجهات الدماغ الحاسوبية” (Brain-computer interfaces) مبتوري الاطراف القدرة على التحكم بالاطراف الاصطناعية عن طريق اذهانهم، ويمكن ان تنبه الحفاضات الذكية الاباء عبر تطبيق خاص عندما يحتاج طفلهم الصغير الى التغيير.
ولكن على الرغم من قدرتها على احداث ثورة في كل شيء تقريبا في تحسين حياتنا وصحتنا وطرق عيشنا، فان انترنت الاجسام يمكن ان يعرض معلوماتنا الشخصية الاكثر خصوصية للخطر، بل يمكن ان يهدد حياتنا نفسها بالموت.
الغرب المتوحش
وكشفت دراسة -اجرتها مؤسسة “راند” (RAND) مؤخرا- ان هذا النوع من التكنولوجيا لديه القدرة على تحسين حياة البشر بطرق لا حصر لها، ولكنه يحتوي على مخاطر عديدة ايضا حيث نادت الدراسة بضرورة وجود سياسات وتشريعات قانونية حازمة تنظم عمل هذه التقنية، حتى تعظم من الجانب الايجابي وتخفف من المخاطر والسلبيات التي يمكن ان تحدثها.
وقالت ماري لي، عالمة الرياضيات في المؤسسة والمؤلفة الرئيسية للدراسة، “عندما يتعلق الامر بتنظيم عمل انترنت الاجسام والامكانيات التي يمتلكها، فانه الغرب المتوحش”.
واضافت “هناك العديد من الفوائد لهذه التقنيات التي يعتبرها البعض اعظم من ان يتم ابطاؤها بسبب السياسة، ولكننا نحتاج الى اجراء مناقشة اكبر حول تكلفة هذه الفوائد، وكيف يمكننا تجنب بعض المخاطر تماما”.
واوضحت المؤلفة الرئيسية للدراسة “يتم جمع كميات هائلة من البيانات، واللوائح الخاصة بهذه البيانات غامضة حقا.. ليس هناك الكثير من الوضوح حول من يملك هذه البيانات، وكيف يتم استخدامها، وحتى لمن يمكن بيعها”.
درست عالمة الرياضيات ماري لي وزملاؤها المخاطر التي يمكن ان تشكلها اجهزة انترنت الاشياء عبر 3 مجالات هي: خصوصية البيانات، والامن السيبراني، والاخلاق.
خصوصية البيانات
اجهزة انترنت الاجسام المستخدمة بالفعل -والتي لا تزال قيد التطوير- يمكنها تتبع وتسجيل وتخزين اماكن وجود المستخدمين ووظائفهم الجسدية، وما يرونه ويسمعونه وحتى ما يفكرون فيه، وحسب الباحثين في مؤسسة راند فان هناك العديد من الاسئلة التي لم يتم حلها حول من يمتلك سلطة الوصول الى هذه البيانات، وكيف يمكنهم استخدامها.
ويمكن ان تشكل عملية جمع البيانات خطرا كامنا على الخصوصية، وذلك اعتمادا على ما يتم جمعه، وعدد المرات التي تم جمعها، واذا ما كان المستخدمون قد قدموا موافقة مسبقة على هذه العملية، واذا ما كان يمكنهم بسهولة الغاء الاشتراك او منع الشركات من بيع بياناتهم.
وفي هذا السياق، قالت ماري لي “هناك خليط من اللوائح في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تجعل من غير الواضح مدى امان استخدام هذه الاجهزة.. فلا توجد لوائح وطنية بشان وسطاء البيانات، ولذلك قد يتمكن هؤلاء الوسطاء من بيع معلوماتك الى جهات خارجية، والتي يمكنها بعد ذلك انشاء ملف تعريف لك، بناء على تلك البيانات المباعة”.
وعلى سبيل المثال، يمكن ان توفر اجهزة تنظيم ضربات القلب الحديثة القابلة للزرع معلومات مستمرة حول تقلبات القلب لدى المرضى، وتستطيع هذه الاجهزة ايضا تنظيم معدل ضربات القلب لدى المرضى، ويمكن ان تساعد في علاج قصور القلب، حيث يتم زرع هذه الاجهزة في الصدر باسلاك عازلة تتصل بالقلب، ويقوم جهاز الارسال الموجود في منزل المريض بنقل البيانات لاسلكيا الى الطبيب او المشفى.
ولكن من الممكن استخدام هذه الاجهزة ايضا في التجسس على المريض واستخدام هذه البيانات ضده في المحاكم كما حدث في احدى القضايا الاميركية الشهيرة التي حدثت مع احد مرضى القلب الذي تم اتهامه بحريق منزله طمعا في التامين، ففي تلك الحالة استُخدمت البيانات المستقاة من جهاز تنظيم ضربات القلب المزروع في صدر المتهم لادانته في المحكمة.
المخاطر الامنية
يمكن ان تكون اجهزة انترنت الاجسام عرضة لنفس العيوب الامنية التي تواجهها اجهزة انترنت الاشياء، او اي تقنية اخرى تخزن المعلومات في السحابة، ولكن نظرا لطبيعة اجهزة انترنت الاجسام والبيانات التي تجمعها، فان المخاطر اكبر بكثير، حيث يمكن ان تسمح الثغرات الامنية للاطراف غير المصرح لها بتسريب معلومات خاصة او العبث بالبيانات او منع المستخدمين من الوصول الى حساباتهم.
وفي حالة بعض الاجهزة الطبية المزروعة، يمكن للقراصنة التلاعب بالاجهزة لاحداث اصابات جسدية خطيرة قد تصل الى الموت، كما يعد الامن القومي للدول ايضا مصدرا للقلق، اذ من الممكن من خلال هذه الاجهزة جمع البيانات عن الزعماء وقادة الدول المزروعة هذه الاجهزة في اجسادهم، واستخدامها ضدهم او معرفة اماكن وجودهم بدقة متناهية، تمهيدا لتصفيتهم او استهدافهم بعمليات ارهابية.
كما يمكن للاساور الطبية والساعات وتطبيقات الهواتف الذكية تتبع الخطوات ومعدل ضربات القلب وانماط النوم والبيانات المادية الاخرى، مثل معدل استهلاك الكحول، وتقدم العديد من الاجهزة ايضا تحليلات سهلة الاستخدام، مما يمنح الافراد رؤية اشمل لصحتهم، وقد تساعد المستخدمين في تحديد المشكلات الصحية المحتملة والبحث عنها مسبقا، وتفاديها قبل حدوثها.
ومع ذلك، فان حجم البيانات الشخصية التي تجمعها هذه الاجهزة، ونقاط الضعف الامنية، واحتمال حدوث خطا من جانب المستخدم قد تخلق مشاكل لا يمكن تخيل مدى خطورتها، اذ يمكن للشركات والمتسللين وحتى الخصوم الاجانب استغلال بيانات المستخدمين لتحقيق مكاسب مالية او سياسية.
الحبوب الرقمية
في عام 2017، وافقت “ادارة الغذاء والدواء” (FDA) الاميركية على اول قرص رقمي مزود باجهزة استشعار مدمجة تسجل ان الدواء قد تم تناوله في موعده، ونجحت هذه الحبوب في علاج امراض الفصام والاكتئاب وبعض الاضطرابات النفسية والعصبية الاخرى، وهي حالات يكون فيها التزام المرضى بتناول العلاج في موعده امرا بالغ الاهمية لمنع الانتكاس.
ويمكن للمرضى منح مقدمي الرعاية والاطباء حق الوصول الى هذه المعلومات من خلال بوابة خاصة على شبكة الانترنت، حيث يساعد هذا مقدمي الرعاية الصحية في التاكد من التزام المرضى بخطط العلاج الخاصة بهم، ولكن هذا ياتي على حساب تعريض شبكات مقدمي الرعاية الصحية للقرصنة والهجمات الالكترونية.
كما تساعد البيانات التي تم جمعها بواسطة الحبوب الرقمية شركات التامين على مراقبة مدى التزام المرضى بتناول ادويتهم، ورفض التغطية المالية لاولئك الذين لا يتبعون نظامهم العلاجي الموصوف بدقة.
المخاوف الاخلاقية
تعتبر مخاطر الخصوصية والامان في جوهرها قضايا اخلاقية للافراد الذين يتم اختراق بياناتهم، ولكن انترنت الاجسام يثير المزيد من المخاوف الاخلاقية، بما في ذلك عدم المساواة بين البشر وتهديدات الاستقلالية الشخصية.
وهناك الكثير من الناس الذين لا يملكون تامينا صحيا او حتى القدرة على الوصول الى الانترنت، او لا يملكون المال اللازم لشراء هذه الاجهزة لعلاج انفسهم، وهذا يعني ان فوائد هذه التكنولوجيا ستكون محصورة على الاغنياء من البشر فقط.
وهناك مليارات الدولارات التي يضخها اثرياء مثل رئيس شركة “امازون” (Amazon)، جيف بيزوس، ورئيس شركة تسلا (Tesla)، ايلون ماسك، في شركات ناشئة او لتمويل ابحاث علمية وطبية هدفها “قرصنة” جسم الانسان من خلال التعامل معه على انه نظام حاسوبي يمكن تغيير برمجته، حيث ينظر للامراض المختلفة والهرم وحتى الموت بوصفها خللا يمكن اصلاحه، وربما ستكون نتائج هذه الابحاث والتطبيقات التي تنتج عنها مقتصرة على هؤلاء الاغنياء الذين يسعون لاطالة اعمارهم، وتجديد اجهزتهم البيولوجية كلما تعرضت للتلف في الوقت الذي لا يجد فيه الملايين من البشر ثمن العلاج من امراض سارية او مزمنة طالت معاناتهم منها.
ولان هذه التقنية ما زالت في مهدها، فلا تزال هناك اسئلة اساسية كثيرة حول اذا ما كان الافراد يمتلكون بياناتهم الشخصية او لديهم الحق في الغاء الاشتراك في جمع البيانات او ضمان عدم استخدام هذه البيانات والمعلومات ضدهم في المستقبل، خصوصا من قبل الدول والانظمة الحاكمة وبالذات في الدول الاستبدادية.انترنت الاجسام.. تكنولوجيا تغير كل شيء في حياتنا للافضل او الاسوا
