اخبار اليوم الصحيفة, الافلام المناهضة للحروب.. اخبار اليوم الصحيفة, الافلام المناهضة للحروب..
لا بد ان ايا من عشاق السينما قد شاهد بالتاكيد فيلما حربيا واحدا على الاقل، فالافلام الحربية تعد من اشهر الانواع السينمائية العالمية، اذ ان البشرية التي اعتادت كل بضع سنوات اشعال الحروب وقتل الضحايا، تحب في الوقت ذاته تمجيد هذه الماسي باضفاء صفة البطولة والشجاعة على وقودها من جنود وضباط.
بجانب هذه الافلام الحربية، نجد نوعًا اخر مضادًا له بالكامل، يظهر باستحياء من حيث الكم، ولكن يبرز بقوة من حيث الكيف، وهي الافلام المناهضة للحروب او “Anti-War” التي سنجد نسبة كبيرة منها اخرجها بعض من اهم صناع الافلام، الذين روعتهم الحروب فانعكست في اعمالهم.
وفي ظل حرب جديدة بدات منذ ايام قليلة عندما شنت القوات الروسية هجوما عسكريا على اوكرانيا، دعونا نستدعي بعض الافلام المناهضة للحروب كمراة نحتاجها الان لنتذكر اي اثام ارتكبها الزعماء وتحمل عبئها الشعوب من ملح الارض.
لا يوجد ما هو هادئ على الجبهة
في عام 2019، عند عرض فيلم المخرج سام ميندز بعنوان “1917” ظهرت حقيقة ان نسبة الافلام المصنوعة حول الحرب العالمية الاولى لا تتساوى باي حال مع تلك الخاصة بالحرب العالمية الثانية التي اعتبرها صناع الافلام دائمًا اكثر اثارة ودرامية بزعمائها الكبار، واثارها التي لا تزال باقية، على الرغم من مرور اكثر من 70 عامًا على انتهائها، والخاتمة الدامية بسقوط القنبلة الذرية على اليابان لتسدل الستار على الحرب بالطريقة القديمة، وتشرع الابواب للحرب النووية الخطر الجديد الذي كبل ايدي البشر كل هذه الفترة خوفًا من قنبلة مماثلة هنا او هناك تسبب حربًا عالمية ثالثة قد تقضي على البشرية هذه المرة.
الحرب العالمية الاولى بالتاكيد هي حرب قاسية للغاية، لكن تمحورت بشكل اساسي حول جنود يقبعون في الخنادق على امل النجاة من الرصاص المستمر، او ينتظرون الموت مدفونين في تلك القبور المفتوحة التي حفروها بايديهم.
ولكن في تلك الفترة الفاصلة بين الحربين العالمية الاولى والثانية، ظهرت رواية تحت اسم “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” (All Quiet on the Western Front)، وهي رواية مناهضة للحرب، منشورة عام 1929 عندما توقفت المانيا عن تحسس جراحها، وبدا الحزب النازي في جمع حشوده قبل ان يتزعمه هتلر، وقد بدات ارهاصات الحرب العالمية الثانية تلوح في الافق.
كانت هذه الرواية صرخة تحذير تذكر القراء بالهول القادم الذي مروا بمثله منذ سنوات معدودة، وسريعًا ما تحولت الى فيلم سينمائي عام 1930، اصبح واحدا من اوائل الافلام الكبيرة المناهضة للحروب، وحقق نجاحا تجاريا ونقديا كبيرا في الولايات المتحدة.
ومع ذلك وبسبب موضوع الفيلم ورسائله المناهضة للحرب والمعادية لالمانيا النازية التي تستعد لحرب اخرى، عارض ادولف هتلر والحزب النازي الفيلم، وخلال العرض الالماني الاول له في برلين قام اعضاء الحزب النازي تحت قيادة جوزيف جوبلز بمقاطعة المشاهدة بتفجير قنابل كريهة الرائحة واطلاق الفئران في دور العرض، ومهاجمة اي مشاهد يعارض هذه التصرفات واتهامه بانه يهودي، واغلاق اجهزة العرض، وكانت هذه الحملة النازية ناجحة، وحظرت السلطات الفيلم بعد اسبوع تقريبًا.
لكن هذا الحظر زاد من اهمية الفيلم، واظهره بوصفه وثيقة تبرز حقيقة ما تحضره المانيا النازية للعالم في الخفاء، واصبح “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” اهم افلام العام عندما فاز بجائزة اوسكار افضل فيلم وافضل مخرج التي حصل عليها مخرجه لويس مايلستون.
ستانلي كوبريك مناهض للحرب
لم يحتج ستانلي كوبريك الا 13 فيلما روائيا طويلا فقط ليحتل قائمة افضل المخرجين السينمائيين، وتترك افلامه اثرًا في العديد من صناع الافلام اللاحقين له، وقد تفرد بانه قدم الانواع السينمائية او الافلام النوعية (Genre Films) بشكل لا يضاهى، فاصبحت اعماله القليلة هذه دليلا للمخرجين من بعده.
ولكن بنظرة مدققة اكثر على هذه المسيرة السينمائية، نجد ان اكثر ثيماته تكرارًا هي الافلام المناهضة للحروب، وقد كانت بدايته السينمائية عام 1953 بفيلم “الخوف والرغبة” (Fear and Desire) الذي لم يحدد فيه الزمان او المكان لاحداثه، فهو امر لا يهم بالنسبة لابطاله، وهم مجموعة من الجنود في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لا يعلمون السبب وراءها ولا كيف ستنتهي بهم، ويدخلون في معركة مع جماعة من الجيش المضاد.
لم يحدد المخرج كذلك جنسية اي من الجيشين، او اي حرب هذه، فهذا لا يهم، لان النتيجة في النهاية واحدة، هؤلاء رجال يقتلون بعضهم بعضا دون ان يحملوا اي دافع شخصي وراء ذلك، هم فقط بيادق في لعبة شطرنج عملاقة تحركها ايدي شريرة، وامعن ستانلي كوبريك في تصوير ذلك باستخدام الممثلين انفسهم لتقديم ادوار الجنود في الاتجاهين المتضادين، ففي النهاية الوجوه حتى لا تهم.
عاد كوبريك مرة اخرى للافلام المناهضة للحرب عام 1957 بفيلم “دروب المجد” (Paths of Glory) هذه المرة من بطولة النجم الكبير كيرك دوغلاس، وتدور الاحداث خلال الحرب العالمية الاولى حول الهجوم الانتحاري الذي اجُبر الجنود الفرنسيون على شنه، في مناورة سياسية للقائد الخاص بهم، وعندما فشلوا في الخروج من الخندق نتيجة للنيران المستمرة للعدو الالماني، تم اتهامهم بالخيانة واختيار 3 منهم لمحاكمتهم بشكل علني قبل اعدامهم.
تناول الفيلم تفاصيل هذه المحاكمة الصورية واكباش الفداء الذين تم اختيارهم لاسباب عشوائية تمامًا، والذين في الحقيقية لا يختلفون عن باقي الجنود الذين سيلاقون حتفهم بالتاكيد في هجوم اخر لا يمثل سوى خطوة في دروب مجد القادة المفروشة بدماء الشباب الطاهرة.
وقبل ختام مسيرته السينمائية وفي فيلمه قبل الاخير، انتقد ستانلي كوبريك الحرب الفيتنامية في فيلمه “فول ميتال جاكيت” (Full Metal Jacket)، الذي تناول في نصفه الاول التدريبات القاسية والمعاملة غير الانسانية التي تسود المعسكرات الخاصة بالجنود الجدد في الولايات المتحدة، احتوى الفيلم على العديد من المشاهد الايقونية في هذا النوع من الافلام، سواء في النصف الاول او الثاني الذي دارت احداثه خلال الحرب نفسها.
الانمي المناهض للحروب
الانمي فن ياباني الاصل، تلك البلد التي تضررت من الحرب العالمية الثانية اكثر من اي دولة اخرى، وتمت اعادة بنائها، ولكن ظلت رائحة الدماء المهدرة في هيروشيما وناغازاكي ظاهرة في الكثير من افلامها حتى اليوم، ومن اشهر افلام الانمي المناهضة للحروب “قبر اليراعات” (Grave Of The Fireflies) والذي تدور احداثه في الحرب، عندما فقد اخ مراهق واخته الطفلة والديهما، فاخذا يعيشان بين الاطلال جائعين من دون رعاية ابوية سوى التي يقدمها الاكبر للصغيرة.
يظهر فيلم الرسوم المتحركة بشكل شديد الوضوح والقسوة كيف تؤثر الحروب على اكثر الكائنات طهرًا وبراءة في العالم، فالطفلة الصغيرة الجائعة تُستنزف حياتها يومًا بعد يوم باكثر طرق الموت قسوة، قد لا تفهم لماذا الحرب، لكنها عرفت معنى الموت بسهولة وقد سكن كل شيء حولها منذ وفاة الابوين.
في الختام، صرح المخرج والناقد والمنظر السينمائي فرنسوا تروفو يومًا بانه “لا توجد افلام مناهضة للحروب”، وتم تفسير العبارة بانه حتى هذه الافلام تظهر بطولات الجنود في احلك الظروف بشكل نبيل، لكن يمكن كذلك تطبيق هذا المنطق على الافلام الحربية العادية، التي حتى في ظل تعظيمها للمنجزات العسكرية والحربية تقدم رسالة معادية لخطابها المعلن نفسه، فامام كل جندي يتم ابراز شجاعته هناك عشرات في الفيلم ذاته قتلوا بلا سبب، وبالتالي كما لا توجد افلام مناهضة للحروب، فلا يوجد افلام حربية ليست مناهضة للحروب.الافلام المناهضة للحروب.. صرخة صناع السينما المضادة للعنف
