العالم-سيفقد-اكثر-من-نصف-اللغات-خلال-100-سنة-فقط

العالم سيفقد اكثر من نصف اللغات خلال 100 سنة فقط!

اخبار اليوم الصحيفة, العالم سيفقد اكثر اخبار اليوم الصحيفة, العالم سيفقد اكثر

صيف عام 1930، كان لغوي امريكي يدعى موريس سواديش يبلغ من العمر 21 عامًا يسعى لتسجيل اللغات الامريكية الاصلية في منطقته، والتي تختفي سريعًا دون ملاحظة احد. وفي خضم سباقه مع الزمن قابل بول ودلفين دوكلوكس في بلدة تشارنتون الصغيرة، عضوين في قبيلة صغيرة تسمى شيتيماشا، واخر المتحدثين بلغتهم.
حكى الصديقان عن فترة قبل اتصال امريكا الاصلية باوروبا، وكيف كانوا يحكمون امريكا من الساحل الشرقي للساحل الغربي، وكانوا خبراء صناعة السفن وعلى معرفة دقيقة بالممرات المائية ومتاهاتها، ولكن بمجيء الفرنسيين الى لويزيانا عام 1699 تضاءل عدد افراد القبيلة الى 4 الاف، بسبب عدوى الامراض الاوروبية التي انتشرت بينهم اسرع من انتشار الاوروبيين انفسهم بامريكا.
بعد حربٍ طويلة مع الفرنسيين، انهزم فيها السكان الاصليون لامريكا، وصل عدد اهل القرية عام 1910 الى 69 شخصًا، قال بول: كنت احفظ قصصًا كثيرة عن حربنا من الاوروبيين، نسيت بعضها، ولكني لم انسَ كل شيءٍ بعد، عندما اموت ستموت معي القصص، فانا الوحيد الذي يعرفها. توفي بول بعد ثلاث سنوات، ولم يمض وقت طويل وتوفي دلفين، وماتت لغة قريتهم في صمت، وما كان ليعرفها احد لولا الصدفة.
في ورقة بحثية للجمعية اللغوية المعنية باللغات المهددة بالانقراض اكدت ان العالم يمر بفترة غير مسبوقة من تعرض اللغة للخطر. ويتوقع بعض الخبراء ان نصف لغات العالم سوف تختفي خلال قرن من الزمان، مع مفهوم التحضر والعولمة والاستخدام المتزايد للغات العالمية الرئيسية، مما يقلل من فرص بقاء اللغات الاخرى. وهو ايضًا ما جاء في
عرض لجمعية ال اس اي، الجمعية اللغوية الامريكية للنهوض بالدراسات العلمية للغة.
كم لغة لن نسمع عنها قريبًا؟
وفقًا لاحصاء تم عام 1996، فقد كان على الارض 6993 لغة مستقلة، منهم الف لغة في الامريكتين، و2011 في افريقيا، و255 في اوروبا، و 2165 في اسيا، و1320 في المحيط الهادئ، بما فيه استراليا. هذه الارقام لا يمكننا التسليم الكامل بدقتها، فمن هذه اللغات ما كان على وشك الانقراض لقلة المتحدثين بها، ولصعوبة تحديد الفرق بين اللغة واللهجة؛ ولكن رغم هذا فان معظم علماء اللغة يتفقون على ان هناك اكثر من 5 الاف لغة في العالم، ويعتقدون ايضًا ان هذا العدد سينخفض بمقدار النصف خلال قرن من اليوم.
من خلال بعض التقديرات فان 80% من لغات العالم قد تختفي بنهاية القرن الحالي. وسيتقلّص عددها لبضعة مئات، لان اغلب لغات العالم التي يتحدث بها بضعة الاف او اقل ستترك الساحة للغات مثل الانجليزية والاسبانية والبرتغالية والمندرينية لغة الصين وتايوان وسنغافورة، واللغة الروسية، والاندونيسية والعربية والسواحلية والهندية.
على الرغم من التهديد الذي تواجهه هذه اللغات، وان جميعها يتحدث بها اقليات، الا انها تمثِّل معظم لغات العالم اليوم. فمثلًا قبائل بابوا غينيا الجديدة التي تتحدث وحدها 900 لغة، واكثر من 80% من اللغات الاصلية باستراليا سوف تموت مع الجيل الحالي من السكان الاصليين، و90% من اللغات التي ما زال يحتفظ بها الشعب الاصلي للامريكتين، والاقليات القومية والقبلية في افريقيا واسيا واوقيانوسيا، والذين يتحدثون وحدهم عدة الاف من اللغات المهددة، والشعوب الاوروبية المهمشة مثل الايرلنديين والفريزيين والبروفينسال والباسك.
كيف تنقرض «لغة»؟
من المرجح ان تختفي اللغة المهددة بالانقراض قريبًا، اذا لم تتغير طريقة استخدامها. فلغة مثل الانجليزية يصعب الاستغناء عن استخدامها او استبدالها لاتساع الرقعة التي تتحدث بها في امريكا، وكذلك اللغة الاسبانية التي تسكن قارّتين. ولكن اقتصرت لغات عديدة على الكبار فقط، في حين لم تصل لاطفالهم واحفادهم، ولهذا ستموت هذه اللغة بموت متحدثيها الكبار، ووقتها ستنقرض ولن ينطقها او يعرفها احد وكانها لم توجد من الاساس.
اللغة غير الكثير من الاشياء التي تموت بيننا، فاللغة لا تموت، بل تحل محلها -فجاة- لغات اخرى. فقد تطورت اليونانية القديمة ببطء الى اليونانية الحديثة، واللاتينية تطورت ببطء الى الايطالية الحديثة والاسبانية والفرنسية والرومانية، وغيرها من اللغات، بالضبط كما اختفت الانجليزية الوسطى، لغة الشعر والادباء، وجدَّت علينا الانجليزية الحديثة.
الابادة الجماعية بمعناها المادي، هي واحدة من اسباب انقراض لغة ما، فعلى سبيل المثال، عندما غزا الاوربيون تسمانيا في اوائل القرن 19، توفي عدد غير معروف من اللغات مع شعبها. ومن ناحية اخرى فقد تنقرض لغة شعب وجد نفسه تحت ضغط للاندماج مع شعبٍ اقوى واكبر. واحيانًا يتعلم افراد الشعب لغة ثانية غريبة بالاضافة للغتهم الخاصة بهم، وهو ما حدث في غرينلاند، وهي مقاطعة بالدنمارك، والتي تعلم افرادها الكالاليسوت جنبًا الى الدنماركية، حتى تخلوا عن الاخيرة.
ولكن هل يمكن قتل لغة يتحدثها اصحابها عنوة؟ حدث هذا كثيرًا، عند الضغط على مجموعة لتتخلى عن هويتها العرقية والثقافية وحتى لغتها؛ وهو ما حدث للاكراد الاثنين في تركيا، بعد ما حظر القانون الكتابة او الطباعة او تعليم لغتهم الرسمية بالمدارس.
الكاميرون.. لكل حفنة مواطنين لغة
وفي مثل حالة الكاميرون فهي واحدة من اكثر الدول تنوعًا لغويًا في العالم. فحوالي 300 لغة يتحدث بها ما يقرب من 20 مليون شخص. وتشمل هذه اللغات الاستعمارية مثل الانجليزية والفرنسية، فضلًا عن مئات اللغات المحلية المتمركزة في الجنوب، ففي مساحة حوالي 100 كيلومتر مربع، تقريبًا حجم مدينة باريس، يتحدث 12 الف شخص 9 لغات محلية.
ووجدت دراسة استقصائية اجراها انجياشي ايسن اغوارا، احد المتعاونين الكاميرونيين، انه لا توجد لغة احادية في الجنوب للتفاهم، فيمكن للشخص البالغ ان يتكلم او يفهم ما بين خمس الى ست لغات مختلفة. ويتم تعلم معظمهم دون اي تعليم رسمي ويتم اكتسابهم من خلال العلاقات الاسرية او الصداقات او العمل.
في حالة الكاميرون لقد تم التحقيق في ما يحفز الناس على ان تصبح متعددة اللغات في القطب السفلي، وكانت النتيجة المذهلة هي ان اللغات لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهويات «العميقة» مثل الانتماء العرقي؛ وهو ما يخالف التقليد السائد، ففي بلد مثل فرنسا، التحدث باللغة الفرنسية هو جزء لا يتجزا من ما يعني ان تكون فرنسيًّا.
اذا اتضح لك ان اللغة ليست مهمة بالكاميرون، فهذا ليس سهلًا ابدًا، لانه في وقت قد يكلفك حياتك. فعن رواية يحكيها اهل قرية مبوك، فان رجلًا من خارج القرية تعرض للغرق، وظن انه اذا استغاث بلغة اهل القرية سياتي احدهم لينقذه، ولكن ما حدث هو ان الموبوكيون لم يفهموا سبب الاستغاثة الا عندما راوه يغرق عميقًا، وبعد ما انقذوه اعتقدوا انه لو كان استغاث باللغة الانجليزية كان احتمال انقاذه فوريًا سيكون مضاعفًا نسبته.
كيف تضمن لغة مستقبلها؟
وفق دراسة حديثة، فانه من اصل مئات اللغات التي كانت مستخدمة في امريكا الشمالية، بقي منها 194 لغة فقط. ومن بينهم 33 لغة يتحدث بها الكبار والاطفال على السواء، و34 لغة اخرى يتحدث بها الكبار وعدد قليل من الاطفال، و73 لغة يتحدث بها الكبار فوق 50 عامًا، و49 لغة يتحدث بها عدد قليل معظمهم اكثر من 70 عامًا، و5 لغات في طريقهم للانقراض وانت تقرا هذا التقرير.
وتؤكد الدراسة ان اللغات التي لا تنتقل الى الاطفال من المحتمل ان تنقرض. ففي الواقع هناك 33 لغة فقط تبدو امنة، والمعظم مهدد لان متكلميها يعيشون بالقرب من مجتمعات اخرى يتحدث فيها الاطفال الانجليزية؛ فيشعر الجيل الصغير خاصة بالضغط المباشر عن طريق التليفزيون والافلام والتي في كثير من الاحيان ترسل مضمونًا يثنيهم عن الحفاظ على قيمهم وثقافتهم، وتدعو المراهقين والشباب للانضمام الى عالم براق واقتصاده ضخم ومتحرر لا يمت لواقع مجتمعهم الاصلي وتقاليده بصلة.
ماذا يعني انقراض اللغة للمجتمع وكيف نلمس غيابها؟
عندما يفقد المجتمع لغته، فانه يفقد في الغالب جزءًا كبيرًا من هويته الثقافية معها. وعلى الرغم من ان فقدان اللغة قد يكون طوعيًا او غير طوعي، فانه ينطوي دائمًا على ضغط من نوع ما، يتبعه فقدانًا للهوية الاجتماعية وتلويحًا بالضعف والهزيمة لفترة ليست قصيرة.
هذا لا يعني انه بالضرورة ستفقد المجموعة هويتها الاجتماعية بفقدان لغتها، فعلى سبيل المثال، فقد كل من تشوماش في كاليفورنيا، ومانكس في جزيرة مان، لغاتهم الام، ولكن احتفظت المجموعتان بهويتهم. ولكن هذا لا يمنع قوة اللغة باعتبارها رمزًا للهوية الاجتماعية.
نحن نعبر عن الكثير من حياتنا الثقافية والروحانية والفكرية من خلال لغتنا، في الصلوات، والخرافات، والطقوس، والشعر، والخطابة، والنكت، وتعبيرات عن الحب، والتحيات اليومية بالصباح والمساء، واللغة المكتوبة على الصحف اليومية، وما يدرسه اطفالنا في المدارس. فعند فقدان لغتنا، يجب اعادة صياغة كل هذا في اللغة الجديدة، مع كلمات مختلفة، ونغمات حروف مختلفة، وقواعد نحوية جديدة. لذا عادة من يفقد لغته يفقد معها تقاليده بشكل مفاجئ وسط صعوبة الانتقال بها وتحويلها ثم الحفاظ على شكلها الجديد، ويستبدلها بثقافة اصحاب اللغة الاقوى، وهذا السبب من اسباب اخرى كثيرة للتدليل على اهمية بقاء اللغة حية للبقاء على المجتمع نفسه.
من ناحية اخرى، فان الشعب يحفظ تاريخه بلغته، والذي يختفي باختفاء لغته، ويختفي معهما جزء كبير من التاريخ المبكر للشعب، كما ان فقدان معظم اللغات البشرية يحد بشدة من قدرة علماء اللغة على ادراك العقل البشري؛ فمن خلال دراسة المشترك بين جميع لغات العالم، يمكننا ما هو ممكن وغير ممكن على لسان البشر، وما قد تفيدنا به نتيجة هذه الدراسة حول العقل البشري، وكيف يمكن للاطفال تعلم تركيبة معقدة كاللغة في وقت قصير وبسهولة، وهو ما لن يحدث اذا قل عدد اللغات.
قصة لغة عادت من الموت
القصة الاكثر دراماتيكية عن احياء لغة مهددة بالانقراض، اراد اصحابها الحفاظ عليها، هي قصة اللغة العبرية الحديثة. فقد اُعيد استخدامها بوصفها لغةً بعد قرون من دراستها في شكلها القديم. وقد حظي الايرلنديون على دعم سياسي ومؤسسي كبير لاستعادة لغتهم الاصلية في ايرلندا، على الرغم من التقدم الذي كانت قد حققته الانجليزية بالفعل. وفي نيوزيلندا اسست جماعة الماوري مدارس ورياض اطفال عمل بها شيوخ وكانت المناهج بالكامل باللغة الماورية، واسموها «كوهانغا ريو» او «اعشاش اللغة».
هناك في هاواي والاسكا، ومناطق اخرى يتم ارساء فكرة «اعشاش اللغة» هذه حتى المدارس الابتدائية، والثانوية في بعض الحالات. وفي كاليفورنيا يتدرب صغار السن على التحدث بلغة جماعات لا يزال يعيش فيها عدد قليل من كبار السن يتحدثون بها. وهناك عدد متزايد من المؤتمرات وحلقات العمل والمنشورات تقدم الان كل الدعم للافراد والهيئات المحلية والمدارس التي تحاول الحفاظ على لغات تراثية.
ولان لغات كثيرة تواجه اليوم خطر الاختفاء، يحاول اللغويون تسجيل اكبر قدر ممكن عنها، فان معارف اللغة لا تختفي معها في نفس الوقت، فيحفظ الباحثون اشرطة فيديو، وتسجيلات صوتية، ووثائق مكتوبة، لطبيعة استخدام شعب للغته في كل من البيئات الرسمية كالدول، او غير الرسمية كالقبائل والاقليات.
هل يمكن انجاب لغة جديدة لتحل محل اللغة التي تموت؟
نعم، فان لغات رسمية وقوية اليوم ظهرت في القرون القليلة الاخيرة، مثل الامريكية. واللغة الوطنية لبابوا غينيا الجديدة وهي «توك بيسين» تكونت من اللغة الانجليزية ممزوجة بلغتين او اكثر. وعلى مدى قرون عديدة نمت لهجات مختلفة للغة واحدة حتى اصبحت اللهجة لغة مميزة وحدها؛ تمامًا كما الهجات اللاتينية التي تحولت للفرنسية والايطالية.
الازمة هنا ليست في احلال لغة محل السابقة، ولكن ان اللغات الجديدة لا تُقارن بالتراث اللغوي الذي تم فقدانه. فلقد تطورت الاف اللغات التي يتحدث بها العالم اليوم على مدار التاريخ البشري؛ وتم فصل كل لغة عن الاخرى من قبل 5 الاف سنة على الاقل قام كل شعب فيها على تنمية لغته، والبعض اخذ الوقت منهم اكثر من ذلك. واذا كانت اللغة الانجليزية تسعى لتصبح اللغة الوحيدة على وجه الارض، فان الامر سيستغرق عشرات الالاف من السنين لينتج كل مجتمع من البداية تراثه الخاص الذي يضمن اختلافه -على افتراض توافر ظروف تسمح بالتنوع- وحتى تحقق هذا او عدمه، فان التنوع الذي يتميز به كل مجتمع لا يمكن الاستغناء عنه.العالم سيفقد اكثر من نصف اللغات خلال 100 سنة فقط!

Scroll to Top