اخبار اليوم الصحيفة, ?امي وماجدة الرومي اخبار اليوم الصحيفة, ?امي وماجدة الرومي
في طفولتي لم انم وانا استمع لحكايا، وقصص سندباد وعلاء الدين والمارد، وذات الرداء الاحمر.
فقط نمت لالاف الليالي على صوت امي تغني « انا عم بحلم»، ومازلت احلم…
لم تكن ماجدة الرومي مجرد مغنية عابرة في بيتنا، وبالرغم من انها كانت تزاحم فيروز على قلب والدتي التي ظلت مرتبطة بها في ذاكرة جميع الاهل والاصدقاء، وفي احد الاعياد، وانا طفل ازور اقاربي اشار احدهم بيده نحو التلفزيون، وهو يقول جاءت والدتك، وكانت فيروز تحتل الشاشة.
في ذلك الوقت كان انتشار الاغنية اللبنانية في الخليج العربي محدودا وضيقا، بسبب انغلاق هذه المجتمعات على نفسها، لكن هناك اصوات استطاعت ان تخترق هذه البيئة منها صباح وفيروز، وفيما بعد ماجدة التي صادقت امي صوتها مع « ماحدا بيعبي مطرحك بقلبي «، ونشرت بين المحيطين بها تلك الثقافة، واللهجة اللبنانية الغريبة عنهم.
بالتاكيد لا مجال للمقارنة بين فيروز واي مغنية اخرى، وان كانت خارجة من رحم التجربة الرحبانية، لكن كما القمة تتسع لاكثر من شخص كذلك القلوب، وقد تكون ماجدة معبرة اكثر في نساء جيلها مع الاثر الذي تركته اغنيات مثل لانك عيني، كلمات، والجريدة، وكن صديقي.
في بداية التسعينيات جاءت ماجدة الى عُمان حاملة جبال وبحر ووجع لبنان الخارج من حرب اهلية، وانشدت راجع يتعمر لبنان، تلك الاغنية التي شاهدتها مرارا على الشاشة، وحفظتها وهي تعانق الكبير زكي ناصيف، وياكدان بكل ثقة ان لبنان راجع اخضر اكثر مما كان.
كلمات استغرقت بضع سنين لفهم حكايتها.
مازالت امي تذكرني يوم حزنت وبكيت وانا طفل، لانها لم تصطحبني معها لحضور الحفل، وتعتز بالصورة التي جمعتها بالماجدة، والتي التقطت قبل مغادرتها عُمان بساعات قليلة، وتذكر انها تفاجات بشخصيتها الهادئة وطبقة صوتها المنخفضة في الحديث.
كيف لتلك الحنجرة التي تشبه ثورة شعب على المسرح ان تهدئ في الصباح وتبعث السلام؟!.
لم تكن علاقتي بماجدة علاقة طفل بمغنية، بل مع شخص من افراد العائلة صوت يرافقنا في كل مناسباتنا حتى النوم.
كبرنا وبقيت كل تلك الاغنيات في الذاكرة، وحين استمع لبعضها اجدني احفظها بلا وعي، واكتشف انها مختبئة في احدى خانات الذاكرة، وكلما داهمني الحنين خرجت تراقصني.
على الرغم من انها سيدة الاغنية الفصحى، الا انها لم تنفصل يوما عن لبنانيتها، ففي ظل تلك الحرب المجنونة التي شهدها لبنان ظهرت بوجهها الملائكي، وصوتها يعانق كلمات سعيد عقل، وموسيقى الياس الرحباني، في «عم بحلمك يا حلم يا لبنان «1980 البلد الحلم الذي حولته الحرب الى كابوس، بيروت الانثى الشقية الساحرة معشوقة الادباء والفنانين ست الدنيا كما قال الدمشقي العتيق نزار قباني، ولحن ابن النيل جمال سلامة بعبقرية، وانشدت ماجدة بصوتها الاوبرالي 1991 (يا بيروت / ان الدنيا بعدك ليست تكفينا /الان عرفنا ان جذورك ضاربة فينا / الان عرفنا ماذا اقترفت ايدينا).
مازال رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتناقلون كلمة السيدة ماجدة الرومي في ذكرى جبران تويني قبل سنوات، والحزن والقهر يسكن حنجرتها لتصرخ بوجع كل مواطن لبناني، وبدون ورق ولا تحضير قالت موجهة كلامها لسياسيين :
(بعد ثلاثين عاما لم يعد يهمني ان اشهد لاي انسان على الارض خاصة في السياسة اشهد لربنا، اشهد لهذا الشعب المعذب الشهيد الذي يموت كل يوم الف ميتة الذي يقع نصفه على الطريق ويواصل طريقه، لهؤلاء اشهد.
وتتابع (انتم فتتم هذا البلد انتم تريدونه وطنا على مقاس الطوائف والاحزاب، تريدونه بحجم الكرسي، وهو اكبر بكثير انتم فرقتمونا وقسمتمونا وشرذمتمونا في قلب البيت الواحد اصبح هناك شهيد لنا وشهيد لهم، انا هنا لاقول كفي اتركونا نعيش).
كم جميلا لو عشقنا فنانا يختزل بداخله وطنا يزرع في قلوب كل محبيه وردة من بلاده وهكذا هي الماجدة.
تعددت زياراتها الى السلطنة، واخرها كان في دار الاوبرا السلطانية في العاصمة مسقط، وقالت فيها عن عُمان وهي تتذكر لبنان : (انا جاية من قرية لبنانية كانت فيها هذه الوداعة نفسها، وهذا السلام نفسه كان فيها لون العصافير نفسها التي تغني للدنيا كان فيها شمس حلوة وسماء زرقاء، اتالم اين وصلنا بالايقاع المجنون الذي نعيشه الله يسلم هذه الارض).
ليست مصادفة ان تكون ماجدة الفنانة الوحيدة التي اخاف الاستماع الى اغانيها الحزينة، ربما هو صوت امي الساكن في حنجرتها! واخاف ان استمع الى نبرته الحزينة.
كاتب من سلطنة عمان?امي وماجدة الرومي وانا
