اخبار اليوم الصحيفة, صدر قديماً: “موسم اخبار اليوم الصحيفة, صدر قديماً: “موسم
منذ نشرها عام 1966، اخذت رواية “موسم الهجرة الى الشمال” مكانة باعتبارها من اهم الاعمال السردية العربية، ان لم تكن اهمها في استكشاف علاقة المثقف العربي باوروبا بشكل خاص، والانسان المهاجر الى احدى الدول الشقراء قادماً من مستعمرة سابقة لتلك الدولة.
العمل كتبه الروائي السوداني الطيب صالح (1929- 2009)، الذي حلّت ذكرى ميلاده اول امس الخميس، وهي بمثابة هجاء مرير للمشروع الاوروبي الذي زال وجوده كالة على الارض وبقيت اثاره تحكم العلاقة بين العالمين، نلمس ذلك عبر تحولات مصطفى سعيد: الطالب النابغ والغامض والمحبوب الذي تحوّل الى شخصية فظيعة، واستخدم صالح كل ما وقع تحت يده من السحري والواقعي؛ ليثري تعقيدات هذه الشخصية المركبة والتحوّل المخيف الذي سيقع عليها.
الرواية قصيرة نسبياً (172 صفحة) يقابل فيها الكاتب بين مغامرة الفرد وسكون الجماعة، ويشرح المجتمع السوداني ما بعد الاستعمار، ما يضمّنها الكثير من نقد الذات ونقد الكولونيالية. لا ننسى ايضاً انها كتبت بعد عشرة اعوام فقط من استقلال السودان من الاستعمار البريطاني سنة 1955، ما يجعل منها عملاً يعلن نهاية مرحلة ويفتح على مرحلة اخرى في القرن العشرين من الذاتية ومن انعدام اليقين وغموض مشاعر المستعمَر تجاه المستعمِر السابق.
يوظف صالح موروث القصّ الشعبي حيث التوجه الى القارئ منذ الصفحة الاولى “يا سادتي”، ويستفيد من اسلوب “الف ليلة وليلة”، حيث الحكاية التي تنبع من حكاية او تخفي حكاية، كما تتداول الشخصيتان الاساسيتان فعل الاخبار، يمكّنهما الكاتب من تقنيات مختلفة تجعل كلاً منهما يحضر وهو غائب ويغيب وهو حاضر؛ من خلال مذكرات سعيد وشهادات حوله ومراسلات مع من عرفوه او صوته هو نفسه، اساليب تفيد في تسيير زمانين في وقت واحد، ماضي سعيد وحاضر الراوي.
يتمكّن صالح من تحويل الرواية لغزاً يقترب في غموضه من رواية بوليسية، الرواي ينقّب في حياة سعيد، في حقيقة اختفائه، في حياته الخاصة، يسال هنا وهناك، ينقل امتعته النفسية للعيش في حياة شخص اخر، قبل ان يعود مصدوماً الى الواقع، على وقع انتحار زوجة سعيد. ثمة اسلوب استقصائي يتتبع حياة شخص مختف، يزعم الجميع ان الفيضان جرفه، ويُمكن الاعتقاد انه انتحر او انه فقط اختفى.
هذه الرحلة التي يقوم بها الرواي وقد اصبح مهووساً بسعيد، تكشف عن تقاطعات كبيرة بين الشخصيتين، بحيث يبدو ان احدهما اختفى لكي يتمكّن الاخر من الوجود؛ لكن الرحلة التي هدفها استكشاف مصطفى سعيد وكانه قارة سوداء وغامضة، تنقلب من رحلة البحث عن شخص في الخارج الى رحلة في الداخل، تصير الاسئلة عن حياة الراوي نفسه، وعن علاقته بمجتمعه وعن احتجاجاته الدفينة عليه، وعن ذاته المفقودة داخل المراة التي حين ينظر اليها في نهاية الرواية لن يرى فيها احداً.
مصطفى سعيد بغموضه ومثاليته ثم شيطانيته يمثّل مجازاً مروِّعاً يليق بكل ما في العلاقة مع المستعمِر من تعقيدات وطبقات. ما الذي يمكن ان يحدث لرجل من بيئة “متاخرة” اجتماعياً وتعليمياً، حين ينتقل الى بلاد الثقافة والفن، حين ينتقل من “قلب الظلام” الى الضوء القوي حيث يحدث كل شيء في وضح النهار، الموسيقى والحب والجنس والعلاقات والاختلافات السياسية والثقافية؟ هذا الضوء الانكليزي او الاوروبي مثّل لسعيد قلباً لظلام من نوع اخر، ظلام ما يجهل وظلام التاريخ الثقيل الذي يحمله.
لعبت الحياة الجنسية لمصطفى سعيد دور المحرك الاكبر للاحداث في لندن، هناك تسع شخصيات نسائية اعطى الكاتب لكل واحدة منهن دوراً يظهر في وقته، اذ تعيش الشخصيات طيلة العمل، حتى ياتي اوانها الحقيقي فتظهر كطاقة جديدة تعطي الرواية عمقاً ومعنى جديداً، مثلما فعلت حسنة، التي يمكن اعتبارها انعكاساً مؤنثاً لمُعضلات مصطفى سعيد نفسها. بل ان كليهما يقتل، سعيد يقتل زوجته البريطانية، وحسنة تقتل زوجها العجوز.
تسبّب الصدام الثقافي المرير، هذا الماضي الاستعماري مقابل التخلّف السياسي والاجتماعي والثقافي في السودان، في خلق فرانكشتاين مصطفى سعيد: القاتل والذي دفع بعشيقاته الى الانتحار، وراى في المراة البريطانية جزءاً من الماضي الاستعماري الذي لا بد من مقاومته او الانتقام منه؛ المتخبط الاكبر، المستعد للتخلي عن المستقبل، وعن احتمال العودة الى بلاده او البقاء في غربته، الغارق في حالة عدمية من تدمير الذات.
في الرواية ثمة اربع رحلات، رحلة مصطفى سعيد من السودان الى لندن، ثم رحلته الاعمق في عتمة القلب والذات، وهي مرتبطة بالبعد عن المكان الام. ثم هناك رحلة الراوي من لندن الى السودان، ورحلته في التعرف الى مصطفى سعيد، والذي من خلاله يتعرف الى بلاده ونفسه من جديد.
هذه قصة من؟ مصطفى سعيد ام الراوي نفسه؟ ماذا نظن وقد قتل الكاتب الشخصية الاساسية بينما الرواية ما زالت في اولها، ليتكفل الراوي باكمالها. ليس مستغرباً اذاً ان نجد لدى قارئ واحد تفسيرات مختلفة للحكاية، فلا يمكن العثور على مركز لها، بل انها خير مثال على منطق التفكيك في السرد: حيث الزمن يمكن فكه بسهولة عن الحاضر، واللغة منقطعة عن الزمن، واحداث كثيرة تبدو غير منطقية بل ومفاجئة في عنفها وكانها منفصلة عن الواقع.
تمكن قراءة العمل ايضاً في سياق نفسي، اذا اعتبرنا ان وجود مذكرات مصطفى سعيد والدخول الى غرفته التي تحوي كتبه الانكليزية والمراة واغراضه المتعلقة بماضيه في لندن والمدفاة التي لا يمكن ان يحتاجها في بلاده الحارة، كرحلة ابحار نفسية وتفحّص للطريقة التي تصدعت بها ذاته. ويمكن كذلك ان نقراها بشكل فلسفي فنقول ان الرواية تستشكف العدمية في صلب المشروع الانساني برمته وان الحياة محفوفة بالاوهام.صدر قديماً: “موسم الهجرة الى الشمال” لـ الطيب صالح
