اخبار اليوم الصحيفة, ما الذي قدمه اخبار اليوم الصحيفة, ما الذي قدمه
“قيّم الانسان عبر اسئلته .. لا عبر اجاباته”
(فولتير)
توفي ستيفن هوكينج، العالم الشهير الذي اصيب بمرض نادر تسبب في شلل تدريجي لاجزاء جسمه، فاصبح غير قادر على تحريك اي شيء الا عينيه، لهذا السبب اعطاه الاطباء، حينما كان في الواحدة والعشرين من عمره، عامين فقط لكي يعيش، لكنه -وكمعجزة حية- تجاوز كل التوقعات، الا ان الموت ادركه وهو في منتصف سبعينات عمره، الا انه خلال فترة مرضه التي طالت ولم تفارقه اثرى تاريخ العلم بمجموعة من الاعمال الهامة في مجاله البحثي، ليصبح واحدًا من النجوم اللامعة في سماء الفيزياء. لكن، لنتوقف هنا لحظة اذا سمحت، ما هي تلك الاعمال الهامة؟
تلك حقًا مشكلة. نحن، في وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى المقالات المكتوبة للعامة عنه، لا نعرف شيئا عمّا قدمه هوكينج للعلم، لا نعرف الا ذلك الكرسي الخاص به، الصوت الالكتروني الخارج منه، ونكاته المضحكة او جمله التي تدعو للتامل في اللقاءات العامة، فقد تجاوزت الكاريزما الطاغية لهوكينج، وحالته الخاصة جدًا، شهرة انجازاته العلمية للدرجة التي جعلت هوكينج، من وجهة نظر الناس، اقرب لكونه مفكرا او مثقفا من كونه عالم فيزياء قويا، لذلك فان هذا التقرير سوف يتجاوز الحديث المكرر عن معاناة هوكينج مع مرضه، ذلك الكفاح العظيم، وكذلك فلسفته في الحياة، ويمكن لك التعرف الى ذلك كله في الفيلم البديع الحاصل على الاوسكار “ثيوري اوف افري ثينغ” (نظرية كل شيء)، الى الحديث الهام عما انجزه هوكينج.
النسبية العامة.. مرة اخرى
حسنًا، في البدء كانت النسبية العامة.1 انه العام 1915، ينشر البرت اينشتاين ورقته البحثية الصارخة عن نظرة جديدة للكون تختلف تمامًا مع فكرة ظلت مسيطرة على الوسط العلمي قرابة ثلاثمئة عام، حيث يصف نيوتن الجاذبية بانها صفة تتعلق بالاجسام، صفة تشبه المجال المحيط بالمغناطيس، فتتاثر الاجسام ببعضها و”تنجذب” الى بعضها البعض حسب ما يفرضه عليها قانون نيوتن للجذب العام، لكن اينشتاين جعل تلك الجاذبية صفة للفضاء نفسه الذي يتكون من التحام نسيجي الزمن والمكان معا، لا يهم الان ان نعرف كيف يتم ذلك الالتحام، لكن المهم هو ان نعرف كيف ينحني الفضاء نفسه باثر الكتلة، لفهم ذلك دعنا نبدا بالتخيّل.
تلك الكرة هي اي جرم له كتلة، نجم مثلًا او كوكب ما، اما تلك القماشة فهي نسيج الزمكان، وكلما كان الجسم اكبر في كتلته كان انحناء الزمكان اكبر (الجزيرة)
لنفترض ان هذا الكون هو قطعة قماش لينة، لكن ضخمة جدًا مشدودة الاطراف من كل الجوانب، الان يمكن ان تمسك بكرة حديدية كتلتها خمسة كيلوغرامات وتضعها في اي مكان بهذه القطعة، ما سوف يحدث هنا هو ان ينحني نسيج القماش للاسفل بفعل ثقل الكرة الحديدية، تلك الكرة هي اي جرم له كتلة، نجم مثلًا او كوكب ما، اما تلك القماشة فهي نسيج الزمكان، وكلما كان الجسم اكبر في كتلته كان انحناء الزمكان اكبر، هنا سمحت الفيزياء الجديدة للكون بوجود اجرام غريبة.
انها الثقوب السوداء (Black Holes)، تحدثنا عنها كثيرًا من قبل (يمكنك مراجعة بعض التقارير بالمصادر2،3)، والفكرة العامة هي ان الثقب الاسود يتكون حينما تنهار نجوم عملاقة على ذواتها، حيث يقف اي نجم ثابتًا ومتزنًا بين قوتين، قوة ضغط مادته على مركزه، والاخرى هي قوة طرد للخارج عن طريق تفاعلات الاندماج النووي في مركزه، لكن حينما ينتهي وقود النجم من الهيدروجين يفقد تلك القوة المسؤولة عن الطرد للخارج، فينهار النجم على ذاته، ان كانت كتلة النجم كبيرة بما فيه الكفاية فان المتوقع هو ان تنهار كامل مادته بلا توقّف الى نقطة حجمها “صفر”، لا شيء، نسمّيها المفردة4 (Singularity).
هنا يدخل ستيفن هوكينج للعبة، لكن متاخرًا في الستينيات، في تلك الفترة كان روجر بينروز قد نجح في اثبات انه يمكن لفكرة بسخافة “المفردة” ان توجد، لكن لماذا هي سخيفة؟ لانها تضعنا امام مشكلة تتعارض مع كل ما نعرفه تقريبًا من قوانين الفيزياء، فمثلًا يعلمنا مبدا استبعاد باولي5 (Pauli Exclusion Principal) انه لا يمكن لاثنين من الفيرميونات (جسيمات المادة) ان يتخذا نفس الحالة الكمومية، وبالتالي؛ لا يمكن ضغط اي كمّية من المادة في مكان واحد، كذلك نعرف ان اقل طول ممكن لشيء ما في هذا الكون هو طول بلانك6 (Plank Length)، وهو رقم صغير جدا يساوي “علامة عشرية ثم 35 صفرا ثم 1”.
في الحقيقة لا يزال هناك جدل دائر بشان تلك المشكلة، ومن المهم فقط ان نتفهم، نحن كقرّاء في الفيزياء، ان بعض المفاهيم الرياضياتية المجردة لا يمكن بسهولة تصوّرها على ارض الواقع، في كل الاحوال كانت فكرة هوكينج في تلك اللحظة -نحن الان نقترب من سنة 1970- ان الثقوب السوداء تتميز بعدة صفات تجعل منها مرشحة هامة جدًا لشيء نعرفه جميعًا، انه الانفجار العظيم، حيث افترض7 -مع روجر بنروز- ان الكون بدا بمفردة كتلك التي توجد في قلب الثقوب السوداء، لكن بشكل معكوس، بمعنى ان المفردة في الثقب الاسود هي نتيجة لانهيار المادة على ذاتها الى نقطة لا حجم لها، اما الكون فهو مفردة بدات لا حجم لها، ثم انتجت تلك المادة والطاقة، اقول ذلك طبعًا بدرجة واسعة من التبسيط لا تقترب كثيرًا من التعقيد الرياضياتي المتعلق بها.
حكاية كوب من الشاي الساخن
في تلك الفترة اعتقد هوكينج ان الثقوب السوداء لا يمكن لها الا ان تزيد -فقط- في الحجم، وهو تصور مقبول عن جرم سماوي لا يمكن لشيء ان يهرب من جاذبيته، حتى الضوء (الاشعاع) نفسه، الثقوب السوداء اذن هي اجسام باردة، ابدية، تتكون ولا تفنى لانها تسحب المادة ولا تُخرجها، وما يُفقد بداخلها لا يمكن استعادته او معرفة اي شيء عنه، لان تلك المعرفة تتطلب اشارات، والاشارات تعني اشعاعا، والثقب الاسود لا يشع اي شيء. دعنا الان نقارن بين ثقب اسود وفنجان من الشاي الساخن، تضعه على مكتبك في ليلة باردة بينما تتامل مقالًا عن الثقوب السوداء.
للوهلة الاولى تظن ان تلك مقارنة غريبة بعض الشيء، لكن الفنجان يختلف عن الثقب الاسود في شيء رئيسي، وهو انه يشع حرارة، لو تركت الفنجان دون ان تشربه سوف يبرد، ويعني ذلك انه قام بعمل “اتزان” مع الوسط المحيط عبر اشعاع الحرارة الخاصة به، ولكن، ما هي الحرارة؟ انها حركة جزيئات المادة المكونة للشاي، كلما ارتفعت الحرارة كلما ازدادت حركة جزيئات الشاي في مساحة اكبر، ويعني ذلك انه كلما ارتفعت درجة حرارة كوب من الشاي اصبح من الصعب تحديد موضع جزيء ما في كوب الشاي بدرجة اكبر، لفهم ذلك عنا نتعرّف الى الانتروبيا8 Entropy.
بينما ينتشر الحبر في الحوض نفقد تدريجيًا قدرتنا على تحديد مكان الجزيء خاصتنا، حيث قد يكون في اي مكان حينما تنتشر نقطة الحبر في الحوض الكامل (الجزيرة)
للانتروبيا تعريفات كثيرة متعلقة ببعضها البعض، لكن دعنا نعرّفها هنا على انها حالة من عدم الانتظام، حالة تؤدي لعدم القدرة على التحديد، لفهم ذلك سوف نلقي بنقطة حبر ازرق في حوض زجاجي به ماء، ضمن تلك النقطة جزيء ما، سوف نسمّيه الجزيء X (احمر اللون في الشكل المرفق)، نستطيع في البداية تحديد مكان الجزيء بدقة كبيرة، لانه مازال ضمن تلك النقطة الصغيرة، لكن بينما ينتشر الحبر في الحوض نفقد تدريجيًا قدرتنا على تحديد مكان الجزيء خاصتنا، حيث قد يكون في اي مكان حينما تنتشر نقطة الحبر في الحوض الكامل، موضع الجزيء X اذن اصبح “معلومة مخفية Hidden information” في الحوض، كلما انتشر الحبر في الماء، ارتفعت درجة “عدم قدرتنا” على التحديد، اي ارتفع عدد المعلومات الخفية، اي ارتفعت الانتروبيا.
جزيئات الشاي لها نفس الصفة، كلما ارتفعت درجة حرارة الفنجان، اهتزت الجزيئات بدرجة اكبر، في مساحة اكبر، مما يرفع الانتروبيا. قارن ذلك بكوب ماء مجمد مثلا، هنا سوف تثبت الجزيئات في مكانها ويكون من السهل تحديد موضعها، اي “معلومات خفية اقل”، ما يعني انتروبيا اقل، الان نصل الى مرحلة اخرى من التجربة، حيث، ما الذي يحدث لو القينا هذا الكوب الساخن في الثقب الاسود؟ الثقب الاسود هو جسم لا يشع اي شيء على الاطلاق، لان اي اشعاع هو هروب من جاذبيته، وذلك غير ممكن بالطبع لانه قادر على جذب كل شيء، والاشعاع -كما تعلّمنا منذ قليل- هو انتروبيا، الثقب الاسود اذن لا انتروبيا له.
لكن حينما نلقي بكوب شاي ساخن الى الثقب الاسود فنحن نخفّض اذن من انتروبيا الكون ككل، اليس كذلك؟ نحن نلقي بشيء له قيمة انتروبيا ما بداخل شيء لا انتروبيا له، بعد هذا “الالقاء” لدينا “كون محذوف منه انتروبيا الشاي” ويعني هذا ان الانتروبيا الكونية ككل قد انخفضت بفقدان فنجان الشاي، ويتعارض ذلك تماما مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ والذي ينص على ان الانتروبيا في الكون تزيد بشكل دائم، في تلك النقطة يظهر “جاكوب بيكنشتين9 Jacob Bekenestein” الفيزيائي الامريكي ليقول ان ذلك يجبر الثقب الاسود ان يكون ذا “انتروبيا” تساوي ما يسقط فيه، والا فاننا امام حالة كارثية نكسر فيها احد اهم القوانين في تاريخ الفيزياء.
كان ذلك غير مقبول بالطبع، كيف يشع الثقب الاسود وهو -بالتعريف- لا يشع؟ هنا عكف هوكينج على اثبات خطا فكرة بيكنشتين، بالتاكيد هناك شيء ما خاطئ في كل تلك الفوضى، لكنه لحل المشكلة اضطر للخوض في الاشكالية التي تؤرق فيزيائيي الكونيات، وكل الفيزيائيين في الحقيقة، انها مشكلة دمج الكوانتم مع النسبية العامة من اجل الخروج بنظرية تشرح كل شيء، يمكنك، للمزيد من التعرف على المشكلة الخاصة بهذا الدمج، ان تتامل تقريرا سابقا للكاتب بعنوان “لماذا لا تتفق النسبية مع الكم؟”.
الان دعنا نترك النسبية قليلًا ونتعرف على عالم الكوانتم، العلم الذي يهتم بدراسة الجسيمات على المستوى الذري، حيث تخبرنا ظاهرة “التموج الكمومي10 Quantum Fluctuations” ان الفراغ الفيزيائي ليس فراغًا بالمعنى المفهوم، لكنه حالة هادرة مضطربة منتشرة في كل الكون، تظهر فيها جسيمات افتراضية وجسيمات افتراضية مضادة، في فترة زمنية قصيرة للغاية، ثم لا تلبث ان تلتقي جسيمات المادة برفيقتها المضادة وتُفني كل منهما الاخرى، الامر كان نقول ان حاصل جمع “1” و”1-” هو “0”، فراغ. هنا ايضًا يمكن لك تامل تقريرين للكاتب، قام فيهما بتبسيط هذه الموضوعات، الاول هو “عدم اليقين: ما هو اللاشيء؟”11، والاخر هو “لغز الوجود: الفيزيائيون والبحث عن نشاة الكون”.12
كما تلاحظ، فان الجسيمات والجسيمات المضادة (الموجبة والسالبة) تخرج من الفراغ لفترة قصيرة جدا ثم يفني كل منها الاخر، الا عند حافة الثقب الاسود (الجزيرة)
لكن ما ان نقترب من حافة الثقب الاسود حتى يتغير الامر قليلًا، حيث يفترض هوكينج انه طالما ان الثقب الاسود قادر على جذب كل شيء، وعلمًا بان تلك الجسيمات والجسيمات المضادة تتولد في كل مكان، بما في ذلك حافة الثقب الاسود، فانه قد يحدث في ذلك الزمن القصير جدًا حينما ينفصل احد الجسيمين الافتراضيين، وقبل ان يلتقي برفيقه، ان يسقط في الثقب الاسود، فيدخل اليه مضطرًا بسبب قوة جذبه، هنا سوف ينطلق الاخر كاشعاع، انه ما نسميه بـ”اشعاع هوكينج13 Hawking Radiation”، اشهر ما عرف به ستيفن هوكينج، ليس فقط بسبب الاستنتاجات الرياضية الهامة التي صاغها هوكينج، او اثباته ان الثقوب السوداء تُشع بالفعل، ولكن ايضًا، وربما هو اهم شيء، لانه فتح الباب لواحدة من اكبر مشكلات الفيزياء.
مفارقة المعلومات
بقي ان نتحدث عن الجسيم الساقط في الثقب الاسود، ان كان هذا الجسيم هو صاحب الطاقة السالبة من الرفيقين، فانه سوف يتسبب بالتالي في افناء جزء من كتلة الثقب الاسود الموجبة الطاقة، وتلك مشكلة لان ذلك يعني ان الثقب الاسود، في حال لم يسقط فيه اي شيء، نظريًا، سوف تتناقص كتلته تدريجيًا حتى ينتهي تمامًا، او بمعنى ادق “يتبخر”، وهنا يتراجع هوكينج نفسه عن فكرته الاولى، وما اكثر تلك المرات التي تراجع فيها، والتي تقول ان حجم الثقب الاسود لا يمكن ان ينقص.
في تلك النقطة ظهرت مشكلة اخرى جديدة، سوف نشرحها بمثال بسيط، لنفترض انك تود ان تتخلص نهائيا، لسبب ما، من صورة قديمة، سوف تقوم ربما بتقطيعها والقائها في سلة المهملات، رغم ذلك لا يزال بامكاني -نظريا- ان اعيد تجميعها مرة اخرى، هنا سوف تود ربما حرقها بالنار لتتخلص منها نهائيا، لكن الفيزياء ما زالت تمتلك القدرة -نظريا- على اعادتها مرة اخرى، ببساطة لان كل ما حدث هو ان الصورة تحولت لشيء اخر ولم تُحذف بعد من الوجود، اما في الثقوب السوداء فالامر يختلف، حيث ان الطاقة الخارجة من الثقب اثناء تبخره لا تعبر عما سقط بداخله، لماذا؟
لانها تعبر فقط عن جسيمات افتراضية تحولّت الى اخرى عادية، لنفترض انك القيت بتلك الصورة في ثقب اسود، ثم تبخر الثقب واطلق اشعاع هوكينج اثناء تبخّره، هذا التبخر سوف يُفقدنا اية معلومات لها علاقة بالصورة، لان الاشعاع الذي خرج من الثقب الاسود اثناء تبخّره ليس كالنار التي احرقت الصورة منذ قليل، النار احرقت الصورة واشعّت لنا طاقة لها علاقة بالصورة، اما الثقب الاسود فقد بخّر الصورة واشع لنا طاقة لا علاقة لها بالصورة، وتلك مشكلة كبيرة، لانها تكسر قانونًا اخر، قانون بقاء المعلومات.
حيث نعرف من قوانين الديناميكا الحرارية ان الطاقة والمادة “لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن يمكن تحويلها من صورة لاخرى”، ان ما يحدث في الكون كله هو عملية تحولات للطاقة والمادة من صورة لاخرى، وعندما اُحرق تلك الصورة، فانها تتحول فقط لطاقة في صورة حرارة، يمكن تطبيق ذلك المبدا على المعلومات ايضًا، في عالم الميكانيك الكمومي لا يمكن للمعلومات ان تُفنى، وتعني المعلومات حالة كل جسيم في الكون: كتلته، الموضع، السرعة، اللف، درجة الحرارة… الخ، اما حينما نفقد تلك الصورة في الثقب الاسود، فاننا نفقد معلومات الجسيمات المكوّنة لها، ثم ها نحن من جديد نكسر قانونًا اساسيًا اخر للكون.
لا تزال تلك المفارقة، “مفارقة المعلومات14 Information Paradox”، او يمكن ان نقول “الملاحظة الذكّية لستيفن هوكينج”، الى هذا اليوم الذي تُكتب فيه تلك الكلمات، هي مركز النطاق البحثي المتعلق بالكونيات والثقوب السوداء، ورغم ظهور العديد من الحلول لتلك المشكلة، بداية من نظرية الكون الهولوجرامي حتى ورقة هوكينج الاخيرة15 في يناير 2016 والتي تقول ان المعلومات تتتحرك داخل وخارج الثقب الاسود عبر تخزينها على “جسيمات ليّنة Soft particles” وهي نسخة منخفضة الطاقة من الفوتونات، تبقى المشكلة غير محلولة.
هوكينج، اذن، هو ذلك الباحث الذي لم يجد اية غضاضة في التراجع عن مواقف علمية اتخذها من قبل، لن تجد في تاريخه سوى رهانات خاسرة مع الكثير من اصدقائه الفيزيائيين، لكن المميز في هوكينج، بجانب ذلك كله هو ان لدينا فيزيائيا ما، يبلغ من العمر ستة وسبعين عامًا، لكن لايزال بامكانه ان ينشر ورقات بحثية على فترات متقاربه، ليس فقط في هذا العمر، وانما ايضًا في تلك الحالة المرضية الخاصة جدا التي اصابته، يدعونا ذلك للتامل كثيرًا حول ما نتصور انه “فشل” في حياتنا.
الان، نصل الى النقطة التي نتحدث فيها عن اهم انجازات هوكينج، بالطبع اذا بحثت في قوائم “افضل 10 فيزيائيين في القرن العشرين” قد لا تجده بها، ليس في معظم الاستفتاءات الثقيلة مثلًا، لكن هوكينج له بالفعل موضع غاية في التميز بين فيزيائيي القرن، وفي تاريخ الفيزياء ككل، ليس فقط لانجاز محدد قدمه او لاكتشاف كبير، او لان معادلة اشعاع هوكينج تتكرر هنا وهناك في الورقات البحثية كل يوم، وانما ايضًا لانه استطاع ان يسال السؤال الهام عن مفارقة المعلومات، المشكلة التي لم يكن احد يعلم بوجودها اصلًا، لم يجب هوكينج عن مفارقة المعلومات، لكن اثارتها هو في حد ذاته شيء عظيم، والعظمة في العلم لا تكون فقط في “الاجابات العظيمة”، وانما “الاسئلة العظيمة” ايضًا.ما الذي قدمه ستيفن هوكينج للعلم؟
