قصة-التنظيم-السري-الذي-اسقط-الدولة-الاموية-في-المشرق

قصة التنظيم السري الذي اسقط الدولة الاموية في المشرق

اخبار اليوم الصحيفة, قصة التنظيم السري اخبار اليوم الصحيفة, قصة التنظيم السري

ارى خلل الرماد وميض نار/ يوشك ان يكون لها ضرام
فان لم يطفها عقلاء قوم/ يكون وقودها جثث وهام
اقول من التعجب ليت شعري/ اايقاظ امية ام نيام
فان كانوا لحينهم نياما/ فقل قوموا فقد حان القيام
بهذه الابيات ابرق عامل خراسان (منطقة تقع اليوم بين ايران وتركمانستان وافغانستان) الاموي نصر بن سيار الى الخليفة في الشام والملقب بالحمار. ولقب الحمار اُطلق على الخليفة الاموي لا لقلة في الفهم بل لصبره على الفتن التي عمّت مملكته.
فقد تولى مروان بن محمد الجعدي (اخر خلفاء بني امية) الخلافة عام 745 (127 هـ) ليجد العالم الاسلامي يموج بالقلاقل، لا سيما الجانب الشرقي منه.
في خراسان، وصل العداء بين القبائل العربية الساكنة هناك اشده، لسوء ادارة الحكام ومحاباة كل منهم لقبيلته ضد الاخر. ومناطق شمال العراق واذربيجان كذلك كانت تعيش اضطرابات واسعة يقودها الخوارج. اما في بلاد فارس، فقد وجد الخليفة مروان نفسه في مواجهة دعوة جديدة بزعامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
الى جانب كل هذا، وفي اقليم خراسان تحديداً، بدا عبد الله بن عثمان المعروف بكنيته ابو مسلم الخراساني متحفزاً للانطلاق، يجمع السلاح وينظّم جيشه في الظل بعيداً عن المعارك الدائرة، ويعد العدة سراً للانقضاض على السلطة حين اعلان ساعة الصفر للتحرك، منتظراً الاشارة من ابراهيم الامام بن محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الكامن في قرية الحميمة (في الاردن اليوم)، مرشد التنظيم السري وزعيمه.
حاول ابن سيار اعلام الخليفة مرات عديدة بما يجري التحضير له، وراح يرسل الاخبار اليه عن طريق عامل العراق الاموي يزيد بن هبيرة، محذراً من عمل انقلابي كبير قد يقلب الموازين ويسقط الدولة. فقد كان يعلم عن حراك ابو مسلم ويعرف اكثر عن التنظيم الذي يقوده ابراهيم الامام، وان في الامر خيوط مؤامرة كبيرة. لكن ابن هبيرة كان يكره ابن سيار ويحجز رسائله الموجهة للخليفة خوفاً من تفوقه عليه، في سياق تنافس حاشية الخليفة على التقرب منه.
وحين ضاق ذرع ابن سيار، اقرض ابياته الشهيرة، وكان الشعر وسيلة التواصل المتاحة حينذاك، مطالباً عبرها الخليفة بارسال المدد لاطفاء النار في موقدها.
تاخر وصول المدد الى خراسان
خرج ابو مسلم بثورته بعد ان تسلم اشاره ساعة الصفر من ابراهيم الامام، عن طريق ظهور الراية السوداء التي حملها النقيب قحطبة بن شبيب الطائي (في التنظيم السري، كان زعماء الحركة يسمون النقباء). استلم ابو مسلم الراية وامر الجند (العملاء في نظر الدولة) بالتحرك.
خرجت حركة ابو مسلم من الظل واكتسح مسلحوها البلاد، واجتاز قحطبة بجيشه حدود العراق متوجهاً الى الكوفة، بينما كان ابو مسلم خلف خطوط القتال يطهر البلاد من المعارضين وينظم الادارة. وبعد دخول قحطبة العراق، استلم خالد بن برمك مهمة التطهير والتمكين فيها.
ثم تجزا جيش التنظيم الى ثلاث فرق، سارت كل منها في اتجاه، للسيطرة على مناطق جديدة من البلاد وملاحقة فلول النظام. توجه حميد بن قحطبة الى المدائن، وخالد بن برمك الى دير قنى، وسفيان المهلبي الى البصرة. وبقي شمال العراق تحت سلطة الخليفة مروان بن محمد الجعدي يقاتل تحركات التنظيم الذي ما عاد سرياً.
خلال تلك المعارك، وقع ابراهيم الامام (المرشد) في قبضة السلطة، وكُشفت اسرار التنظيم وهيكلية قيادته وتحضيراته للثورة واسماء المشاركين فيها، واودع الامام السجن، وقبض على عدد كبير من اعوانه. ادرك الامام ان التنظيم بحاجة الى زعيم جديد، فاوصى بالرئاسة والبيعة لاخيه عبد الله المكنى بابي العباس، ليسافر المرشد الجديد الى الكوفة متنكراً مع بعض من رجاله، وليلقى المرشد السابق نحبه في السجن خنقاً.
استمر التنظيم في تحركاته بقيادته الجديدة. جولات كر وفر بينه وبين الدولة. وفي صباح يوم الجمعة في 12 ربيع الاول من عام 132 هـ (749 مـ)، خرج ابو العباس من مخبئه باحتفال مهيب حضره القادة والنقباء وجماعة من افراد الاسرة العباسية، ودخل مسجد الكوفة ليخطب بالناس، ثم صلى اماماً بالحاضرين واخذ البيعة بالخلافة، معلناً قيام الدولة العباسية.
مسجد الكوفة
انقسم العالم الاسلامي مرة ثانية كما كان حاله قبل 100 سنة: هاشمي عباسي يحكم العراق واموي يحكم الشام. غير ان حاكم العراق من قبل لم يكن فقط هاشمياً بل كان علوياً. كان الامام علي بن ابي طالب فيها ضد شام معاوية بن ابي سفيان.
اتبع ابو العباس السفاح سياسة القسوة، ولاحق مروان الجعدي مطارداً اياه في كل مكان، في الشام وفلسطين، حتى قُتل على يد صالح بن علي العباسي، ليزول سلطان بني امية في المشرق نهائياً، وتُرفع رايات بني هاشم العباسية.
اقوال جاهزة
استمر التنظيم السرّي في تحركاته. جولات كر وفر بينه وبين الدولة. وفي صباح يوم الجمعة في 12 ربيع الاول من عام 132 هـ، خرج ابو العباس من مخبئه باحتفال مهيب، ودخل مسجد الكوفة وخطب بالناس، واخذ البيعة بالخلافة، معلناً قيام الدولة العباسية
هول المجزرة والدم المسال من بيت الامام علي بن ابي طالب دفع اله واشياعه الى التفكير الجدي في تشكيل تنظيم سري يعمل على استرداد الحكم وتطبيق العدالة الاجتماعية واسقاط سلطان بني امية
هناك روايات عديدة تدّعي ان الخليفة الاموي كان بمقدوره مواجهة ثورة ابو مسلم الخراساني، وانه لو بعث ابن هبيرة بجنوده الى خراسان لواد حراك ابو مسلم في المهد، وما كانت لتقوم دولة بني العباس بالنتيجة. ممكن. غير ان التنظيم السري الذي شكل النواة التاسيسية للدولة العباسية لم يكن ليموت حينها. فصوت الثورة قد اطلق قبل كل هذه المعارك بسبعين سنة، وتحديداً يوم كربلاء، يوم غرست اولى لبنات التنظيم.
70 سنة الى الوراء: كربلاء
في عام 680 (60 هـ)، تولى يزيد بن معاوية بن ابي سفيان الحكم، ممارساً عهداً جديداً بادارة جديدة تخلو من الكياسة والسياسة التي عُرف بهما ابوه. فقد اتسم عهد معاوية بن ابي سفيان بالاستقرار والهدوء، بعد ان انضوي العالم الاسلامي تحت راية بني امية بمبايعة الحسن بن علي بن ابي طالب له على شروط وعهود، في ما عُرف بعام الجماعة.
دام عهد معاوية عشرين سنة. ولما تقادم سنه اراد ان يخلفه ابنه يزيد في الحكم بدلاً من ان يترك امر الخلافة شورى بين المسلمين. فعمل على اخذ البيعة بولاية العهد لابنه، في بدعة لم تلقَ الارتياح لدى الكثير من قادة العرب. وجرت اعمال استاء منها الراي العام، خاصة في الحجاز حيث تعيش معظم الاسر الكبيرة القرشية، وعلى راس الناقمين كان الحسين بن علي بن ابي طالب.
على الاثر، خرج الحسين من الحجاز يريد مواجهة يزيد، بموجب دعوات وجهت اليه من اشياع ابيه. واصطحب معه اسرته، اطفالاً ونساء. وفي طريقه التقى بجيش يزيد في كربلاء، وقاتلهم حتى قُتل هو ومعظم افراد عائلته، في ماساة يتردد صداها الى اليوم.
ربما، فالعلماء لم يحسموا الامر بعد، يمكن اعتبار الحدث بداية ماسسة ثقافة المعارضة السياسية في العالم الاسلامي، بعد ان كانت افكاراً وافعالاً قبلية وفردية يطغى عليها رد الفعل.
هول المجزرة والدم المسال من بيت الامام علي بن ابي طالب دفع اله واشياعه الى التفكير الجدي في تشكيل تنظيم سري يعمل على استرداد الحكم وتطبيق العدالة الاجتماعية واسقاط سلطان بني امية. وكانت السرية الاساس في نمط وسلوك المنتسبين، فالعمل السياسي المعارض ضد سلطة دموية يحمل مخاطر على مدار الساعة، اذ ضُيقت المجالات على الهاشميين كافة، تحديداً العلويين منهم، واوجدت الدعاية المسيئة ضدهم في المنابر. لذا السرية واخفاء الهوية كانا ضروريين.
هنا وقعت الانظار على محمد بن الحنفية، اكبر ابناء الامام علي الاحياء سناً، لقيادة التنظيم. ولُقّب بالحنفية لان امه كانت من قبيلة بني حنيفة الوائلية النزارية. عندها، انتقل التنظيم من فكرة الى نهج وعمل وتنفيذ.
ولما توفي محمد بن الحنفية تولى من بعده قيادة التنظيم ابنه عبد الله المكنى بابي الهاشم، فواصل العمل التنظيمي السري، واحسن تدبيره بعيداً عن اعين وجواسيس بني امية رغم شعورهم بوجوده. وضع الانظمة وسن الخطط ووزع المهام، وحدد لكل نقيب منطقة عمل (وقتها وصل عدد النقباء الى اكثر من سبعين ولكل منهم قادة ونواب)، وربط كل المنتسبين في القاعدة بهيكل تنظيمي ومرجعية واضحة، ونظم الدورة المالية للتنظيم وطرق مداخيله.
لم تجهل السلطات الامنية الاموية بهذا التنظيم، وحاولت مراراً كشف هويات قيادته. وفي عام 716 (97 هـ)، وصل ابو الهاشم الى الشام متنكراً، وقابل الخليفة الاموي سليمان بن عبد الملك لغرض جاء من اجله. اعجب الخليفة برجاحة عقله وصفاء منطقه ووضوح بيانه، فعرف على الفور انه مَن يحذر منه قائلاً: “ما اظنه الا الذي حدثنا عنه”. وامر جنده بملاحقته بعد ان فر من الشام.
السم الذي غيّر خط الوراثة
كمن جنود الخليفة لابي الهاشم وهو في طريقه الى فلسطين، وسقوه السم في كاس اللبن الذي كان يشربه، كما ذكر في المراجع. وعندما علم ابو الهاشم بتسممه وبانه هالك لا محالة، توجه بركبه الى اقرب قرية في طريقه: الحميمة. وفيها كان يقيم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الذي استقبل ابن عمه العلوي واحسن ضيافته.
على الفور، اخبر ابو الهاشم محمد بن عبد الله باسرار التنظيم السري وهيكله واتباعه، وقلده الرئاسة والزعامة. ثم كتب الى شيعته في العراق وخراسان بما جرى، موكلاً جميع امور الحركة الى محمد بن عبد الله العباسي، والى ولده من بعده، طالباً منهم الامتثال لاوامره.
ويرى المؤرخون ان لتوجه ابو الهاشم الى الحميمة اسباباً كثيرة، منها خوفه من ان يموت في الطريق قبل ايجاد خليفة له من بني هاشم، فيضيع المجهود الذي وضع في بناء التنظيم السري، ومنها ايضاً ان احفاد الامام علي الاحياء كانوا صغاراً في السن ولا يستطيعون تحمل مسؤولية بهذا الحجم. زد على ذلك كثرة الشباب في ال العباس بن عبد المطلب. فقد كان لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس 21 اخاً وثمانية اولاد بنين (ابراهيم الملقب بالامام، عبد الله الخليفة، ابو العباس السفاح، وعبد الله الثاني الخليفة، ابو جعفر المنصور، عباس، يحيى، وموسى ابو عيسى).
وبغض النظر عن الاسباب التي دفعت ابو الهاشم للتوجه الى الحميمة، انتج قراره تحولاً خطيراً برزت نتائجه في ما بعد، بنقله غرس الولاية من شجرة ابيه العلوي الى شجرة بيت عمه العباسي، ليثمر الغرس بستاناً عباسياً طال عمره قروناً عديدة في حكم العالم الاسلامي، قروناً سلط فيها السيف العباسي على العلويين، وكان اشد مضاضة من وقع الحسام الاموي، لادراك العباسيين خطر التنظيمات السرية والحركات الثورية.قصة التنظيم السري الذي اسقط الدولة الاموية في المشرق

Scroll to Top