من-حفظها-مات-غريباً__-قصيدة-الحب-الاندلسية-التي-استعبدت-القراء-والشعراء-عبر-العصور

“من حفظها مات غريباً”: قصيدة الحب الاندلسية التي استعبدت القراء والشعراء عبر العصور

اخبار اليوم الصحيفة, “من حفظها مات اخبار اليوم الصحيفة, “من حفظها مات

البعض ينظر لقصص مي زيادة مع الشعراء والمثقفين الذين وقعوا في حبها، ونظموا في حبها الاشعار والرسائل الادبية التي تكوي حرارة رومانسيتها من يقراها، على انها حالة انتجتها الحقبة شبه الليبرالية التي مرت بها مصر، قبيل واثناء الربع الثاني من القرن العشرين، ولكن الحقيقة ان هذه التيمة ليست بجديدة على المجتمع العربي.
فالاديبة والكاتبة (اللبنانية الفلسطينية) التي عاشت في مصر ورحلت عام 1941، ليست اول عربية تقيم مجلساً للشعر والادب في منزلها ويقصده المثقفون، وينتج عن ذلك قصص حب يخلدها الادب، كالتي نشات بينها وبين محمود عباس العقاد او بينها وبين جبران خليل جبران او غيرهما.
ولكن سبقتها الى ذلك نساء كثيرات، منهنّ تختار المقالة، شاعرة عاشت في الاندلس خلال القرن الحادي عشر الميلادي، اي الخامس الهجري.
انها الاميرة والشاعرة “ولادة” بنت الخليفة المستكفي بالله، من اخر حكام بني امية على الاندلس، التي عشقها الوزير والشاعر ابو الوليد احمد بن عبد الله ابن زيدون المخزومي، المعروف بـ”ابن زيدون”، والتي كانت تقول له، بحسب ابيات تنسب اليها:
ترقّب اذا جَنّ الظلام زيارتي
فاني رايت الليل اكتَم للسر
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح
والبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
طالبة منه ان يزورها ليلاً كي يظل ما بينهما سرًا،
وكان ابن زيدون حريصا على هذه السرية، وفي ذلك كان يقول:
سِرّانِ في خاطِرِ الظّلماءِ يَكتُمُنا
حتى يكادَ لسانُ الصّبحِ يفشينَا
بعد هذا العشق، وقع خصام بينهما، كما تقول القصص التي تؤطر تواريخهما، لاسباب اختلف عليها المحققون، اكثرها شيوعاً اتهام ولادة لابن زيدون بحب جاريتها، بالاضافة الى دسائس الوزير ابو عامر ابن عبدوس الذي كان يحب ولادة هو الاخر.
وبعد الانفصال حاول ابن زيدون استعطاف حبيبته كي تعود اليه، كما تخبرنا المصادر، فكتب لها قصيدته “النونية” والتي بين فيها حرقته من هجرها، وتلهفه لوصالها، ووصفه لايامهما الخوالي.
من حفظها مات غريباً
هذه القصيدة (النونية) نالت من الشهرة ما لم تنله قصيدة، واعتبرت واحدة من اعظم ما قيل في الشعر العربي، حتى ان كثيرين اعتبروها واحدة من علامات كمال الشخص الذي يستطيع القائها.
حيث شاعت في كتب التراث مقولة: “من لبس البياض وتختّم بالعقيق وقرا لابي عمرو وتفقّه للشافعي، وروى قصيدة ابن زيدون فقد استكمل الظرف”.
وشاع في الاخبار الادبية ايضاً ان من يحفظها كاملة يموت غريباً، من شدة اللوعة والعذاب الذي تحمله.
اثرت “النونية” في امصار وازمان مختلة، منذ قيلت في حياة ابن زيدون (394هـ/1003م – 463 هـ/1071م) حتى عصرنا هذا.
وباتت مركزاً لعدد لا حصر له من القصائد الغزلية التي حاول اصحابها محاكاة “النونية” بها، جمع منها استاذ اللغة العربية الدكتور احمد محمد عطا (في بحث اعده عن النونية بين التاثير والتاثر) 75 قصيدة لـ83 شاعراً حاولوا محاكاة ابن زيدون، ولكنهم جميعاً فشلوا، كما يُجمع الكثير من المتخصصين.
ومنهم المقري التلمساني الذي يقول في موسوعته “نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب” عن “النونية”: حاول الشعراء مجاراتها ولكنها اتعبت من يجاريها.
والف صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي كتاب “تمام المُتون في شرح رسالة ابن زيدون”، وراى ان كثيرين حاولوا تقليد قصيدته في حياته وبعد موته لكنهم لم يصلوا اليه، بل حتى لم يقتربوا منه، معتبراً انها سادت الاراضي وفازت بالشهرة واستعبدت متذوقي فن الشعر في القرون الوسطى.
الباحث جلال عبدالغني اعد بحثاً بعنوان “القراء في القرون الوسطى: الشاعر المُحب وتاليف القصيدة البديعة – Medieval Readership, the Loving Poet and the Creation of the Exquisite Ode”، تناول فيه النونية وملابساتها وما قيل حولها، وذكر ان الصفدي نفسه حاول تقليد ابن زيدون في قصيدة رثاء كتبها حزناً على احد اصدقائه.
كما نقل عبد الغني عن رسالة اسماعيل بن محمد الشقندي فِي فضل الاندلس، انه عاير اهل المغرب، وقال لهم: هل لديكم شعراً كـ”النونية”؟ معتبراً انه برغم طول القصيدة لا يوجد شعرٌ اكثر نعومة وحنواً منها. وكذلك نقل عبد الغني عن الفتح بن خاقان رايه فيها، بان بها موهبة وابداع، ووقعت في كل عقل وخيال.
الفاتنة التي فجرت “النونية” في قلب ابن زيدون
قبل ان نستعرض “النونية” وجماليتها، دعونا اولا نعرف من هي المراة التي سحرت ابن زيدون، وجعلته يكتب فيها قصيدة لها كل هذه الاهمية.
يقول
ابن بسام الشنتريني عن ولّادة في كتابه “الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة”: “وكانت من نساء اهل زمانها واحدة اقرانها، حضور شاهد، وحرارة اوابد، و حسن منظور ومخبر، وحلاوة مورد و مصدر”.
ابن بسّام عن ولادة: “كان مجلسها بقرطبة منتدى لاحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر”
شارك
غرد
ويضيف: “كان مجلسها بقرطبة منتدى لاحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يغشوا اهل الادب الى ضوء غرتها، ويتهالك افراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها”.
وكانت ولادة تجمع في مجلسها “بين الجمال والادب والذوق، ورواء الحديث وحلاوة الرد، و حرارة النّكتة، حتى صح ان تعدّ من كبيرات ربّات بيوت الاندلس الادبية -الصالونات الادبية في العصر الحديث- فسبقت اديبات فرنسا بعدّة قرون”، بحسب ما ذكر سعيد بوفلاقة في كتابه “الشعر النسوي الاندلسي”.
النونية كانت وليدة بيئة الاندلس التي تصفها الدكتورة امال موسى محمد نور، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الرباط الوطني، في دراسة لها عن الفن البلاغي في نونية ابن زيدون، انها كانت
“مجتمعاً انفتاحياً الى حد السفور، لاهياً الى حد العبث، عاطفياً الى حد العشق، تبلور كمركز ثقافي مستنير، ياتي اليه الادباء والمثقفون من كل مكان، جالبين معهم ثقافاتهم وتاريخهم، ليمتزجوا ويكونوا ذلك المجتمع الراقي متعدد الثقافات”.
فالنونية كالاندلس: شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، ابرزها شاعرها كالقمر لينة تمامة، كما يصفها المقري التلمساني في “نفح الطيب”.
قصيدة ابن زيدون نُظِمت في زمن انهيار الخلافة الاموية بالاندلس وقيام عصر ملوك الطوائف، هذا الانهيار السياسي ادى الى نهضة ثقافية، يشير اليها ابوالوليد الشقندي في رسالته عن فضل الاندلس قائلاً:
“ولما ثار بعد انتشار هذا النظام ملوك الطوائف وتفرّقوا في البلاد، كان في تفرّقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد، اذ نفّقوا سوق العلم، و تباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان اعظم مباهاتهم الاّ القول، و ليس منهم الاّ من بذل وسعه في المكارم، ونبّهت الامداح من ماثره ما ليس طول الدهر بنائم”.
اقوال جاهزة
“من لبس البياض وتختّم بالعقيق وقرا لابي عمرو وتفقّه للشافعي، وروى قصيدة ابن زيدون فقد استكمل الظرف”
75 قصيدة لـ83 شاعراً حاولت محاكاة قصيدة الحب التي كتبها ابن زيدون، والتي تعرف بـ”النوينة”، فدامت شهرتها من العصور الوسيطة حتى اليوم
صوّر المستشرق الاسباني اميليو غارسيا غوميز الحياة الادبية والشعرية في هذه الحقبة بقوله: انّ الشعراء مضوا يقطعون الاندلس طولاً وعرضاً ينتجعون قصور الامراء، حيث يظفرون بالماوي والصِلات، ويحضرون مجالس اصحاب الامراء، وتدرج اسماؤهم في سجلّات الدواوين، وتُقرر لهم الارزاق، وتُخلع عليهم وظائف التّدريس”.
كما يضيف: “وكان كبار القوم من ملوك ووزراء واصحاب وظائف كبرى وسفراء ‘لا يتراسلون الّا شعرا’، بحسب ما نقل محمد احمد القضاة في كتابه “الشاعرات الاندلسيات في عصر ملوك الطوائف”.
وساعد على رواج النونية ايضاً مجتمع القرون الوسطى في العالم العربي، الذي كانت القصيدة تجوبه فتخضع للنقد والرد والاعجاب والرفض من الادباء او غيرهم، في مجالس الشعر المنتشرة في كل بلد.
فبمجرد سماع القصيدة تثار القرائح للرد عليها، او محاكاتها، او التفاعل معها عموماً، بالشعر والنثر او حتى بالنقد والبحث والتوثيق، ولازالت كتب التراث شاهدة على ذلك حتى الان، بحسب ما يوضح جلال عبدالغني في دراسته.
“النونية” ابنة الاندلس
تبدو الصور التي استخدمها ابن زيدون في القصيدة مستقاة من مجتمع الاندلس بطبيعته الخلابة وكذلك عروبته؛ فنجده يناجي الطبيعة التي تتميز بها الاندلس، حيث يطلب من المطر ان يسقي قصر حبيبته كما كانت تسقيه الهوى، وليسال المطر وهو في القصر، عما اذا كانت ولادة لا تزال تحبه ويؤرقها بعده ام لا:
يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القصر واسقِ به
من كان صرْف الهوى والوُدَّ يسقينا
واسالْ هُــنالك: هَـل عَنّــى تَذكُّرُنا
الفاً، تذكُّــرُهُ امسَـــى يعنّـيـنَــا؟
ثم يطلب من النسيم ان يبلغها تحيته، ويتمنى لو كانت حية ان تحَيٍّيهِ، مستخدما لفظة “حية” في جناس مع “التحية” كعلامة على اللقاء، حيث يعتبر ان في لقائهما حياة:
ويا نسيمَ الصَّبَا بلّغْ تحيّتنا
مَنْ لوْ على البُعْدِ حَيّا كان يحيِينا
اشتهر في الاندلس الاهتمام بالطبيعة في الاشعار، فتناول الشعراء الروض والحدائق والازهار، مع سبغة تماهي الاندلس مع الجنة نفسها، استخدم ذلك ابن زيدون وهو يصف جمال حبيبته، وكانه جزء من هذه الطبيعة:
يا روْضة طالما اجنتْ لواحظنا
ورْداً، جلاهُ الصِّبا غضّاً، ونسْرِينا
ويا حياة تـمـلّـينا، بـزهـرَتـها،
مُنـى ضــروباً، ولــذّاتٍ افـانينا
ويا نعِيماً خطرنَا، من غضارته،
في وَشْيِ نُعْمَى، سحبنا ذيله حينا
حياة النعيم والقصور في الاندلس، جعلت ابن زيدون يشبه جسد حبيبته باوصاف مترفة، فنجد جسدها الابيض البض مُصاغ من الفضة، وشعرها الاصفر ذهباً، وهي في كل تكوينها تفوح برائحة المسك، ويتمايل جسدها من ليونته:
رَبيبُ ملكٍ، كانّ اللَّه انشاهُ
مِسكاً، وقدّر انشاء الورى طينا
او صاغهُ ورِقاً محْضاً، وتوجهُ
منْ ناصع التّبرِ ابْداعاً وتحسينَا
اذا تــاوّدَ ادتــهُ، رفاهيةً،
تُومُ العقود، وادمتهُ البرى لينا
في القصيدة يعتبر “ابن زيدون” ان هذه الاجرام لها تاثير على جمال حبيبته؛ فهذه الشمس قد ارضعتها وهي صغيرة، ما انعكس على اشراق جسدها ونضارته، وتلك الكواكب اطلت بضيائها على هذا الجسد، فاصبح تاثيرها تعويذة تحميه من الحسد:
كانت لهُ الشّمسُ ظئراً في اكِلّته،
بلْ ما تجلّى لها الاّ احايينا
كانّما اثـبتتْ، في صحن وجنته،
زُهرُ الكواكب تعوِيذاً وتزيِينا
المجتمع الاندلسي العاطفي حد العشق كما وُصف، بدا على القصيدة، التي شاعت فيها اللوعة والعذاب، فهي تستهل بـ:
اضْحى التّنائي بديلاً منْ تدانينَا
وناب عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
تعبيراً عن تبدل حاله مع معشوقته من التداني (اي القرب وطيب اللقاء) الى التنائي (اي البعد والفراق).
وفي القصيدة تعبيرات قوية عن حال الشاعر الملتاع، ومنها التباكي على ما كان بينه وبين معشوقته:
فانحل ما كان معقوداً بانفسنا
وانبت ما كان موصولاً بايدينا
وقد نكون، وما يخشى تفرقنا
فاليوم نحن، وما يرجى تلاقينا
وكذلك:
حالت لفقدكم ايامنا، فغدت
سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا
وهو حين يصف حاله يعبر بعمق عن عذابه، فيصور نفسه دائماً في بكاء وعطش الى حبيبته، فلا تبتل جوانحه ولا تجف عيناه:
بنتم وبنا، فما ابتلت جوانحنا
شوقا اليكم، ولا جفت ماقينا
نكاد، حين تناجيكم ضمائرنا،
يقضي علينا الاسى لولا تاسينا
ومهما يفعل فلا شيء يلهيه عن حزنه، حتى الخمر والغناء:
ناسى عليك اذا حثت، مشعشعة،
فينا الشمول، وغنانا مغنينا
لا اكؤس الراح تبدي من شمائلنا
سيما ارتياح، ولا الاوتار تلهينا
وهو دائما على العهد لن يحب او يتمنى غير محبونته، مهما هجرته:
لا تحْسَبُوا نايكُمْ عنّا يغيّرُنا
انْ طالَما غَيّرَ النّايُ المُحِبّينا!
والله ما طلبتْ اهْواؤنا بدلاً
منكم، ولا انصرفتْ عنكم امانينا
نجد “ابن زيدون” لا يبوح باسم حبيبته، كعادة الشعراء، ولكنه غلّف ذلك بتكريم لها، ولان مكانتها، كما يقول، تغنيه عن تسميتها:
لسنا نُسَمّيك اجْلالاً وتكْرِمة؛
وقدْرُكِ المُعْتَلي عن ذاك يُغْنِينَا
وهو كذلك يستقي من صور القيامة والاخرة في روحها الاسلامية، ونلمح في القصيدة اكثر من بيت يحمل هذا المعنى، ومنها تصور الشاعر لقائه بحبيبته يوم الحشر، اذا لم يستطع فعل ذلك في الدنيا:
انْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ
في موْقفِ الحَشرِ نَلقاكُم وتلقُونا
قصيدة خالدة لقصة حبّ خالدة
ما سبق من معانٍ وغيرها، جعل النونية وشاعرها محط تحليلات وتفسيرات وتقييمات لا تحصى.
نقل بعضها جلال عبدالغني في دراسته، وترتكز جميعها حول اضافة “ابن زيدون” خصائصاً توسعية للكلام ومعانيه، وكذلك اهليته الفنية في التعبير عن الغاز مشاعره ومعتقداته، بالاضافة الى افكاره وخياله الخصب وصوره الملونة، وتكوينه المتماسك.
واعتبر البروفوسير الامريكي المتخصص في الادب العربي جيمس مونرو، ان ابن زيدون حول معاني الحب من مجرد مفاهيم سمعية الى صور واقعية ملموسة، مشيرا الى جهوده في خلق توافق بين الروح والجسد، و بين الواقعية والمثالية.
واعتبره علماء القرون الوسطى شاعراً ذا حس فني بارع، استطاع ان يضيف خصائص جديدة للابداع الشعري، ومنهم ابن بسام الشنتريني و ابوالعباس القلقشندي الذي اشار في كتابه “صبح الاعشى” لاحكام بن زيدون للغة، وتميزه بـ”سعة العبارة”.
والف صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي كتاب “تمام المُتون في شرح رسالة ابن زيدون” والتي قال فيها: شعره محمل بشاعرية وحساسية وبلاعيب، ويصعب على الاخرين الوصول اليه”.“من حفظها مات غريباً”: قصيدة الحب الاندلسية التي استعبدت القراء والشعراء عبر العصور

Scroll to Top