استقالة-زيدان.-كيف-تصنع-بابا-كبيرا-ثم-تخرج-منه؟

استقالة زيدان.. كيف تصنع بابا كبيرا ثم تخرج منه؟

اخبار اليوم الصحيفة, استقالة زيدان.. كيف اخبار اليوم الصحيفة, استقالة زيدان.. كيف

للتو لا زال الجميع في مدريد يحتفل بالثالثة عشر، الحديث هناك اما عن كاس دوري الابطال الذي لم يجد مكانه بعد في خزانة الالقاب، واما عن سوق الانتقالات وامكانية التعاقد مع نيمار او ليفاندوفيسكي واليسون وغيرهم، كل هذا كان حاضرًا وبقوة حتى اعلن ريال مدريد عن مؤتمر عاجل يجمع بين فلورنتينو بيريز وزين الدين زيدان.
وفي الثانية من ظهر الخميس ظهر زيدان بابتسامته الهادئة المعتادة، وبجواره جلس بيريز يعض الانامل وينظر اليه بحسرة وهو يعلن رسميًا الرحيل عن ريال مدريد بعد انقضاء موسمه الثالث في سانتياجو بيرنابيو، ليسدل الستار على اقصر انجح مسيرة في تاريخ كرة القدم.
امام الكاميرات
اعتاد زيدان على التحدث بما في قلبه في اشد الاوقات غضبًا، كثيرًا ما تحدث بانه ليس قلقًا في الوقت الذي غضب فيه الجميع من سوء النتائج والاداء، حتى في الامور الصدامية كقضية الممر الشرفي لبرشلونة فضل زيدان ان يعلن انه لن يحدث وبامر شخصي منه، اشياء تخبرنا ان زيدان غالبًا ما يتفوه بما يشعر، وان الابعاد الخفية وراء حديثه لا تكون خفية في اغلب الاوقات، حتى وان اقتضت بعض المواقف ذلك احيانًا.
خرج زيدان ليعلن اسبابًا دبلوماسية وراء قراره؛ فقط انه شعر بعدم القدرة على طلب المزيد من اللاعبين او تقديم المزيد كمدرب، وبكلماتٍ دبلوماسية ايضًا تحدث بان رحيله كان حبًا للنادي الذي يعشقه منذ الطفولة، وانه ليس متعبًا كما يشار ولكن الامر فقط في انه يعتقد ان هذا هو الوقت الامثل للرحيل.
الامر لم يقتصر على مثل هذه الاشياء التي تحدث في اي مؤتمر وداعي، زيدان اسقط كلماته على بعض الاشياء التي يمكن من خلالها استنتاج سببٍ من اسباب قراره؛ اسقاطات زيدان شملت حديثه حول معاناة الفريق في كثير من اللحظات خلال الموسم المنصرم، وكذلك تحديد لحظة الخروج من كاس الملك على يد ليجانيس كاسوء لحظة على الاطلاق، الامر الذي يعطي اشارة لان زيدان لم يكن راضيًا عن الموسم بالشكل الذي تشعر به الجماهير، وانه يعلم انه لولا تعثر اولرايتش واخطاء كاريوس وبعض التفاصيل الاخرى لكان موسمه صفريًا، ولكان قرار الاستقالة اجباريًا وليس اختياريًا ربما، حتى ولو كانت الجماهير لا تحب قول ذلك ايضًا.
هل كان موسم 2018 ناجحًا لزيدان؟
سؤالٌ كان مطروحًا بقوة حتى ليلة السادس والعشرين من مايو، بعدها امسى سؤالًا محرمًا فقط لان ريال مدريد رفع ذات الاذنين للمرة الثالثة على التوالي، وكما اسلفنا لا احد يهتم بالتفاصيل حتى لو اهتم بها صاحب الانجاز نفسه، زيدان اهتم بالاستمتاع برفع كاس الابطال ولكنه علم في قرارة نفسه ان الامور ليست على ما يُرام، ورُبما قرا منها مستقبلًا مشابهًا دفعه لاتخاذ هذا القرار وهو في اوج عطائه، تمامًا كما فعل حينما وضع حذاءه واعلن نهاية مسيرته كلاعب وهو في اوج العطاء.
“افضل لحظة لي مع ريال مدريد هي التتويج بلقب الدوري في 2017” كلمة قيلت في لحظة الوداع بعد ايامٍ من الاعتراف بان تحقيق لقب الدوري اصعب من تحقيق دوري الابطال، امور تبدو بديهية للمدرب نظرًا لانه يعلم ان صعوبة المنافسة على مدار 8 اشهر اكثر بالتاكيد من صعوبتها في 7 مباريات تعتمد على خروج المغلوب، ولكنها بالتاكيد غير محببة للمشجع، او لكي نكون اكثر دقة هي امور غير محببة للمشجع الذي فاز فريقه بدوري ابطال اوروبا، على الرغم من كون نفس المشجع من اكبر اعداء المدرب قبلها باسابيع لنفس السبب تقريبًا، ولكن لكي لا نعيد حديثًا مرة اخرى يكفي اعادة القول بان الجميع ينسى التفاصيل.
سؤال اخير في هذا الصدد؛ وهل كل ما تم سرده يعني بان الموسم كان فاشلًا؟! الاجابة حتمًا لا، بطل اوروبا لا يمكن ان يكون موسمه فاشلًا باي مقياس كان، القضية فقط ان هناك خلط في المفاهيم لدى البعض بين الاقناع والاستحقاق والجودة والنجاح، اشياء ادركها زيدان وربما كانت سببًا في تعزيز قراره الذي استغرق منه الكثير لكي يتخذه ولم ياخذ وقتًا من اجل تنفيذه على حد قوله في المؤتمر،
وهو ما يعني انه لم يكن وليد اللحظة، وما يثبت ايضًا صحة كون تراكمات الانتقادات والخيبات طوال الموسم عززت من احتمالية اتخاذ هذا القرار تدريجيًا حتى وصل زيدان الى الوقت المناسب لاتخاذه، ولحسن الحظ انه اتى بعد دوري الابطال الثالث على التوالي ليصبح خروجًا من الباب الكبير.
عن صحوة 2017 التي لم تاتِ
على مدار الموسم كاملًا حدث تقريبًا هذا الموسم ما حدث في الموسم الذي سبقه، ريال مدريد يدخل الموسم بطلًا لاوروبا ويبدا بداية قوية ثم يتعثر في وسط الموسم ويدخل في دوامة من الانتقادات، تنطلق المطالبات برحيل زيدان ويصبح هو المتهم الاول، ثم يعود ليتصدر المشاهد الختامية في النهاية ليرد على المنتقدين ويعود بطلًا كما بدا موسمه.
ولكن الاختلاف هنا كان في التفاصيل التي اجزمنا انها تُنسى، بين موسمٍ وما تلاه لم تكن الامور مُشابهة في تفاصيلها على الرغم من تشابه الناتج النهائي كثيرًا، في 2017 بداية من مباراة نابولي في دور الستة عشر من دوري الابطال بدا النسق المدريدي في التصاعد، حتى تصاعد بشكلٍ مخيف بداية من ربع نهائي البطولة، وعلى مستوى الدوري ودوري الابطال انطلق ريال مدريد متلاعبًا بخصومه لا يفرق بين صغير بينهم وكبير، ولا يفرق حتى بين اسماء لاعبيه الاساسيين والاحتياطيين لان الجميع يقدم نفس المستوى الخيالي، اداءٌ ونتائج وارقام وافضل مستوى كفرديات وكفريق قياسًا بالجميع في اوروبا بلا استثناء، لا يوجد احد يستطيع ان يقول بان هناك فريق كان افضل من ريال مدريد في هذه الفترة.
هذا الموسم اختلفت الامور قليلًا، او رُبما ظلت الجملة كما هي واعيدت صياغتها فقط، فلم يكن ريال مدريد افضل من اي فريق هزمه او انهزم امامه في المواجهات الحاسمه، ولكن ظروفًا كُثر حسمت صعوده الى قمة اوروبا، وفي حال حافظ اولرايتش على توازنه او ابتعد بنعطية عن تهوره او حتى ترك نيمار الاستعراض قليلًا لكان موسم ريال مدريد كارثيًا بكل المقاييس، تخيل ان هناك ما لا يقل عن خمسة عشر لقطة مثلًا واحدة منها فقط كانت تكفي لجعل بطل اوروبا يخرج بموسم كارثي، والجميع يعلم انه في عرف الكرة لا يوجد موسم تاريخي يفسد بلقطة واحدة تستطيع محو كل ما تحقق خلاله.
خلف الكواليس
عادة ما تكون الدورة الطبيعية لاي موضوع يتم مناقشته هو استعراض النقاط المعلنة بداية، ومن ثم التمحيص داخل خباياها، وبعد استعراض كل الامور التي تفوه بها زيدان او بيريز او جماهير ريال مدريد والربط بينها وبين بعض المعطيات التي حدثت خلال الموسم المنصرم وخلال ولاية زيدان كاملة، بقي سؤالٌ واحد؛ ما الذي يجزم بان كل هذا صحيح، وان زيدان لم يرحل بسبب مشاكل مع بيريز بخصوص موسم الانتقالات او ما الى ذلك؟!
زيدان يرفض نيمار في الوقت الذي يريده بيريز، (6) زيدان يتمسك برونالدو في الوقت الذي تشير تصريحات كرستيانو فيه بعد نهائي الابطال الى وجود مشكلة بينه وبين بيريز، (7) ريال مدريد لم يجرِ صفقة تجارية منذ التعاقد مع خاميس في 2014، وجود بند في عقد زيدان يجعله المتحكم الاول في سوق الانتقالات، ومواسم ثلاثة اكتفى خلالهم بكلمة “لدي مجموعة جيدة من اللاعبين ولا احتاج الى اخرين”، بينما اعتاد بيريز ان يحتاج الى اخرين ايًا كانت وضعية الفريق، اليست كلها معطيات تثير الشكوك حول ديل بوسكي جديد، الرجل الذي رفض اوامر بيريز بالتعاقد مع بيكهام واوين واصر على الاحتفاظ بماكيليلي و وريدوندو و موريانتس ليجد نفسه خارج اسوار البيرنابيو، (8) كلاهما كان في نفس الوضع تقريبًا، حقبة تاريخية وتوقعات بالاستمرار لسنوات قادمة، ولكن لحظة الصدام مع بيريز حانت لتنهي كل شيء، وفي حالة ديل بوسكي كانت الامور واضحة ولم يحاول الطرفان اخفاء اي شيء، فهل يكون زيدان هو ديل بوسكي اخر ويكون الاختلاف فقط متعلقًا بالتعتيم حول الاسباب الحقيقية منعًا للانهيار الذي قد يسبب فترة فراغ كالتي حدثت بعد ديل بوسكي؟ نظريةٌ تستحق الدراسة او على الاقل لا يمكن ان توضع جانبًا.
رُبما تقل احتماليتها قليلًا بسبب الظروف المحيطة ولكنها تظل موجودة، تقل احتماليتها بسبب الاجتماع الذي كان مقررًا بين بيريز وزيدان وخوسيه انخيل سانشيز من اجل مناقشة خطة الميركاتو، (9) لا مهلًا، بل تزيد بسبب هذا الاجتماع بسبب وجود احتمالية لان يكون الصدام حوله في الاساس، ولكنها تقل بسبب ملامح بيريز الحزينه، بل تزيد بسبب ملامح بيريز الحزينة نظرًا لانه اضطر للدخول في صدام مع مدرب يعلم ان تعويضه حاليًا ليس سهلًا، او من الممكن ان تقل احتماليتها لان القرار جاء من زيدان نفسه وليس من بيريز، لا بل ان ذلك يثبت العكس لان بيريز لم يكن يستطيع ان يواجه الجماهير باقالة مدرب حقق افضل انجازات في تاريخ النادي، فبالتالي كان عليه الصاق الامر بزيدان واللجوء الى الاقالة الخفية، الحقيقة ان كل العوامل الموجودة تثبت الراي ونقيضه، وهنا لا نستطيع ان نجزم بشيء الا ان الامر خارج عن رغبة احد الطرفين، ولكن الاولى هو ان يتم بناء وجهة النظر على ما حدث في العلن، مع الاخذ في الاعتبار بما هو كائن خلف الكواليس.
وبين هذا وذاك وهنا وهناك، يظل زين الدين زيدان هو الطرف الرابح في كل المعادلات المحتملة، وهو الطرف الاذكي كذلك، ففي حال كان الامر كما اعلن هو واتى الرحيل شعورًا منه بعدم قدرته على اضافة المزيد فهو ذكاء بان ترحل وانت فوق القمة، وقبل ان تمحو الخيبات المحتملة ما تحقق من انجازات، اما في حال كان الامر اقالة خفية من بيريز بسبب الصدام حول الصفقات او غيرها فهي شجاعة من زيدان بان يرفض شروط بيريز التي رضخ لها الكثير غيره، وان يرفض تحمل نتائج قرارات لم يقم هو باتخاذها، ولان كل الظروف تشير انه الاذكى كما اشارت يومَ ان كان لاعبًا، فمن الممكن ان نعلن الان ان زين الدين زيدان من اذكى من مروا على كرة القدم في تاريخها، وهو سرٌ اضافي من اسرار نجاحه التي لا زالت مبهمة للبعض ممن يربطونها بالحظ فقط.استقالة زيدان.. كيف تصنع بابا كبيرا ثم تخرج منه؟

Scroll to Top