اخبار اليوم الصحيفة, العثمانيون ضد المماليك.. اخبار اليوم الصحيفة, العثمانيون ضد المماليك..
تبدو العلاقات بين مصر وتركيا في الاونة الاخيرة على صفيح ساخن، ففي حين تتجه مصر الى التعاون العسكري والاقتصادي مع اعداء تركيا في الشمال، قبرص اليونانية واليونان، وتدشن الدول الثلاث مناورات عسكرية على مقربة من السواحل التركية، ثم التعاون الاقتصادي لا سيما في التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، تتجه تركيا الى اتخاذ الاستراتيجية ذاتها في تعاونها العسكري مع السودان والصومال، معززة من قوتها في البحر الاحمر الذي يعد البوابة الجنوبية للامن القومي المصري. هذا فضلا عن اشتباك الجانبين واختلاف وجهات نظرهما في الجغرافيا الاقليمية في الخليج العربي ووجود تركيا العسكري في قطر، بينما تقف مصر في معسكر الامارات والسعودية والبحرين في الناحية المقابلة. لذلك فالتقرير التالي يستعرض اثر الجغرافيا في تحركات القاطنين لهاتين المساحتين.
ويبدو ان التاريخ يعيد نفسه، وان للجغرافيا السياسية احكامها، حين كان للفريقين قوتهما العسكرية والسياسية في عالم العصر الوسيط، ففي حين كانت مصر مقرا لدولة المماليك التي حكمت مصر والشام والحجاز وجنوب الاناضول، كان العثمانيون يتمددون في مناطق النفوذ السياسي المملوكي مما ادى الى الصراع العسكري بينهما في دولة السلطان الاشرف قايتباي (872 – 901م/1468- 1496م).
حين تمكن السلطان قايتباي من هزيمة العثمانيين في ثلاث معارك فاصلة خلال مدة حكمه، لكن الوضع السياسي والاقتصادي لمصر تغير بعد وفاته، وكان تمدد الصفويين وموقف مصر من الصراع بين الصفويين والعثمانيين سببا في نقمة العثمانيين وتغير معادلة السلام الى العداء والمواجهة..يُحكى ان اول ما قام به السلطان العثماني سليم شاه بعد انتصاره على الصفويين في معركة جالديران، كان بدء مناوشات بامارة دلغادر التركمانية التي كانت تتبع السيادة المملوكية في جنوب الاناضول، ثم ما لبث ان تمكن من قتل كبار الاسرة الدلغادرية، واحتلال هذه الامارة وجعلها تابعة للعثمانيين بدلا من المماليك، وعدّ المماليك في مصر ذلك عملا عدوانيا يستلزم الرد، ولم يتوقف السلطان سليم عند ذلك، بل ارسل رؤوس الدلغادرية الموالين للمماليك الى السلطان قانصوه الغوري في القاهرة، فلما راهم السلطان الغوري على هذه الحالة استنكر هذه البشاعة قائلا: “ايش ارسلِّي هذه الرؤوس؟! هي رؤوس ملوك الفرنج انتصر عليهم حتى اَرسلَهم لي؟!”([1]).
كان صلح عام 896هـ/1490م بين السلطان المملوكي الاشرف قايتباي والسلطان بايزيد العثماني بعد حروب وصراع بين الطرفين على مناطق جنوب الاناضول قد اعاد الوئام
والسلام بين اقوى دولتين في ذلك العصر، حتى ان السلطنة العثمانية قد ساعدت المماليك على تدعيم اسطولهم البحري بالامدادت العسكرية واللوجستية والفنية اللازمة
في ما بعد لمواجهة الاخطار البرتغالية التي كانت تتفاقم في جنوب البحر الاحمر وبحر العرب([2]). وباعتلاء السلطان سليم شاه بن السلطان بايزيد العرش سنة 1512م/917هـ فان المعادلة قد تغيّرت بصورة كلية، فلماذا تغيرت السياسة العثمانية تجاه المماليك من الصفاء والصداقة الى العداء والتربص؟ وكيف كانت خطة السلطان سليم تجاه المماليك بقيادة سلطانهم انذاك الاشرف قنصوه الغوري؟ وكيف كانت ردة فعل المماليك على هذا العداء العثماني المتنامي؟
الصفويون العدو الثالث!
بلغت الدولة العثمانية في اوائل القرن السادس عشر نقطة يمكن وصفها بمفترق الطرق؛ ففي اوائل القرن السادس عشـر كان العثمانيون تمكنوا من السيطرة على كامل اسيا الصغرى والبلقان، بل واستطاعوا الوصول الى اواسط اوربا، وعندئذ صار امامهم ان يختاروا بين امرين، اما الاستمرار في التوسّع في اوربا على حساب الاوربيين المسيحيين مما اضفى على حركتهم التوسّعية في ذلك الاتجاه طابع الجهاد الديني، واما الاكتفاء بما اصابوه من تقدّم في وسط اوربا اوصلهم الى مدينة فيينا ذاتها، والتوسّع شرقا على حساب الدول الاسلامية المجاورة([3]).
وكان ان اختار السلطان سليم العثماني الاتجاه الاخير، لا سيما وان الخلاف المذهبي والسياسي كان على اشدّه بين العثمانيين السنة من ناحية والصفويين الشيعة الذين ورثوا مناطق شاسعة في العراق وفارس وجنوب الاناضول واذربيجان، بل توغّلوا في الاراضي العثمانية لتاديب بعض الامارات التركمانية مثل امارة ذي القدر، وشرعوا في الدعاية لدولتهم وللمذهب الشيعي الاثني عشـري الذي دانوا له بالمرجعية والاعتقاد، وتدخّلوا في الخلافات على العرش العثماني سنة 1512م بين سليم واخيه الاكبر احمد ووقفوا بجوار هذا الاخير، لذا لم يجد السلطان سليم بُدا من مواجهة ذلك الخطر الخلفي المحدق([4]).
السلطان سليم الاول
وعلى الرغم من ان مصـر المملوكية كانت مقر اقامة الخليفة العباسي، وتقع في نطاقها المدن الاسلامية المقدسة مكة والمدينة والقدس، والمؤسسات الاسلامية الكبرى كالجامع الازهر، فانها كانت بالنسبة للشاه الصفوي مسالة ثانوية؛ ذلك انه كان يدرك انه عندما تتضعضع الدولة العثمانية فسوف تضمحل دولة المماليك، والعكس ليس صحيحا، وكان يعلم ان الدولة المملوكية في حالة انحطاط وفي فترة تدنٍّ، او هي على اقل تقدير فقدت حيويتها، اما العثمانية فانها تعيش فترة حيويتها، مستهدفة اقامة الدولة العالية([5]).
وهكذا بعدما تخلّص السلطان سليم من اخوية الكبيرين اللذين نازعاه العرش احمد وقرقود بقتلهما سنة 919هـ/1513م، شرع في التجهيز لتاديب الصفويين الذين استغلوا الصراع بين الاخوة العثمانيين بالدخول في اراضي الاناضول واحتلال اجزاء منها، وبالفعل وقعت معركة جالديران الشهيرة بين الطرفين سنة 1514م/رجب920هـ بالقرب من تبريز عاصمة الصفويين، وفيها سُحق الصفويون، وسقطت عاصمتهم في يد السلطان العثماني، واسفرت هذه المعركة عن نتائج مهمة، على راسها انتقال الاناضول الشـرقية والجنوبية الى سيادة السلطنة العثمانية، ولم يتبق الا القسم الجنوبي الخاضع للسيادة المملوكية([6]).
اوراق الفريقين في حلبة الصراع!
كان المماليك في ذلك النزاع الصفوي العثماني يقفون على الحياد على المستوى العسكري، لكنهم على المستوى السياسي كانوا اقرب الى مناواة السلطان سليم شاه العثماني؛ حيث انهم رفضوا عرض السلطان سليم بالدخول في تحالف ضد الصفويين، بل اتفق الغوري مع كبار امرائه على “ان العسكر لا يدخل بين الفريقين حتى يبدو من احدهما الغدر الى عسكر مصـر.. وانفضّ المجلس على ما ذكرناه من خروج العسكر من مصر ويقيم بحلب يُحصّنها من العدو حتى يكون من هذه الفتنة التي بين ابن عثمان وبين الصوفي ما يكون”([7]).
لم يكتف المماليك بموقف الحياد؛ فقد اووا ونصروا الامير قاسم بن الامير احمد بن بايزيد، وهو ابن ولي العهد العثماني الذي قتله السلطان سليم سنة 919هـ، ويذكر ابن زنبل الرمال -مؤرخ تلك الحقبة- ان الغوري اوى الامير قرقود اخو السلطان سليم، “واستجار بالغوري فاجاره، فارسل السلطان سليم يطلبه من الغوري فابى ان يمكّنه منه، فاشتدّت العداوة بين الغوري وبينه حتى وقع ما وقع”([8]).
في المقابل استمال سليم عددا من الخونة في الصفوف المملوكية وعلى راسهم نائب (والي) حلب الامير خاير بك ونائب حماة الامير جان بردي الغزالي، هذان الاميران كشفا مكامن ضعف المماليك، وهوّنا على سليم غزو السلطنة المملوكية وهم راس حربتها في مواجهته، تزامن ذ لك مع ضعف السلطنة المملوكية ورؤية سليم انه الاحق بالسيطرة على قلب العالم الاسلامي ومقدّساته([9]).
ولعل ابرز مظاهر النظرة السلبية المملوكية في مصر والشام تجاه سليم انهم لم يُظهروا مظاهر البهجة والفرح عندما ارسل سليم سفيرا من قبله الى المماليك في القاهرة يُبشّـرهم بالانتصار على الصفويين، بعكس ما فعله سابقا السلطان المملوكي الاشرف اينال حينما اظهر الفرح والسرور عندما فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، فـ”لم يُنادَ في القاهرة بالزينة لاجل هذه النصـرة، ولم يُعلم ما سبب ذلك”،([10])
على حد توصيف ابن اياس المعاصر لتلك الاحداث.
ويبدو ان السبب في حنق السلطان سليم على المماليك تلك الاخبار التي كانت تاتيه عن الاتصالات السرية بينهم وبين الصفويين في ايران، والحق ان ابن اياس اشار الى تلك المراسلات السرية بين الجانبين عرَضا، وذكر في حوادث ربيع الثاني سنة 922هـ ان سفير الاشرف قانصوه الغوري قد عاد من غيبته الطويلة الى الشاه اسماعيل الصفوي.
قال ابن اياس :”وفي يوم الاحد تاسعه [ربيع الثاني 922هـ/11 مايو 1516م] حضر الى الابواب الشريفة العجمي الشنقجي، نديم السلطان الذي كان قد توجّه بافيالٍ الى نائب الشام ونائب حلب، وقد ابطا مدة طويلة حتى اشاعوا موته غير ما مرّة، فظهر ان السلطان كان ارسله الى شاه اسماعيل الصوفي في الخفية في خبر سر للسلطان بينه وبين الصوفي، كما اُشيع بين الناس بذلك”([11]).
فاذا كان قد اشيع بين العامة في القاهرة ان ثمة مراسلات سرية بين الصفويين وقانصوه الغوري، فليس من المستغرب ان تصل الى مسامع السلطان العثماني تلك الاخبار، ويرى اماراتها واضحة. كان اول ما قام به السلطان سليم العثماني بعد انتصاره على الصفويين، هو التحرش بامارة دلغادر التركمانية التابعة للسيادة المملوكية في جنوب الاناضول، ثم ما لبث ان تمكن من قتل كبار الاسرة الدلغادرية، وعدّ المماليك ذلك عملا عدوانا يستلزم الرد، ولم يتوقف السلطان سليم عند ذلك، بل ارسل رؤوس الدلغادرية الموالين للمماليك الى السلطان قانصوه الغوري، فلما راهم السلطان الغوري على هذه الحالة استنكر هذه البشاعة قائلًا “ايش ارسلِّي هذه الرؤوس؟! هي رؤوس ملوك الفرنج انتصر عليهم حتى ارسلهم لي؟!”([12]).
كان ارسال رؤوس القتلى من امارة دلغادُر الموالين للمماليك رسالة قوية من السلطان سليم الى السلطان قانصوه الغوري مفادها حتمية الصدام، وكان المماليك على يقين انهم لا يقدرون على المواجهة مع القوة العثمانية الظافرة والصاعدة، لذا حينما راى السلطان الغوري وكبار الامراء رؤوس امراء دلغادُر بين ايديهم مقطّعة اضطربوا للغاية، فـ”ابن عثمان يقصد في الباطن اثارة فتنة كبيرة بينه وبين السلطان، واظهر التحرّش بالسلطان، فتح باب الشرّ، فتنكّد السلطان في ذلك اليوم الى الغاية”([13])!
وهذه الاشارة المهمة تكشف ان جماهير الناس كانوا يميلون في تلك الاونة الى الدولة العثمانية نتيجة الظلم والمعاناة التي كانوا يجدونها على يد الامراء المماليك الذين كان همهم الاكبر جمع المال، وفرض الضرائب.
السلطان المغيب!
وعلى الرغم من ان رسائل الاستغاثة كانت تتوالى من الشام وحلب الى القاهرة للتعجيل بارسال حملة عسكرية قوية لردع العثمانيين، فان تباطؤ السلطان الغوري كان الرد المقابل، وكثيرا ما تجاهل هذه المصائب التي كانت “تُكدّره” بالانغماس في اللهو و”الانشراح” على حد قول ووصف ابن اياس، فتارة يتجّه الى قبة يشبك الدوادار في المطرية “حدائق القبة اليوم شمال القاهرة” ليلهو مع عدد من ندمائه في احتفالات مليئة بالغناء واللهو والطرب، وتارة يتجه الى المقياس بجزيرة الروضة يستمتع وحاشيته بمياه النيل الرقراقة، والمادب الحافلة، وربما لعب مع حاشيته هناك حتى ابتلّت ملابسه بالماء والطين كما يصف لنا المؤرخون([15])!!
في الجهة المقابلة كان السلطان العثماني سليم شاه متحفزا للقضاء على المماليك، يُعد العدة والخطط لذلك، ويُخبرنا ابن اياس -اهم مصدر لتلك الحقبة- بان احد مماليك وعساكر الاشرف قانصوه الغوري هرب الى السلطان سليم من مصر بسبب خلاف بينه وبين السلطان الغوري، فقرّبه السلطان العثماني، وعلم منه كافة مكامن الضعف والفساد في مصـر.
اخبر المملوك السلطان العثماني “بامور من افعال السلطان من ابواب المظالم، واخبره ما احدثه على السوقة من امر المشاهرة (ضرائب شهرية)، والمجامعة على ارباب البضائع من المال المقرر عليهم في كل شهر، واخبره بامر الغشّ الذي في المعاملة في الذهب والفضّة، واخبره باشياء كثيرة من هذا النمط عن احوال مصر، حتى اخبره بجملة عساكر مصر وما يشتملون عليه، واخبره عن امر قضاة مصـر قاطبة وانهم ياخذون الرشوة على الاحكام الشـرعية، وحسَّن له ان يمشـي على بلاد السلطان، وسهّل عليه ذلك الامر، فعرَّفه كيف يُرسل مراكب على الاسكندرية ودمياط، فعند ذلك طمعت امال ابن عثمان بان يملك مصر”([16]).
السلطان قنصوه الغوري
على ان سكوت السلطان الغوري عن هذه الفاجعة كان سببا في سخط عدد كبير من الامراء المماليك الذين راوا المناطق الشمالية من سلطنتهم تسقط في يد العثمانيين دون رد مملوكي مناسب لهذا الاعتداء، ومن قبل كان السلطان الاسبق الاشرف قايتباي يتحرّك ضد العثمانيين لاقل من هذا، لذا واجه عددٌ من الامراء السلطانَ، “وخاشنوه في الكلام وقالوا له: يا مولانا السلطان غالبُ البلاد الحلَبية خرجت من ايدينا وصارت بيد ابن عثمان، وخُطب له فيها باسمه، وضُربت له السكّة (النقود) باسمه، وشرع في بناء برج عند عقبة بُغراص، واخر عند باب الملك (جنوب الاناضول)، والسلطان يده في الماء البارد، وفسدت احوال المملكة، وغالب الرعية بحلب وغيرها -من ظلم النوّاب وجورهم- بيميلوا الى ابن عثمان لاجل عدله في الرعية، وهذه الاحوال غير صالحة. فشقَّ عليه كلام الامراء وكظم لذلك»([14]).
حاول الاشرف قانصوه الغوري وبعض نوابه في بلاد الشام التفاوض مع السلطان سليم حول اعادة تسليم القلاع والمدن التي استولى عليها العثمانيون من امارة دلغادر جنوب الاناضول، وردّها الى السيادة المملوكية، لكن سليم ردّ على هؤلاء الحالمين بقوله: “انا ما اخذتُ هذه القلاع الا بالسيف وما اردُّهم الا بالسيف”. وقد اخبر السفير المرسل اليه ان السلطان العثماني “ما هو راجع عن التوجّه الى حلب والشام، وحدّثته نفسه باخذ مصر، وهو في عمل عظيم، وجهّز مراكب في البحر ليجيء على اسكندرية ودمياط. فلما سمع السلطان ذلك تنكَّد واجتمع هو والامراء في ضرب مشورة بسبب ذلك”([17]).العثمانيون ضد المماليك.. التاريخ يعيد نفسه بين مصر وتركيا
