اخبار اليوم الصحيفة, غناوة العلم.. شعر اخبار اليوم الصحيفة, غناوة العلم.. شعر
والصبر ما قضى حاجات .. مليت والرجا بابه قفل
“الغِنّاوة” هي قصيدة البيت الواحد المُلغِز المشحون بالمشاعر، مُجَهّلة النسب (وفقا لاعراف القبيلة) عند العرب القيسيين (المغاربة) في بلاد طبرق بليبيا، والشرقية وغرب النيل بمطروح والفيوم بمصر. وقد حظي هذا التقليد الادبي والشعري بجهود بحثية من رحالة واساتذة ادب وفولكلور.
و”العَلَم” هو الجبل العالي او المنارة، لكنه هنا محبوب يستحيل الوصول اليه: امراة شريفة وجميلة عالية القدر بعيدة المنال صاحبة عقل وادب، او رجل مشهور كريم وبطل وشهم.
والغناوة رسالة وجدانية موجهة الى معشوق مُضمَر، يطلق عليه توريةً “عَلم”، يتوجه اليه الخطاب الشعري بالشكوى والنداء والاخبار؛ ويكنّى عنه بـ”عَلَم” يعرف نفسه فلا يحتاج تعريفا.
تقول استاذة الادب العربي في جامعة “اريزونا” ميرال الطحاوي -للجزيرة نت- ان الغناوة مشحونة بدلالات تعبر عن قسوة الفراق، وتتغزل بلا فحولة، وتصف مشاعر الفقد والرجاء والتفجّع والبكاء ورثاء الذات، وتصوّر لوعة الحب ومواجعه كداء لا شفاء منه الا بالصبر، مما جعلها اقرب وجدانيّا الى
خطاب النساء الشعري في التعبير عن الفجيعة والرثاء في الشعر الكلاسيكي والشعبي (العَدِيد).
خطاب شعري موازٍ
بدورها تقارن الباحثة الاميركية ليلى ابو الغد، الغناوة شكلا وبلاغةً بشعر “الهايكو” الياباني، لكن تجدها اقرب الى “البلوز” الاميركية ذات الاصول الافريقية، من حيث المحتوى والرقة والعاطفية.
ويُقارَن تعبير الغناوة عن هشاشة الذات الانسانية (خاصة النسوية) وحزنها، شكلا واداءً، بـ”اللاندي”، اي شعر قبائل الباشتون الافغانية الغزلي “الوجيز”.
كذلك، هناك “التبراع” او الشعر الحساني النسائي بالمغرب، وتبدعه الحسانيات تغزلا بالرجل، في سرية وكتمان وتقييد للتداول بحكم الاعراف البدوية. و”التَّبْريع” كالغناوة بيت شعر من شطرين بنفس الوزن والقافية.
وتمثل هذه الانماط خطابا شعريا موازيا يعبّر عن هامش اجتماعي غير رسمي: عشاق تعساء، رجالا ونساء. وهو كذلك شعر الحياة اليومية والعاطفية للمهمشين، وشعر يختصر تجربة شعورية عميقة في سطر شعري مكثف.
تلاحظ استشارية الطب النفسي المهتمة بالنقد الفني والفلكلور، نهلة الابياري -في حديث للجزيرة نت- سماتٍ مشتركة في منتج مشترك من ثقافات مختلفة، نظرا لعوامل اجتماعية وثقافية متشابهة.
وتشبهه باجناس غزل قصير يجمع بينها كتمان المشاعر خاصة للنساء وانعدام حرية التعبير لديهن، فلا سبيل لبث المشاعر الا باسلوب ملغز شديد الايجاز، وكان الشاعر يرغب في انهائه باقصى سرعة قبل ان يُنسب لصاحبه.
علم وسلطنة
ارتبط فنّ “العَلم” بمُحِب اسطوري مترحل في الصحراء، يسمى “عَلم”، مر بقصر مغلق الابواب، بقفل كبير، مكتوب عليه:
مفتاحه مع لولاف العين .. قفلها صاك يا علم
اي باب قلبي موصد يملك مفتاحه محبوب (لولاف) صادق يا علَم.
كان ذلك القصر لاميرة صحراوية اسمها “سلطنة”، فتعلق قلب المحب الاسطوري المرتحل بالاميرة المُحتَجِبة، وبمراسلة شعرية بالغناوة، حاول العاشق ان يخطب ودّها ويبثها تحنانه ورجاءه.
فتستجيب الاميرة لمراسلاته بابيات موجزة على شاكلة رسائله. فـ”عَلم” هو العاشق بطل المراسلة الشعرية، و”سلطنة” اميرة بعيدة المنال، تغلق ابواب قصرها دون وصاله، لكنها تفتح قلبها لمشاعر حب تشعلها نيران الفقد والحرمان.
العقل والعين
تلاحظ الطحاوي ان شاعر الغناوة المجهول غالبا ما يعبر في شكواه عن ذاته باستخدام لفظ “العقل” ان كان رجلا، او “العين” و”الدمع” ان كانت امراة.
غلاك، لا تخاف عليه .. مصيون بين عيني وهدبها (غلاك: محبتك)
يكسيها ضباب الياس .. العين وين ما راق جواها
(يكسو عيني ضباب الياس كلما خطر ببالي طيف الحبيب)
العقل لا تزيد عليه رقيق .. عَزِم بكّاي يا علم
(عقلي ضعيف كثير البكاء فلا تزده وجعَا يا محبوب)
العين غارقة في الياس .. وتقول يا نصيبي جيبهم!
(التمني لا يجدي بعد ان غرقت النفس في الياس)
على رجاك نين تموت .. العين يا علم بات رايها
(نين: حين/حتى. ستبقى العين ترجو لقاءك حتى الموت)
الموح والجِضَر والياس
تتناول الغناوة موضوعات محددة لا تغادرها: النار، الغلا، الصوب، الخطا، الموح، البكا، الصبر، العَلم، العزيز، المرهون، العين، اللوم، الجرح، الياس، لولاف، العيب، الدمع، العنا، القدر، الخاطر، الغنى، العقل، السريب.
وقد تتقاطع معانيها. فالغلا والصوب: محبة، والعَلم والعِزيز ولولاف والمرهون: محبوب. والموح والسريب: فراق. والنار والبكا والجرح والدمع والعنا: اوجاع. والعين والخاطر والعقل: ذات معذبة.
لكن ثلاثي الموح (الفراق) والجِضَر (القدر) والياس (الياس) هم العدو الاول للمحب كُتِب عليه معاناتها:
ثلاث ذابلاتِ الروح .. تمويح دار ورياف وجِضَر
الموح والجضر والياس .. مكتوب لي نعاني كيدهم
الموح والجضر والياس .. اثلاث في غلانا يقسموا
فهي مفاتيح اساسية حاضرة دلاليا في صيرورة العشق المستحيل، لا يملك العاشق امامها الا التسليم. وتغدو اللوعة والالم والشقاء جوهر تجربة العشق. تقول الغناوة:
القدر هو جار الصوب .. اللي عليه يا عين البنا
(القدر قرين المحبة ويقرر مصيرها)
الاستسلام للفراق صورة متكررة في الغناوة، فالشاعر يتصبر بايمان مطلق ان ذلك قدر لا يمكن تحديه، ويُسَمّى ذلك “اقسام”، اي قسمة ونصيب قدرهما الله لخلقه:
قلت له: فيها ما قضى الله ما ترى .. عليّ وهل في ما قضى الله من رد؟
اتريد يا عزيز تخيب .. وتعاتب على شيء ما قسم؟
يتمظهر التسليم في نصوص تتحدث عن الصبر، وعدم جدوى الشكوى، والتضرع لله ليُنزِل الصبر على المحب الذي كتب عليه الياس من وصال محبوبه:
لا تعاندي مولاك على عطاه .. يا عين اصبري!
يبدل غلاك بصبر .. المولى اللي ياسك كتب
ان كان في عزيز نصيب .. يجي بغير رادات العرب
مجرودة وشتيوة
تختلف “الغناوة” عن “المجرودة”، القصيدة البدوية الطويلة، شكلا ومضمونا واداءً. فالمجرودة مقطوعات شعرية رباعية تلتزم الابيات الثلاث الاولى قافية موحدة، وتتغير قافية البيت الرابع. تتعدد اغراض المجرودة كالقصيدة الكلاسيكية وتُنسَب لشاعرها.
وتظل الغناوة بيتا شعريّا واحدا بغرض شعري محدد، مجهولة المؤلف، مشاعية، يتمثُّلها ويتداوَلها المجتمع القبلي. يتوجه خطابها الى محبوب مجهول بشكوى وتضرع رومانسي، بعكس المجرودة التي تطارد المحبوبة بغزل حسي صريح ورغبة باغوائها ويتوجه خطابها للقبيلة بالفخر والتمجيد.
هناك ايضا “الشتيوة”، وهي شطر شعري واحد، يؤدَّى جماعيا تكراريا ويرتبط مضمونيا باداء “الغناوة” وموضوعها، وتعتبر ابنة “الغناوة”!
كف العرب وغِناوة الصف
تؤدى الغِناوة فرديا دون جمهور او ايقاع، فيرددها “الغنّاي” ليلا او نهارا خلف القطيع، ويؤديها رجل او امراة في جلسات سمر خاصة، اداءً يتمثل مشاعر تبدو رمزية وغامضة لكنها تصف تجربة انسانية يستشعرها السامع.
وتؤدى جماعيا في “الصابية” او “كف العرب” او “الكِشك”: وهو طقس احتفالي يرافق الاعراس والختان، وتسمى “غناوة صف”، وتكون جزءا من نسق شعري يضم “الشتيوة” و”المجرودة”.
وتصف الطحاوي كيف يُفتتح هذا الطقس البدوي بـ”الغناوة”؛ كما شهدته باحتفاليات قبيلتها “عرب الطحاوية”: يتقدم المؤدي اولا ليترنم بالغناوة بصوت رخيم حزين مشحون بانات العشق والشوق واللوعة، ثم يتبعه ترديد صف الرجال للشتيوة، ثم يلقي “المجراد” مجرودته.
يصطف رجال القبيلة بملابسهم البدوية ويبدؤون بتصفيق رتيب استعدادا للحفل. تجلس النساء بطرف الساحة في الظلام، خلف استار بيت العريس. تتقدمهن المسنّات سافرات وتجلس خلفهن النساء الاصغر ضاربات بخُمرهن على وجوههن، مستترات بالظلام منتظرات بدء الحفل بظهور الغنّاي.
ينفرد “الغناي” باداء “الغِنّاوة” بينما يُظهِر صفّ الرجال خلفه تجاوبهم بترديد “الشتيوة” المناسبة لغناوته. فاذا قال الغناي:
مشى وغاب ولا زول تابعه .. مشى لا رسي ولا زول تابعه
(غاب الحبيب واختفي اثره ولم يعد احد يجده)
يرد عليه الصف بالشتيوة:
يا لنضار عليه اليَمّة .. يا لنضار عليه اليَمّة!
(يا عينيَّ التزمي يمّته او ناحيته)
وان قال الغناي:
كتبت على جناح الطير .. دزيت علم ما جاني نبا
(كتبت للمحبوب وارسلت لكن لا جواب).
اجابه الصف:
العقل ادبيل روف عليه .. العقل ادبيل روف عليه!
(العقل ذبل حزنا فاراف به)
واذا قال الغنّاي:
بيني وبينهم ارسام وحدود .. كداب والله يا منام الليل
(لم يتحقق حُلم اللقاء بسبب بعد المسافات)
ردد الصف بالشتيوة:
جرح العين بهن يداوي .. جرح العين بهن يداوي!
(جرح العين يتداوى برؤية الحبيب)
وان قال الغناي:
شكيت وما قُضي مشكاي .. بكيت وجرح لولاف كادني
تردد الشتيوة:
عَلم بشرافه كاد الناس .. علم بشرافه كاد الناس!
(محبوب كاد الناس بشرفه وعفته)، وهكذا.
يكرر الغنّاي جمل الغنّاوة الشعرية (صَدْرا وعَجُزا) بنسق معهود، وسط هنهنات صف الرجال، ويختمها بالقفلة، فتتلوه “شتيوة” الصف مع تصفيق متواتر.
الحب المستحيل
ثم ياتي غنّاي اخر ليفتتح فصلا اخر يبدا بترديد “غناوة” تتحدث ايضا عن الفقد والاسى والصبر والبكاء على فراق المحبوب.
تضع الغناوة الجمهور في حالة وجد روحي ورضا بالقدر، فموضوعاتها تمثل صوت القدر يتردد في حلقة دائرية، وميلودراما الحب التي تبدا بالتشوق والتحنان ومحاولة استمالة المحبوب وتفضي بالنهاية الى الاستحالة والفقد.
تتقاطع فلسفة العشق وصورة المحبوب في شعر الغناوة مع نظيريهما في الشعر العذري، فالحبيبة هي المخلوقة الوحيدة المتعذرة المنال، هي اسمى في مثالها من ان تكون زوجة، وعليها ان تظل غريبة، وبالتالي اجنبية!
جوهر المحبة في طقس “كف العرب”، كما في الغزل العذري، يكمن في منعَة كائن محبوب تفصله عن العاشق عوائق كثيرة تحيل المحبة الى اسطورة: “ان نكح الحب فسد”.
هكذا.. لا يكون الحب الا مستحيلا!غناوة العلم.. شعر الفقد ورثاء الذات والحب المستحيل
