queenarwauni

رياض السنباطي… تغريب يختبئ في غابة الشرق

اخبار اليوم الصحيفة, رياض السنباطي… تغريب اخبار اليوم الصحيفة, رياض السنباطي… تغريب

سادت ثم بادت. هكذا يمكن ان نلخّص حال الموسيقى الشرقية الكلاسيكية، في العقود الاولى من القرن الماضي. وقتها هبّت الموجة التغريبية تغرق كل من يقف في طريقها: المتمسِّكون باصولهم الفنية، وتقاليدهم الموسيقية الموروثة، من دون تبديل ولا تحريف، جرفتهم الموجة الى ركن قصي. اما من تخلوا عن ارثهم، فلم يروا بديلاً عن الخضوع الكامل، والتغيير الشامل. في هذه الاثناء، ظهر رياض السنباطي، فاختار السير على جسر فوق النار.
مع السنوات الاخيرة لعقد الثلاثينيات كانت صفحة الغناء الشرقي في قوالبه الكلاسيكية الاساسية قد طويت، لحساب غناء والحان هجينين، تظهر فيهما اثار التغريب، ورفض الانماط التقليدية. كان ظهور سيد درويش مؤذناً بانتهاء عصر محمد عثمان وعبده الحامولي، اللذين رحلا على التوالي عامي 1900 و1901، واستمر نفوذهما بعد الرحيل لنحو 20 عاماً.
وجه الشيخ سيد الجانب الاكبر من ثورته وجموحه الى المسرح الغنائي، وهو ميدان يوفر تبريراً لكل ما يمكن ان يقدمه الملحن من مخالفة لما كان سائداً. مع رحيل سيد درويش، استلم محمد عبد الوهاب الراية، وطرح نفسه باعتباره زعيماً للمجددين. هكذا صبّ كل افكاره التجديدية على القوالب المعتادة، وعلى راسها القصيدة، والطقطوقة، والمونولوغ. وبالتوازي مع الانطلاقة الوهابية، او بعدها بقليل، بدا محمد القصبجي مشروعه مع ام كلثوم.
كانت الفترة من منتصف العشرينيات، حتى السنوات الاخيرة من عقد الثلاثينيات، فترة احلال وتبديل، لان الموجة الجديدة جاءت عاتية، ومحمولة على اهم صوتين على الاطلاق: صوت محمد عبد الوهاب بالحانه، وصوت ام كلثوم بالحان محمد القصبجي.
في هذا الواقع الغنائي والموسيقي، ظهر رياض السنباطي، ولمع نجمه سريعاً بعدما ضمته ام كلثوم ليكون العضو الثالث بفريق ملحنيها الذي ضم القصبجي ثم زكريا احمد. بدا السنباطي مسيرته واثار القصبجي بادية في الحانه، لاسيما عندما يكون النص من قالب المونولوغ، كما كان لعبد الوهاب اثره الواضح على غناء السنباطي، واحياناً على بعض جمله الموسيقية.
لكن اثار هؤلاء الكبار لم تكن بالقدر الذي يطغى على شخصية السنباطي الفنية الاصيلة المتميزة القوية لابعد الحدود.
وقف السنباطي على اساس متين، فهو مستوعب تماماً لاصول الغناء الشرقي الكلاسيكي، دارس متمكن لفن الموشح، حافظ لعدد كبير من ادوار القدماء، يحمل تقديراً كبيراً لسيد درويش. وهو مع كل هذا عازف عود مقتدر. لكنه سيبدا مسيرته وفق الترتيبات المستجدة التي حكمت المشهد الغنائي والموسيقي. ومن خلال تامل الحانه لام كلثوم. ووفقاً لترتيبها الزمني، تتضح معالم الخطة السنباطية في تطوير الموسيقى العربية من داخلها، مع مدها ــ عند الضرورة ــ بمقادير محسوبة من العناصر الغربية.
الزم السنباطي نفسه بطريق صعبة، واتخذ سبيلاً يرفض الاستسهال، واصر ان يكون ابداعه وفق القواعد، وان يكون جديده مراعياً للاصول. لم تعرف موسيقاه تلك العداوة المزعومة بين التعبير والتطريب، ولا بين اشباع الجمهور والارتقاء بالفن. كان صاحب القفلات الفخمة الحراقة المحبوكة، التي تهتز لها الافئدة، وتصفق لها الكفوف، لكن لن تجد له قفلة مبتذلة، لا غاية لها الا استجداء الاستحسان الرخيص، والتصفيق الجهول. يبدا السنباطي المقطع، ويسير به في طريق النغم وفق منطق يرضي العقل والقلب، ويظل مصراً على التسلسل “المنطقي” الى ان يصل الى ذروته بقفلة مشحونة بطرب كثيف دسم، لا يستطيع معه الجمهور ان يبقى على سكونه. كل ذلك لا جدال فيه، لكنه كان له نصيب من “التغريب المدروس”، ومن الصعب ان تنسب الحانه الى الكلاسيكية الخالصة.
فاذا اخذنا قالب “القصيدة” مثلاً، وهو القالب الذي كان ميداناً لسيادة السنباطي وريادته، فيمكننا ان نرصد اثر الموجة التجديدية التغريبية متمثلاً في البناء الدرامي الذي يقدمه السنباطي. فالقصيدة الغنائية بهذه الصورة لا تنتمي الى القصائد الكلاسيكية في طرب عصر النهضة، حيث كان اللحن مجرد اقتراح لمسار مقامي يتمسك به المطرب، مع حرية كبيرة في التصرفات والتقطيع والتكرار. وايضاً يختلف البناء الدرامي للقصيدة السنباطية عن قصائد الشيخ ابو العلا محمد، رغم الاتفاق في الانضباط اللحني والايقاعي.
صحيح ان “المقادير” تفاوتت قليلاً من لحن الى اخر، لكن “التوازن” كان هو الخط الذي يمتد على استقامته في كل الحان السنباطي. وكان التطوير مراعياً دوماً لهذا التوازن الدقيق. نعم، تختلف “سلوا كؤوس الطلا” عن “ذكريات”، وتختلف “ثورة الشك” عن “اقبل الليل”. وصحيح ان السنباطي استخدم البيانو، او الاورغ، او الاكورديون في اعمال معدودة، لكن ظلت هذه استثناءات لا تغير من المشهد الكامل لتعامله مع القصيدة العربية، ووصوله بها الى ذروة فنية يصعب ادراكها، رغم التزامه بهذه التوازن الدقيق.
حتى في عزفه على العود، لم يخل اسلوب السنباطي من الاثر الغربي، الذي يمكن ان نلاحظه في كثرة استخدامه للاصوات المتصلة (فرداش) او تتالي انصاف النغمات (كروماتيك)، واختيار اسلوب خاص جداً للضرب بالريشة، بعيداً عن طريقة (النقر)، التي كانت شائعة جداً بين عازفي عصر النهضة، ونسمعها بوضوح في تسجيلات امين بك المهدي، او داود حسني، وبقدر اقل عند محمد القصبجي. كذلك اتسمت تقاسيم السنباطي بمسحة تاملية درامية، واخذت ابعاداً فكرية اعمق من غيره من مجايليه او من سبقوه.رياض السنباطي… تغريب يختبئ في غابة الشرق

Scroll to Top