queenarwauni

طقوس الفن الشعبي والصوفي بصعيد مصر.. ليالٍ طويلة ومباهج لا تنتهي

اخبار اليوم الصحيفة, طقوس الفن الشعبي اخبار اليوم الصحيفة, طقوس الفن الشعبي

تتوسط اسيوط صعيد مصر، وتعرف بتكوينها المميز من قبائل عربية عدة مهاجرة، ابرزها بني هلال وقبيلة هوارة واولاد زيد والعبابدة وغيرها، ويحتل الفن الشفهي مساحة عريضة من حياة اهل اسيوط، اذ تصاحبهم الاغاني او الحكايات او الامثال من الميلاد الى الوفاة.
ويؤكد الشاعر وجامع التراث درويش الاسيوطي على التنوع الكبير في الفن الادبي الشفهي بالصعيد، فهناك الشعر واهمه الغناء التراثي الذي يتناول سيرة الانسان من اول الميلاد حتى الموت، و”العديد” الذي يصاحب الوفاة، واغاني الزفاف، واغاني العاب الاطفال، واغاني العمل، وحنين الحجاج، وغيرها.
ويضيف الاسيوطي للجزيرة نت ان هناك ايضا “السرد الشعري مثل السير والمواويل الشعرية مصوغة في شكل ترابيع لكنها تحكي دراما ما، ومن التراث الشعبي النثري لدينا الحكايات والامثال والتعاويذ وغيرها”.
طقوس المناسبات
تبدا طقوس اي مناسبة في الصعيد بالتحضير لها لايام، وكل ليلة تشهد طقسا مختلفا، فيبدا العرس مثلا قبل ليلة الزفاف بايام، حيث تهل الافراح بذبح المواشي، ودعوة اهالي القرية للفرح، وقبله تقام مائدة كبيرة ياكل فيها كل الاهالي، الرجال وحدهم والنساء وحدهن، وتقام ليالي النساء بعيدة عن اعين الرجال، يغنين فيها مستخدمات الطبلة وحدها، وتطلق الزغاريد وتاخذ كل امراة دورها في الرقص.
وتنطلق الاغاني التي تتباهى بالاصل الصعيدي “احنا الصعايدة اللي بيقولو علينا، لو جوزونا صغيرين سدينا..” او الاغاني التي تنصح العروس برعاية عريسها “اوعيله يابت اوعيله ده الظابط يبقى زميله”، وهناك بعض الاغاني التي تستخدم لغة مكشوفة تتغنى بالشوق بين العروسين، وتعتمد على الايحاءات وعلى التاويلات للمعاني.
المواويل والابطال الشعبيون
وفي بيت خلف عبد الباسط المتكئ على كنبته الخشبية القديمة قال انه يتابع للاذاعة التي تعيد كل اغاني ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش، ويصفها بانها طقس يومي يصاحبه من الصحو للنوم.
وبدا خلف حديثه مع الجزيرة نت بموال “والله يا ربي يا خالج من الطين بني ادم..”، ويتذكر الطقوس التي كانت تصاحب جلسات الغناء التي كان يحضرها في صغره، ويحكي عن مغنٍ قديم بلا اداة موسيقية يدعى الفولي، ويتذكر تجوله بين القرى مستخدما صوته العذب وموهبته الفطرية في تاليف وتحريف المواويل، ومن بعده جاء مغنو الربابة الذين كانوا يركزون على السير الشعبية، واشهرها سيرة ابو زيد الهلالي.
ويعي خلف بفطرته ذكاء المغني الشعبي الذي يهمه كسب قلوب جمهوره، فيسمعهم ما يريدون سماعه، ويستشهد بقرية بني زيد التي احبت البطل ابو زيد الهلالي سلامة، فكان يتعمد المغني ان يجعله يربح في معركته ضد حاكم تونس “خليفة”، وفي قرى اخرى موالية لخليفة يهزم فيها المغني ابو زيد في حكايته حتى يسعد المتلقي ويغدق عليه المال.
ويقطع خلف حديثه معنا ليبدا في غناء موالٍ اخر يرثي فيه حاله الذي اضحى فيه فقيرا بلا مال ولا عزوة، ويرى ان شكل الزفاف المتعارف عليه الان لم يكن موجودا، كان الرجال يصطفون في صف طويل ويهللون “حِّب النبي وصلِ عليه، يا ابن الرومي ياشوجي عليه”.
وكان يراسهم شخص يرددون خلفه ويتمايلون ويرتدون ملابس تشبه ملابس النساء ويمسكون مظلة يدورون بها، ويحيلنا وصف خلف الى طقوس كاملة للتنورة الصوفية التي اسسها جلال الدين الرومي والتي كانت لها مكانة كبيرة في الصعيد حتى انها كانت الاساس لغناء الرجال في الزفاف.
الصوفية الصعيدية
وينتمي خلف للطريقة الصوفية الميرغنية، ويقول انه كان يجمع اهل الطريقة كل اسبوع في بيته، ويقيمون “الراتب” وهو مجلس الذكر والحضرة، ويتلون المدائح النبوية مستخدمين الرِّق، وينشدون اشهر القصائد للمتصوفة في حب النبي، مثل البردة للامام البوصيري، و”ايه العمل يا احمد يوم طلعة المشهد”، وقصائد ابن الفارض الذي يحتل مكانة عظيمة لدى سائر الطرق الصوفية.
ويرى خلف ان الاجتماع الصوفي بسيط وغير مكلف، اذ تصنع النساء البسبوسة والشاي، ويتجمع الرجال في المندرة، ويضربون الرق وهم ينشدون.
ومن قرية بني زيد الاكراد الى مركز ابنوب في قرية كوم ابو شيل التي تضم واحدا من اكبر مقامات الطريقة الشاذلية في اسيوط للشيخ “عمران”، حيث كتب على المسجد “مسجد الشيخ سلطان”.
وتعود حكاية الشيخ سلطان الذي يعتقد ابناء القرية انه كان رجلا صالحا وله كرامات، وعند موته وتشييعه توقف موكبه عند هذه البقعة ولم يرد التحرك، فدفن هناك واصبح مقاما للشيخ سلطان يزوره الناس للتبرك، ودفن الشيخ عمران والشيخ ابو الحسن ابن الشيخ عمران في الجامع نفسه الذي يحتوي على ثلاثة مقامات.
الحضرة الصوفية
استاذنا شيخ المسجد وامام الطريقة لتصوير الحضرة التي بدات بقراءة القران ثم تلاوة الذكر في حلقة، وبعدها انشاد الجمع وقوفا بالتهليل بلفظ الجلالة “الله” بايقاع بطيء ثم تسريع الايقاع وتشابك الايدي والتمايل للامام وللخلف ثم يتباطا الايقاع للدخول الى الانشاد.
وتعتمد الحضرة على ترديد كل جملة بايقاع معين وترديد لفظ الجلالة في نهاية كل مقطع رباعيا، وينتهي الانشاد بطلب المدد وذكر النبي بنداء الامام الشاذلي “يا ذخرنا يا شاذولي، الله”، وتنتهي الحضرة كما بدات بترديد لفظ الجلالة، ثم اطلاق تاوهات قصيرة متسارعة كدليل على المعاناة في الحب والخلاص الروحي.
سيرة الشيخ عمران
وحكى عثمان يوسف فضيل مدرس اللغة العربية المنتمي للطريقة الشاذلية للجزيرة نت سيرة الشيخ عمران احمد عمران المولود في قرية المطيعة باسيوط، قبل ان ينتقل لقرية كوم ابوشيل في حدود عام 1922 ودرس بالازهر وكان مالكي المذهب، ثم تحول للصوفية، وكون جماعة من بلده تتبع الطريقة الشاذلية، قبل ان تتزايد شعبيته وتمتد من الاسكندرية الى اسوان، وياتي المريدون لزيارة ضريحه كل عام في ذكرى مولده.
ويضيف عثمان انهم لا يستخدمون الدف ولا الالات الموسيقية في انشادهم عكس طرق اخرى، مؤكدا على قيم القصائد التي ينشدونها، مثل حب الذات الالهية والمديح المحمدي والزهد وغيرها.
ويرى عثمان ان عدد المنضمين للطرق الصوفية بدا يتراجع بسبب قلة المشايخ الملهمين، واراء التحريم السلفية والاتهام بالخرافة، ويؤكد الاسيوطي ان الجماعة الشعبية المصرية لم تفرق بين الغناء للقديس المسيحي والغناء للشيخ المسلم، كما ادى دخول التكنولوجيا واستخدامها لفقدان الكثير من تراث وطقوس المناسبات، مثل حفلات الزفاف، اذ حلت محلها اجهزة الصوت المسجلة التي تنشر الضوضاء بلا مغنٍ ولا معنى.طقوس الفن الشعبي والصوفي بصعيد مصر.. ليالٍ طويلة ومباهج لا تنتهي

Scroll to Top