اخبار اليوم الصحيفة, حكاية ثلاثة الاف اخبار اليوم الصحيفة, حكاية ثلاثة الاف
على مدى قرون، مثّل الخنجر الذي يسمى محليا (الجَنْبيَة)، رمزا للهوية التي تميز اليمنيين عن غيرهم. لا تعرف البداية الدقيقة لتاريخ الجنبية الا ان تماثيل اظهرت الملك اليمني معد يكرب الذي حكم في القرن السادس قبل الميلاد، وهو يرتدي الجنبية على هيئتها الاولى (الخنجر العربي)، وكشفت نقوش اخرى يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد عن تمنطق “ارتداء” الملك الحميري شمر يهرعش ابن الملك ياسر يهنعم للجنبية اليمانية.
وكانت الجنبية في الاساس خنجرا يرتديه العرب وبدو شبه الجزيرة العربية كجزء من زيهم اليومي، وذلك لاغراض تتعلق بالصيد والدفاع عن النفس، على نحو فرضته طبيعة الحياة البدوية في المنطقة.
وبالطبع، مر شكل الجنبيّة اليمنية بتغيرات طفيفة، وتغير مكان ارتدائها نوعا ما، ففي حين كانت يتم ارتداؤها قديما في المنطقة الجانبية مما يلي الخصر، غدت تُلبس عند اليمنيين في الجزء الامامي مما يلي الصدر، ولعل لهذا التحول علاقة بغرضها الذي تحول من سلاح اساسي في الصيد الى اداة تقليدية للزينة.
استطاعت الجنبية اليمنية الحفاظ على رمزيتها الثقافية، وصمدت في وجه المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي مرت على اليمن، وحافظت على مكانتها وقيمتها في التراث اليمني لعدة قرون، لتغدو جزءا اساسيا من الزي التقليدي اليمني، فلبسته كل الطبقات الاجتماعية وكل الفئات في الحضر والبدو، والمدن والقرى، وغدا الاحتفاظ بها نوعا من الاجلال والتقدير لهذا التراث العريق.
رمز للهوية
يرتدي اليمنيون الجنابي (جمع جنبية) كجزء من هويتهم اليمنية وزيهم التقليدي، ومع انها سلاح حاد وقاتل، الا ان اليمنيين لا يستخدمونها كسلاح، الا فيما ندر، وفي حالات استثنائية، لان الغرض الاساسي من ارتدائها هو التزين، والحفاظ على الهوية.
يعد لبس الجنبية في بعض المناطق اليمنية، وخاصة في الشمال، وفي المناطق البدوية وسط اليمن، جزءا من شخصية الرجل، ويعد امرا معيبا اذا لبس الرجال الثوب من غير ارتداء الجنبية، وينتقص من شخصيته كرجل، وعادة ما يتم وصف الشخص الذي يرتدي الثوب من غير الجنبية بـ (المِسْري) اي العريان.
ومن ابرز اغراض الجنابي استخدامها في (التحكيم) وحل الخلافات بين الرجال والقبائل، ففي حال اختلف اثنان او قبيلتان، ورغب احد الاطراف بالامتثال والاعتراف بالخطا او انهاء المشكلة، فانه يستل الجنبية ويناولها الطرف الثاني، او يضعها بين يديه، ويقول له هذا (حكَمك)، اي ما تحكم به ويرضيك فان هذه الجنبية ( التي تحمل معنى الشرف والرجولة) ضامنة بالسداد والوفاء.
ويعد هذا التحكيم ضامنا لرد اعتبار
الطرف الاخر، وعادة ما يلطف هذا التقليد الاجواء بين المتخاصمَين، ويعتبر حلا اوليا للخلاف، وتبقى تفاصيل حل الخلاف مسائل فنية، وكثيرا ما تنتهي الخلافات بين المتخاصمين، بعد التحكيم بالعفو.
وفي حال قام احد الاطراف بالتحكيم ووضع الجنبية بين يدي الطرف الاخر، ثم رفض التسليم بالحكم، يكون قد ارتكب خطيئة قبلية ومجتمعية يلحقه من بعدها عار قبلي، يفاقم المشكلة لا تحل الا بعد دفع تعويض يصل احيانا لاحد عشر ضعفا ويسمى (المحدّش).
تستخدم الجنبية ايضا في الرقصات الشعبية، حيث يتم استلالها في رقصة شهيرة اسمها “البرَع”، وهي رقصة شعبية تؤدي حركات عسكرية وحربية قديمة، منضبطة وموحدة، وتختلف باختلاف المناطق التي تنحدر منها او تنسب اليها.
صكوك ملكيّة
يعبّر شكل الجنبية عن المنطقة التي ينتمي اليها من يرتديها، ومن خلال شكل الجنبية يمكن معرفة هوية مرتديها، ما اذا كان بدويا او حضريا، ومن اي قبيلة ينحدر، فهناك الجنبية التي تنحدر من قبائل (حاشد) وهناك جنابي تنتمي لقبائل (بكيل).
كما ان هناك جنابي يرتديها بدو مارب والجوف والبيضاء وشبوة وبيحان، وهي تختلف في شكلها عن الجنابي الذي يرتديها اصحاب صعدة وعمران وحجة وصنعاء.
وتتوارث معظم الاسر العريقة جنابي اجدادها الثمينة، وتعد رمزا للعائلة، ويمتلك البعض صكوكا تثبت ملكية الجنبية للعائلة، ويعد من المعيب التفريط بها او بيعها، مهما كانت الظروف، كما ان سرقتها او سلبها من مرتديها يلحق العار بالاسرة والقبيلة، وهو عار يعادل سلب رجولته.
وفي حال فرط احد افراد الاسرة بجنبية العائلة فانه يلحقها عار لا يرفع عنها الا باسترداد الجنبية، بشرائها باي تكلفة وباي جهد، وعادة لا تسعى لاسترداد الجنابي الا الاسر المتماسكة، ويحمل الشرف من يستردها من ابناء العائلة.
من يرتديها؟
يرتدي الجنابي كل ابناء اليمن باستثناء سكان المناطق الساحلية الحارة في غرب اليمن وجنوبه، ففي الحديدة والشريط الساحلي التهامي حتى عدن والمكلا والمهرة، لا يرتدي معظمهم الجنابي، ولعل عدم ارتدائهم لها يعود لطبيعة الجو الحار الذي يدفعهم للتحلل من الملابس الضيقة او الازياء التي تقيد حركتهم وتضاعف لديهم الشعور بالحر.
ويرتدي سكان المدن الساحلية زيا مشهورا وموحدا، وهو ملابس رقيقة، عادة ما تكون قميصا شفافا، و(فوطة) وهي قماش رقيق يغطي الجزء الاسفل للانسان (من الخصر وحتى منتصف الساق).
كما يرتدي الجنبية سكان المناطق الجنوبية السعودية، في نجران وجيزان وعسير وما حولها، ولعل ذلك يعود لان تلك المناطق كانت اساسا جزءا من الجغرافيا اليمنية حتى معاهدة الطائف عام 1934 بين الامام يحيى حميد الدين والملك عبدالعزيز ال سعود، التي ضمت المحافظات اليمنية الشمالية الى المملكة لتصبح محافظات سعودية.
بالاضافة الى ذلك يرتدي الجنبية بعض سكان سلطنة عمان، لكنها فيما يبدو لا تحظى بنفس الحضور الذي تتمتع به في اليمن، وارتداؤها في عمان يمثل مظهرا من مظاهر التاثير بين الحضارتين العمانية العريقة واليمنية الضاربة في القدم.
انواع الجنابي
الجزء الاهم في الجنبية هو مقبضها، وتختلف جودة الجنبية باختلاف مقبضها، اي ان مقبض الجنبية هو الذي يحدد جودتها وسعرها، ويتجاوز قيمة بعض الجنابي عشرات الاف الدولارات، واشهر الجنابي في اليمن هي جنبية شيخ مشايخ قبايل “بكيل”، الشيخ ناجي بن عبدالعزيز الشايف، وتبلغ قيمتها السوقية نحو مليون دولار.
وتقول الروايات ان عمرها يبلغ نحو 1000 عام، وانتقلت ملكيتها للامام يحيى حميد الدين، مؤسس المملكة المتوكلية في اليمن، ثم انتقلت للشيخ الشايف، وكذلك جنبية الشيخ صادق الاحمر، الذي ورثها عن والده الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر، شيخ مشايخ حاشد، وتبلغ قيمتها السوقية نحو 600 الف دولار.
يقول ابراهيم الراعي صاحب متجر الاحسان، اشهر واقدم متجر في سوق (الجنابي الاصلي) بمنطقة (سوق الملح) في صنعاء القديمة لـ”الاستقلال”: هناك انواع من الجنابي، ولها تسميات معينة:
النوع الاول: ويسمى “الصيفاني” (نسبة لاسرة شهيرة احتكرت العمل قديما في صنع هذه الجنابي)، وهي الاجود والاغلى نوعا، واصبحت حاليا تسمى “العزيري”، نسبة لاسرة معاصرة تحتكر العمل في صنع هذا النوع من الجنابي حاليا.
ويتم استخلاص وصنع الجنبية الصيفاني من قرن “وحيد القرن”، الذي يعيش في غابات افريقيا، في كينيا واثيوبيا وغيرهما، ويختلف جودة القرن نفسه، فقلب القرن يسمى “اسعدي”، او “طيّب” وله لون يشبه اللون العسلي الغامق يزداد بريقه الطبيعي مع مرور الزمن، وتزداد تبعا لذلك قيمته.
ولا يعرف درجة جودة “الصيفاني” الا المتخصصون واصحاب الخبرة، ويبلغ قيمة القرن (الخام) نحو 18 الف دولار الى 20 الف دولار للكيلو الواحد، ويتراوح وزن القرن عادة بين 5 كيلو و20 كيلوجرام.
اما سعر الجنبية، فيختلف باختلاف قدم القرن، فكلما كان قديما كان اغلى ثمنا، والجنابي الطيب او الصيفاني، تبدا قيمتها من حوالي 3 الف دولار فصاعدا.
يضيف الراعي، كانت القرون تستورد من دول افريقية لكنها اصبحت ممنوعة ومحظورة قانونيا في الوقت الحالي، لان الحصول عليها يتطلب القضاء على حياة وحيدة القرن، وهو ما يهدد بانقراضه، لهذا فقد اصبح الحصول على القران امرا نادرا جدا، وما يتم جلبه لليمن على ندرته يكون بطرق غير قانونية.
النوع الثاني: ويسمى “بَصَلي” او “زراف” وهو حواف القرن واطرافه، وهو اقل جودة من قلب القرن، وياتي ثانيا بعد “الاسعدي” الذي يمثل قلب القرن.
النوع الثالث: “المصوّعي” ويستخلص من (خُف الجمل) وهو من فئات الجنابي المتوسطة، وعادة ما يرتديها بدو المناطق الوسطى، في محافظات البيضاء وشبوة وكذلك مارب والجوف، ولا يتجاوز قيمتها 500 دولار.
النوع الرابع:
“الكَرك” ويستخلص من قرن الثور، وهو من فئات الجنابي العادية، ولا يتجاوز سعر الجنبية منه 200 دولار.
النوع الخامس: “خشب”، ويستخلص من خشب البرقوق، وله مظهر جميل يشبه احيانا “الصيفاني”، لكنه من فئات الجنابي العادية، ولا يتجاوز سعر الجنبية منها 100 دولار.
الجنابي الصيني
تم اطلاق اسم “الجنابي الصيني” على الجنابي المصنوعة من مواد وقوالب بلاستيكية تسمى “الفيبر”، بحيث يتم استيراد القوالب من الخارج، ويتم تحضير الجنابي على عدة اشكال في محافظات يمنية، وبعضها يتم تحضيره بحرفية عالية بحيث يشبه الجنابي “الصيفاني” عالية الجودة.
وفي مثل هذه الحالة، لا يكون قادرا على التمييز بين الجنابي الاصلية والمقلدة الا اصحاب الخبرة، والا فقد يقع الانسان عديم الخبرة في فخ الغش، ويشتري الجنبية بالاف الدولارات، بينما لا تستحق 50 دولارا.
وهناك انواع اخرى كثيرة، بعضها مصنوع من البلاستيك وبعضها من الاخشاب العادية، وهي اقل انواع الجنابي وسعرها لا يتجاوز 20 دولارا، وهي الاكثر شيوعا.
نصال “الجنابي”
النصْلة وهي الجزء الذي يشبه السكين، وتمثل الجزء الثاني من الجنبية، ويسميها اليمنيون “نصْلة” وجمعها “نصال”، وهي كلمة عربية فصيحة، يقول المتنبي: فصرت اذا اصابتني سهامٌ : تكسّرت النصال ُعلى النصالِ.
وتختلف جودة “النصال” باختلاف قوتها ودرجة صقلها ومقاومتها للصدا، واجودها النصال المصنوعة من الفولاذ، وحديدها صلب لا يصدا ولا يُفل، وافضل انواع نصال الفولاذ النصال الحضرمية القديمة، ويصل سعر النصلة منها الى نحو 400 دولار، يليها نصال فولاذ تسمى “بنز”، وهي فولاذ صلب يفل الحديد، ويستخلص من صفائح ومجنزرات الدبابات.
يلي ذلك نصال “ستيل” وهي حديد غير قابل للصدا، وياتي بعدها نصال مصنوعة من الحديد العادي، لكنها مصقولة بشكل جيد، وتسمى “التعزي”، نسبة لمدينة تعز، وياتي في الدرجة قبل الاخيرة النصال “القصبي” وهي حديد عادي، لكن حديدها حاد، واقل انواع النصال جودة هو الحديد العادي، ويسمى “المَرْخي”، وهو حديد ضعيف يتعرض للصدا.
انواع “الزهرات”
الزهرات هي القطع المستديرة التي تزين الجنبية، وعادة ما يكون لونها ذهبيا، ولا تخلو اي جنبية من زهرتين تزينانها، احدهما في اعلى مقبض الجنبية والثانية اسفلها، وفي الجنابي “الصيفاني” الثمينة عادة ما تكون هذه الزهرات من الذهب الخالص، يكون بعضها من الذهب الحميري القديم الذي يعود تاريخه لاكثر من 2000 عام، وتناقلتها الاجيال من عصر لاخر كعملة ونقود ذهبية.
واحيانا تكون الزهرتان مطليتين بالذهب، وبعضها يكون من الفضة، وبعضها
الاخر من النحاس، وبعضها من الحديد العادي المصبوغ باللون الاصفر .
المَبْسم: المبسم هو القطعة المعدنية او البرواز الذي يتوسط الجنبية ويغطي اسفل المقبض، مما يلي النصل، ويكون في الجنابي الثمينة مشغولا من الذهب، او من الفضة المطعّمة بالذهب، او من الفضة الخالصة، وبعضها يكون من الحديد العادي، وللمبسم وظيفتان، احدهما المساعدة في ربط المقبض بالنصلة، وثانية وظيفة ثانوية تتعلق بتحسين مظهر الجنبية.
احزمة ذهبية
الغمد: ويسمى محليا العَسيْب” او “الجَفر” ويتم صنعه من الخشب، واجودها خشب الصنوبر
او خشب الطنب، وهو خشب قوي خفيف الوزن، يغطى بالجلد المدبوغ، وتلف عليه حبال رفيعة وانيقة بشكل هندسي، ويغطى الغمد احيانا بصفائح الذهب او والفضة.
الحزام: وهو الحزام الذي يلف حول الخصر، والاحزمة نوعان اساسيان، احدهما يحاك باليد، والاخر يحاك بماكينات الخياطة، وتحاك الاحزمة اليدوية بخيوط ذهبية رفيعة للغاية.
بحسب ابراهيم الراعي، فان الخيوط عدة انواع، بعضها صيني او ياباني، وهي اقل الانواع جودة، وتحاك بها الاحزمة التي تحضر بماكينات الخياطة.
اما الاحزمة التي تحاك يدويا، فتحاك بثلاثة انواع من الاقمشة، اعلاها جودة المحاكة بخيوط ذهبية فرنسية، وهي خيوط فضية مطلية بالذهب، كتلك التي تحاك بها كسوة الكعبة، ويتراوح سعرها بين 500 دولار و2000 دولار، ويليها في الجودة الخيوط الهندية، وهي خيوط نحاسية مطلية بلون ذهبي ويصل سعرها لنحو 150 دولار.
وتحاك تلك الخيوط مشكّلة نقشات هندسية قديمة وحديثة، يسمى القديم منها (كبسي) نسبة لاسرة شهيرة عملت في هذه المهنة، وبعضها (مفضلي) والاخر (متوكلي) وكذلك (غمضاني) و(حوثي) وكلها اسر عملت في هذه النقشات قديما، وهي نقشات بعضها عربي اصيل، وبعضها تسللت للعربية من الحضارة الاندلسية.
المصادر:
الجنبية اليمنية: سلاح ام وسيلة لابراز المكانة الاجتماعية؟
“الجنبية”.. رمز للمكانة الاجتماعية في اليمن
“الجنبية”.. رمز هوية اليمني
الجنبية اليمنية…عمرها الف عام وثمنها مليون دولار اميركي
الجنبية اليمنية.. حكاية ورجولة!
سيدة الجنابي في اليمن شاهد حيّ يروي تاريخها
ان خرجت لا تعود الا بدم.. “الجنبية” هيبة رجال اليمن
متى ظهرت “الجنبية اليمنية”؟حكاية ثلاثة الاف عام.. “الجنبية” تروي تاريخ اليمن السعيد
