اخبار اليوم الصحيفة, الاغاني بمصر.. من اخبار اليوم الصحيفة, الاغاني بمصر.. من
على مدى عقود ظل الغناء في مصر، احد اقوى اسلحتها الناعمة، عربيًا، الى ان غرقت في “بحر الغدر” بكلمات هابطة والحان فوضوية.
ويشكو الوسط الفني بشدة من تحول البلاد الى “مهبط” لاغاني “المهرجانات”، بعد ان كانت تفيض فنًا بالالحان والقصائد الشعرية التي عاشت في الوجدان الجمعي للعرب.
وكانت ام كلثوم (1898- 1975) تشدو بالقصائد الشعرية على مسارح مصرية وعربية قائلة بكلمات رصينة، ولحن طربي: “اغداً القاك؟ يا خوف فؤادي من غدِ، يا شوقي واحتراقي بانتظار الموعد”، حتى باتت لمصر علامة.
غير انه علت مؤخرا مهرجانات يظهر فيها بقوة اللحن الراقص والصاخب وكلمات عامية دارجة بينها اغنية شعبية تقول كلماتها “عايم في بحر الغدر.. شط الندالة مليان”.
وبهذه الطريقة يصدح المصري، حمو بيكا في مقطع يتداول بقوة قائلًا: “ماتبطل (توقف) ترشق عينك (تنظر) انت كاورك (شخص لا يعتمد عليه) وعارفينك”.
اغاني تنتشر وسط اعتراضات
و”المهرجانات”، هي نوع جديد من الاغاني الصاخبة في البلاد، والتي ذاع صيتها خلال العقد الاخير، وباتت تستقطب وتغازل مزاج جمهور مصر لاسيما الشباب والمراهقين من الجنسين.
وتتسم اغاني المهرجانات بانها اكثر صخبًا واسرع ايقاعًا من نظيرتها الطربية، وغالبا ما تتركز كلماتها حول ازمات الفقر والعنف والبلطجة والتهميش الاجتماعي والصداقة.
ومؤخرًا لم تعد الافراح الشعبية المنتشرة في الشوارع والنوادي الصغيرة هي الموطن الوحيد لاغاني المهرجانات، لكنها انسحبت ايضًا على الحفلات الموسيقية الكبرى بالاحياء الراقية، وكذلك حفلات الصيف بالشواطئ.
واثار انتشار نجوم المهرجانات بكثافة في الحفلات، جملة انتقادات ومخاوف من تدهور مستوى الاغاني المصرية وما يترتب على ذلك من تدني الذوق الموسيقي العام، بلغ حد القرارات الرسمية بالحظر والمنع.
وفي اغسطس/اب الماضي، قررت نقابة المهن الموسيقية، منع التعامل مع مطربي اغاني المهرجانات، وعدم منح تصاريح وابلاغ الجهات الامنية بمنع تنظيم واقامة حفلات هؤلاء المطربين.
ويجرم قانون اتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، ممارسة اي عمل يتعلق بالموسيقى بدون عضوية او تصريح، والا اصبح الشخص مهددًا بالحبس مدة تصل الى 3 شهور وغرامة تصل الى عشرين الف جنيه (1200 دولار امريكي) وفقًا للمادة الخامسة من القانون المنظم.
ومن ابرز نجوم اغاني المهرجانات بمصر، حمو بيكا، واوكا واورتيجا، ومجدى شطا، والديزل.
كما استقطبت تلك النوعية من الاغاني الممثل المصري الشهير محمد رمضان، الذي اقام مؤخرا حفلتين احداهما في ضاحية التجمع الخامس، شرقي القاهرة، والاخرى في الساحل الشمالي، وسط حضور عشرات الاف الشباب، وفق اعلام محلي.
ومن ابرز اغاني رمضان، التي لاقت قبولًا بين جمهور الشباب في مصر، “نمبر وان” و”الملك” و”انا اصلا جن”، و”مافيا”، و”بابا”، و”السلطان”، و”فيروس”.
ورغم كثافة الاقبال عليها تواجه تلك النوعية من الاغاني هجومًا حادًا على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج المتلفزة والاذاعية، تحسبًا انتشارها على نطاق اوسع وافساد الذوق العام المعروف بعشق الغناء الراقي.
وتعتمد اغاني المهرجانات علي نوع موسيقى “التكنو” والتي تقوم على برامج الكترونية مع ادخال صوت المغني.
اما الكلمات عامية دارجة، ومعظمها مواضيع شعبية مرتبطة بالمناطق الشعبية في مصر والامثال والمواويل المشهورة.
وامتدت ازمة اغاني المهرجانات الى البرلمان، حيث احيلت طلبات احاطة من نوابٍ الى لجنة الثقافة والاعلام بمجلس النواب، بشان “ظاهرة افساد الذوق العام والاسفاف والابتذال وتاثير ذلك على المجتمع”، بحسب تقارير محلية.
ويُعرف عن مصر التميز الشديد في الموسيقى والغناء والطرب، وكان من ابرز رموز هذا المجال الفني، المطربة ام كلثوم الملقبة بـ”كوكب الشرق”، والموسيقار محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ.
وفي مجال التلحين بليغ حمدي وكمال الطويل وزكريا احمد ومحمد الموجي.
مرض لا يشرف مصر
وقال هاني شاكر نقيب الموسيقيين بمصر، في تصريحات صحفية، ان كلمات والحان اغاني المهرجانات تساهم في انحطاط الذوق العام، مطالبًا بضرورة تقديم فن مضاد يواجه “عشوائية” المهرجانات الشعبية.
واعتبر شاكر ان تلك الاغاني بمثابة “مرض في جسد الفن المصري والعربي”، قائلًا: “معظم الفنانين في البلاد العربية زعلانين (غاضبين) ازاء ما يحدث في مصر”.
ويتصدر الموسيقار المصري الشهير، حلمي بكر، في واجهة المطالبين بوقف غناء المهرجانات فورا، معتبرا اياه في تصريحات صحفية، “اخطر على المجتمع من اصحاب الفكر الارهابى”.
وقال انها “كارثة وتدمير للذوق العام”، وليس لها علاقة بالغناء الشعبي، مؤكدا ان “الاغانى الحقيقية التى تلمس القلوب وتحتوى على قيمة فنية اصبحت غير موجودة على الساحة.
وعن رايها في اغاني المهرجانات، رفضت المغنية المصرية الفنانة نادية مصطفى، في مقابلة متلفزة مؤخرا هذا اللون:
وقالت: انه مع غناء اي شخص وامكانية ان يكون اللحن راقصا، غير انها استدركت: “لكن الكلمة لازم تكون راقية وهادفة، والشكل يكون مشرف لمصر”.
المواجهة تثير ازمة
في المقابل، ادانت مؤسسة حرية الفكر والتعبير (غير حكومية، مقرها القاهرة)، في تقرير بعنوان “يحيا الفن المنحط.. الدولة العجوز في مواجهة اغاني المهرجانات”، مايو/ايار الماضي، الملاحقة والتحريض الرسميين التي يتعرض لها نجوم اغاني المهرجانات الشعبية.
ووفق ما تراه الناقدة الفنية ماجدة موريس، في حديث للاناضول، فان قرارات منع او حظر هذا النوع من الغناء قد يؤدي لزيادة انتشاره في البلاد.
وقالت موريس ان ضوابط تقديم الفنون بشكل عام في المجتمع يجب ان ترتكز على عدم خدش الحياء او اثارة الغرائز وعدم الاضرار بالسلام الاجتماعي ونبذ العنصرية والتطرف وعدم الاخلال بالاخلاق العامة.
واضافت: “من حق اي فرد او مجموعة ان يختاروا نوعية الفن التي يقدموها للمجتمع (..) ويجب ان يكون ذلك مقدرًا ويتم التعامل معه باحترام من المؤسسات الرسمية”.
ويضمن الدستور المصري حزمة من الحقوق والحريات، من بينها حرية التعبير والابداع الفني، اذ يقر حظر “رفع او تحريك دعاوى لوقف او مصادرة الاعمال الفنية والادبية والفكرية او ضد مبدعيها الا عن طريق النيابة العامة”.
ونشات اغاني المهرجانات الشعبية خارج اطار منظومة الانتاج التقليدي ودون حماية من الاُطر القانونية، التي رسختها الدولة على مدار عقود، واعتبرها معارضون تهدف الى “تقييد” حرية الابداع في مصر، في مقابل المؤسسات الفنية انها حفاظا على الذوق العام والتاريخ الغنائي الكبير.الاغاني بمصر.. من كوكب الشرق الى مهرجانات “بيكا” و”نمبر وان”
