queenarwauni

سينما الحمراء.. عندما كان في القدس مكان للترفيه

اخبار اليوم الصحيفة, سينما الحمراء.. عندما اخبار اليوم الصحيفة, سينما الحمراء.. عندما

على مدار ستة اشهر صدحت حنجرة المطرب المصري الراحل عبد الحليم حافظ باغنية “يا خلي القلب” في سينما الحمراء بشارع صلاح الدين الايوبي في القدس ضمن فيلم “ابي فوق الشجرة” الذي انتج عام 1969.
ستة اشهر استمر عرض الفيلم الذي لقي اقبالا واسعا وتهافتا على شراء تذاكره بين الفئات العمرية المختلفة في القدس، وفي كل مرة كانت تظهر بها كلمة “النهاية” على الشاشة الكبيرة يغادر رواد السينما المكان كل منهم مع عالمه الخاص الذي اخذه اليه الفيلم، وتختفي تدريجيا اصوات باعة الفشار والمشروبات الخفيفة وتُطفا الانوار حتى ينتعش المكان مجددا بعرض الافلام في اليوم التالي.
افتتحت شركة مصايف رام الله سينما الحمراء في القدس عام 1952 ابان الحكم الاردني للمدينة، واعتبر البناء بداية للعمارة المعاصرة في القدس، ونظرا لعدم توفر الحديد المناسب للبناء حينها في فلسطين تم استيراده من ايطاليا بسبب عرض البناية الذي يمتد لـ 18 مترا.
ملتقى اجتماعي
اكتسبت سينما الحمراء بريقا ونجومية استثنائية على مدار 35 عاما، واضفت للاعياد في المدينة المقدسة رونقا خاصا، واستقبلت ساحتها الامامية الرجال بالقمصان التي حرصوا على فتح عدة ازرار منها والبناطيل التي امتازت بنهايتها العريضة، كما استقبلت شابات ونساء القدس بفساتينهن القصيرة المزركشة وبعض المحافظات ممن كنّ يرتدين غطاء راس ابيض يعقدنه عند الرقبة بعقدة ليّنة.
قبيل العرض ترتفع اصوات الباعة في الساحة حثا للزوار على شراء الساندويتشات الخفيفة والمشروبات الغازية والفشار، بينما ينهمك رواد المكان بشراء التذاكر التي صنفت حينها لثلاثة انواع، اقلها ثمنا تذكرة “القاعة” بستة قروش اردنية واعلاها ثمنا تذكرة “البلكونة” باثني عشر قرشا اما تذكرة “اللوج” ذات السعر المتوسط فبلغ ثمنها ثمانية قروش.
كلمات الحب والحرب والسلام قيلت بلغات عدة على الشاشة الكبيرة، منها العربية والانجليزية والفرنسية والتركية وحتى الهندية.
المسن المقدسي عبد اللطيف سيّد (72 عاما) تردد على دور السينما كثيرا في شبابه وكان يذهب الى سينما الحمراء مشيا على الاقدام من مدرسة الرشيدية الثانوية التي كان يتلقى تعليمه المدرسي فيها.
يقول عبد اللطيف سيد في حوار للجزيرة نت “لم اكن املك المال لشراء تذاكر اللوج والبلكونة.. كنتُ واصدقائي نشاهد الافلام من القاعة وهي اقل التذاكر ثمنا، ولم يكن لدينا متنفس في القدس سوى دور السينما للترفيه وقضاء اوقات الفراغ”.
حالف الحظ سيد بدخول السينما مجانا في كثير من الاحيان، لان والد صديقه كان يتجه لبيروت وعمَّان بسيارته الخاصة لجلب افلام السينما فكان يتمكن من ادخال نجله واصدقائه مجانا لعروض الافلام.
ذكريات شرحها يطول
نبش المسن المقدسي ذاكرته عن تفاصيل تلك الايام وقال للجزيرة نت “كان الفيلم ياتي بكيس جلدي او قماشي مقوى وبداخلة 12 عجلة حديدية تشكل معا الفيلم الكامل.. تمكنتُ من الدخول لغرفة التحكم التي تحتوي على نوافذ صغيرة يجلس بداخلها الشخص المسؤول عن تشغيل الفيلم وكان يطلق عليه اسم (اوبريتر).. خلال العرض كان يتنقل بيننا شبان يحملون صناديق خشبية يبيعون فيها (المشروبات الباردة/ الكازوز) لمن يرغب”.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي تزوج سيد وبات يتردد على سينما الحمراء مع زوجته ويذكر جيدا انهما حضرا فيلم “ابي فوق الشجرة” واضطرا للعودة الى منزلهما في حي راس العامود في القدس مشيا على الاقدام بسبب انعدام حركة المواصلات العامة ليلا في المدينة حينها.
ضحك مثل الاطفال، وهو يستذكر تفاصيل ذلك المشهد وقال “كانت زوجتي ترتدي حذاء بكعب عال تعبت من السير وجُرحت قدمها من الخلف.. كانت الحياة بسيطة ولتلك الايام في القدس ذكريات لا تُمحى”.
قادنا البحث عن معلومات لهذا التقرير الى التعرف على المهندس المعماري المقدسي سيمون كوبا الذي ارتاد السينما في شبابه وكُتب له ان يرمم المبنى الذي اُغلق عام 1989، بعد اندلاع الانتفاضة الاولى ليعاد افتتاحه وتحويله الى قاعة افراح ومؤتمرات عام 2009.
وعن المشاعر التي انتابته في المرة الاولى التي دخل فيها المبنى بعد اغلاق استمر عشرين عاما قال “كنتُ اشتري عادة تذكرة اللوج وفي احدى المرات ادخلتُ معي خلسة بزر عين الشمس وهو من الممنوعات في السينما، اكلت كثيرا منه وفي نهاية الفيلم نظرت الى الاسفل ووجدت كومة كبيرة فخجلت ونظفت قدر الامكان.. وعندما دخلت مهندسا لترميم المكان هرولت الى ذلك المقعد الذي جلست عليه قبل عقود.. ما زلت اذكره واميزه من بين ستمئة مقعد اخر”.
عندما دخل كوبا السينما عام 2007 كان الزمن قد توقف بالمكان قبل عقدين من الزمن فوجد المقاعد متهالكة وشاشة العرض مهترئة وروث الحَمام يملا المكان، ومئات عجلات الافلام تنتشر هنا وهناك.
نحو ثلاثة الاف صورة للسينما قبل الترميم وبعده يحتفظ بها كوبا على جهاز الحاسوب في المكتب، ابحرنا معه في تفاصيل الزمن الجميل وانسجمنا بشرحه عن الافلام التي عرضت قديما في القدس، متطرقا الى مهنة انعشتها دور السينما، وهي حاجة هذه المؤسسات لخطّاطين يكتبون اسم الفيلم وتفاصيله على ورق ابيض مقوى.
“كانت الكلمات تُكتب عادة بخط احمر عريض وتُعلق الاعلانات في باب العامود من الداخل وحارة النصارى واماكن اخرى، وهذه الاعلانات كانت تروج للافلام، الى جانب المنشورات التي كانت تصل من خارج البلاد من شركات السينما وتحمل صور ابطال الفيلم واسمه مرفقة مع كلمة (سكوب ملوّن) اذا كان الفيلم ملونا”.
توقف عرض الافلام بالقدس في دور السينما بعد دخول التلفاز الى البيوت وبعيد اندلاع الانتفاضة الاولى، لكن ما زال المقدسيون من رواد السينما قديما ينبشون ذاكرة تلك الايام ويدندنون باغنيات “الهوا هوايا” و”بدع الورد” و”مخاصمني بقالو مدة” وغيرها، ويجدون في ذلك ملجا يعيدهم لايام هادئة يجزمون انها لن تعود مجددا.سينما الحمراء.. عندما كان في القدس مكان للترفيه

Scroll to Top