اخبار اليوم الصحيفة, امتدت 85 سنة اخبار اليوم الصحيفة, امتدت 85 سنة
لا يكادُ المثقف المعاصر يعرف عمن ينتسب الى “اهل الحديث” من المعاصرين الا الاستكانة للسلاطين، والتسليم لامرهم والفُتيا على رغبتهم، وتحريم معارضتهم ولو بالقول، بل والتبليغ عن معارضيهم للحاكم حتى يسجنهم وينكّل بهم. فهل كان اهل الحديث الحقيقيون -الذين ينتسب اليهم هؤلاء- على مثل مذهبهم في “مجاملة” الحكام ومداهنتهم وان ظلموا وفجروا وارتكبوا الفاحشة “على الهواء مباشرة نصف ساعةٍ يوميًّا”؛ كما زعم الزاعمُ منهم في تسجيل منشور؟
كما لا تنقضي عجائب فتاوى “المحدّثين المعاصرين” -ان صحّ التعبير- في نُصرة الحاكم مهما ظلم؛ فبينما كان الاقدمون من اهل الحديث -كالحسن البصري (ت 110هـ) وسفيان بن عيينة (ت 198هـ) وغيرهما- يُفتون بان “لا غيبة لثلاثة…” ويذكرون منهم: “الامام الجائر”؛ نجد ان “المحدّثين الجدد” شرّعوا النميمة والتخابر على الناس لصالح الحكّام الظَّلَمة، رغم الحديث النبوي الثابت والقاطع بانه “لا يدخل الجنّة نمّام”.
عوامل مؤطرة
والحقُّ ان السلف لم يكونوا على مذهب واحد في التعامل مع الحاكم الظالم؛ اذ اختلف الاقدمون في حكم الخروج عليه بـ”السيف”، ثمّ راى اكثرهم تحريم الخروج المسلّح عليه، دون ان يتخلّوا عن وجوب انكار منكره ومعارضة ظلمه بغير القتال. ولاهل الحديث خاصّة تاريخٌ عريقٌ في المعارضة السياسيّة للحكام، سنحاولُ -في هذه المقالة- عرض طرف منها، مع كلمة في فهم الاسباب الموضوعية التي جعلت المتقدمين من “اهل الحديث” على مسافةٍ من اصحاب السلطة، او على يسارهم ان صحّ التعبير.
واوّلُ عاملٍ يمكن ان يُذكر في تاسيس بُعد المحدّثين عن السلطان هو مبدا “النقد” الذي قامت عليه اصولُ علم الحديث، فعلمُ الحديث نقديٌّ وغايتُه كما ذكروا في كتب مصطلح الحديث: “تمييز الصحيح من السقيم من الحديث”، وهذا لا يتاتى الا لمن تحلّى بروحٍ نقديّة عالية، تتناولُ الرجال والاسانيد والمتون، فتتجاوز الادبيات الاسلامية التقليدية في ذمّ الغيبة وغضّ الطرف عن المعايب الى وجوب تبيان احوال الرواة؛ وهذا ينمّي في قلب المشتغل به المَلَكَة النقدية الفطرية، ويورثه جراة على الصدع بالحقّ المُرّ امام المخطئين.
وربما كان من اسباب بُعد المحدّث عن السلطان كذلك انهم كانوا يرون في القرب منه طعنًا في العدالة، التي هي الشرطُ الاول من شروط توثيق الراوي، فالقريبُ من السلطان ينتفعُ بماله المشبوه، ويُخشى عليه من اثار ذلك المال، ولذلك فان كتب الجرح والتعديل طافحةٌ بذمّ من اخذ “جوائز السلطان”، ومن تقرّب منه او دخل في شيء من “عمل السلطان”، حتى رووا ان الامام احمد بن حنبل (ت 241هـ) كان لا يصلّي خلف عمه اسحق بن حنبل ولا يكلمه هو ولا ابنيْه لانهم اخذوا جائزة السلطان.
ومن الاسباب المحتملة لجفاء المحدّث الطبيعي للسلطان عيشُه مع ميراث النبوة؛ فهو يتاملُ سيرةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، و”الخلفاء الراشدين المهديين” من بعده، ويرى بُعد الشقّة بينها وبين صورة امراء عصره الظلمة الفَسَدة اللاهين، فتكون الصورة الناصعة الحاضرة في قلبه وحديثه تذكيرًا دائمًا بقبح سلاطين زمانه.
معارضة مبكّرة
من النماذج المبكرة لجنوح حمَلَة الحديث الى انتقاد السلطة السياسية ما سجلته تراجم محدّثي الصحابة من صدعهم بكلمة الحق بين ايدي الحكام، كلما راوا منهم انحرافا عن جادة الطريق التي تركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنعرض هنا لصور منها مبتعدين عن الدخول في احداث ما عُرف بـ”الفتنة الكُبرى” بين الصحابة اواخر عهد عثمان بن عفان (ت 35هـ).
فقد عُرف ابو ذر الغفاري (ت 32هـ) –الذي بلغت احاديثه في مسند الامام احمد نحوًا من ثلاثمئة- بانه صاحب اشهر معارضةٍ سياسية بين الصحابة قبل وقوع الفتنة الكُبرى، وذلك بانتقاده لموقف عثمان بن عفان وواليه على الشام معاوية بن ابي سفيان (ت 60هـ) من مسالة كنز الذهب والفضة؛ اذ اخرج الامام البخاريّ (ت 256هـ) في الصحيح باسناده عن زيد بن وهب (ت 96هـ)، قال:
مررتُ بالرَّبَذة (= موضع شرق المدينة المنورة بنحو 200 كلم) فاذا انا بابي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما انزلك منزلك هذا؟ قال: “كنت بالشام، فاختلفتُ انا ومعاوية في [قوله تعالى]: «الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله» [التوبة: 34]. قال معاوية: نزلت في اهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب الى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب اليَّ عثمان: ان اقدُم المدينة فقدمتُها، فكثُر عليّ الناسُ حتى كانهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان فقال لي: ان شئت تنحَّيتَ فكنتَ قريبًا. فذاك الذي انزلني هذا المنزل، ولو امّروا عليّ حبشيًّا لسمعتُ واطعت”.
وقد حصل موقفٌ شبيهٌ بهذا بين الصحابيّ الزاهد المشهور ابي الدرداء (ت 32هـ)؛ اذا اختلف هو ومعاوية في بيعٍ من البيوع، فذكر حديثًا سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال مُحتجًّا: “من يعذرني من معاوية! انا اُخبرُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُخبرُني عن رايه، لا اُساكنُك بارضٍ انت بها”.
واما ابو هريرة (ت 59هـ) الذي هو اكثر الصحابة حديثًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان على عكس ما يُشيعه متاخرو الشيعة وغيرهم من انه كان مداهنًا لبني اميّة، والمح كثيرًا الى اعتراضه على حكمهم وعدم رضاه عنه، لكنه لم يصرّح لخوفه على نفسه من بطش سلطتهم، رغم انه صار اجرا واصرح في اخر عهد معاوية. فقد روى البخاريّ باسناده الى ابي هريرة انه قال: “حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءيْن: فاما احدهما فبثثتُه، واما الاخرُ فلو بثثتُه قُطعَ هذا البُلعوم”.
قال الحافظ ابن حجر العسقلانيّ (ت 852هـ) شارحًا الحديث السابق: “وحمل العلماءُ الوعاءَ الذي لم يبثه على الاحاديث التي فيها تبيين اسامي امراء السوء واحوالهم وزمنهم، وقد كان ابو هريرة يكني عن بعضه ولا يُصرّحُ به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: «اعوذ بالله من راس الستين وامارة الصبيان»، يشيرُ الى خلافة يزيد بن معاوية لانها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء ابي هريرة فمات قبلها بسنة”.
ثورات الصحابة
وقد بلغت مواقفُ الصحابة المعارضة للسلطة غايتَها بحادثة خروجُ الحسين بن عليّ –وهو صحابي جليل وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- على يزيد بن معاوية سنة 61هـ، فافتتح بذلك سلسلة من الثورات المسلحة قادها العلماء وكانوا وقودها، وامتدت -على موجات متعاقبة وان كانت متباعدة احيانا- نحو 85 عاما ما بين سنتيْ 61هـ و145هـ، ولم يحُلْ فشل احداها دون اندلاع اخرى تليها ولو بعد سنين.
فبعد ثورة الحسين؛ جاءت ثورة الصحابيّ سليمان بن صُرَد الخزاعي -وله احاديثُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم- الذي قاد “جيش التوابين” من العراق لمقاومة ظلم بني امية سنة 64هـ، وبلغ عدد قواته اربعة الاف مقاتل. وكذلك مجابهة الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام (ت 73هـ) لعبد الملك بن مروان (ت 86هـ) وواليه الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ)؛ وغيرها من الاحداث والثورات العظيمة التي اخذت اهتمامًا كبيرًا من المؤرّخين والباحثين.
على ان كبرى الثورات الساعية لتغيير الحكم بالقوة في عهد الصحابة كانت ثورة اهل المدينة –وهي عاصمة اهل الحديث- سنة 63هـ على يزيد بن معاوية، الذي قال عنه الامام الذهبي (ت 749هـ): “وخرج عليه غير واحد -بعد الحسين- كاهل المدينة قاموا لله”.
وتسمى هذه الثورة “ثورة الحَرَّة” وكانت بقيادة كل من عبد الله بن مطيع العدوي اميرا على المهاجرين، وعبد الله بن حنظلة الانصاري اميرا على الانصار، وذلك بعد ان شهد وفد منهم برئاسة ابن مطيع على يزيد بانه “يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب” (‘البداية والنهاية‘ لابن كثير ت 774هـ).
وهكذا خلع اهل المدينة بيعة يزيد وبايعوا عبد الله بن مطيع عند منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعل مسجدَه مقرّه، وخرج معه اكثر اهل المدينة لقتال جيش يزيد القادم من الشام؛ فقد نقل ابن كثير عن الامام ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) انه سُئل عن عدد “القتلى يوم الحرة [فـ]قال: سبعمئة من وجوه الناس من المهاجرين والانصار ووجوه الموالي، وممن لا اعرف من حُرّ وعبْد وغيرهم عشرة الاف”.
وبسبب فظائع وقعة الحرّة ساءت علاقة محدّث المدينة وامامها سعيد بن المسيّب (ت 94هـ) ببني اميّة، وكانت له مواقف شجاعة في انتقاد حكمهم دفع ثمنها ضربًا حتى قارب الموت.
وكان من محدّثي مشاهير قادة ثورة اهل المدينة الذين قتلوا في احداثها: معقل بن سنان الاشجعي الذي قال عنه الذهبي: “له صحبة ورواية، حمل لواء اشجع يوم الفتح…، وفد على يزيد [بن معاوية] فراى منه امورا منكرة، فسار الى المدينة وخلع يزيد وكان من كبار اهل الحرة”.
ومنهم عبد الله بن زيد بن عاصم الانصاري الذي ذكر الامام ابو نعيم الاصبهاني (ت 430هـ) انه “شهد بدرا”، وافاد الذهبي بانه “صاحب حديث الوضوء”. وكذلك مسروق بن الاجدع الهمداني الذي ترجم له ابن سعد (ت 230هـ) في كتابه ‘الطبقات‘، وقال ان “له احاديث صالحة”، ووصفه الذهبي بـ”الامام القدوة العلَم”.
ثورة القرّاء
اما زمن التابعين فهو زمنُ المحدّثين الثوار بلا منازع؛ فقد كانت فيه ثورة اهل الحديث الكُبرى التي عُرفت بـ”ثورة القـُـــرّاء”، ومصطلح “القراء” حينها كان يطلق على علماء الشرع مطلقا، اذ لم تكن تخصصات الفقه والاقراء والتحديث قد تمايزت انذاك حقولا منفصلة، ولذلك كان اكثر المشاركين فيها محدّثين وفقهاء ومقرئين.
وقد تفجرت احداث هذه الثورة في العراق وتحديدا في مصريْه الكبيرين البصرة والكوفة، فخرج كثيرٌ من علمائهما ثائرين مع القائد العسكري عبد الرحمن بن الاشعث الكندي (ت 84هـ) لـ”خلع عبد الملك ونائبه {على العراق الحجاج}…، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع ائمة الضلالة وجهاد الملحدين”؛ على ما ذكره الامام ابن كثير الذي يفيدنا بان ابن الاشعث “سار معه ثلاثة وثلاثون الف فارس ومئة وعشرون الف راجل”. وقال ايضا: “كان جملة من اجتمع مع ابن الاشعث مائة الف مقاتل ممن ياخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم”.
وعن اسباب ثورة هؤلاء العلماء يقول الامام الذهبيّ في كتابه ‘سير اعلام النبلاء‘: “وقام معه (= ابن الاشعث) علماءُ وصلحاءُ لله تعالى لِمَا انتهك الحجاجُ من اماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته”. ويحدد المؤرخ المحدِّث خليفة بن خياط (ت 240هـ) عددَ العلماء في هذا الجيش بقوله -رواية عن التابعي مالك بن دينار (ت 127هـ)- انه “خرج مع ابن الاشعث خمسمئة من القرّاء كلهم يرون القتال”.
سيطر العلماء الثوار على البصرة والكوفة، وطردوا منهما الادارة الاموية بزعامة الحجاج وكادوا ان ينتزعوا منه العراق باجمعه، بعد ان زلزلوا الحُكم الامويّ زلزالًا عظيمًا عبر سلسلة من المعارك كانت فيها “الدائرة (= الغلبة) لاهل العراق على اهل الشام في اكثر الايام”؛ كما ذكر ابن كثير.
ومن مشاهير ائمة المحدّثين الذين خرجوا في ثورة ابن الاشعث: الصحابيّ الجليل انسُ بن مالك (ت 93هـ) الذي يُعدّ في الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد خرج مع جُملة علماء ومحدثي التابعين الذين ثاروا مع ابن الاشعث، وكان عمره قد جاوز التسعين.
وكان ضمن الثائرين ايضا ابنه النّضر بن انس وهو الاخر من اهل الحديث؛ ومنهم محمّد بن سعد بن ابي وقاص ابن الصحابيّ المشهور، وقد روى له البخاريّ ومسلم واكثرُ المصنّفين في الحديث. وقال فيه الذهبيّ: “الامام الثقة…، روى جُملة صالحة من العلم، ثم كان ممن قام على الحجاج مع ابن الاشعث، فاُسِر يوم [معركة] دير الجماجم فقتله الحجاج”.
ومنهم ابو عبيدة ابن الصحابيّ المشهور عبد الله بن مسعود؛ ومجاهد بن جبر (ت 104هـ) شيخ القراء وامام المفسرين والمحدثين؛ والامام الكبير عمرو بن دينار (ت 126هـ) “شيخُ الحَرم في زمانه”؛ والقاضي عامر بن شراحيل الشَّعبي (ت 106هـ)؛ والفقيه المشهور الحافظ المحدّث عبد الرحمن ابن ابي ليلى؛ ومنهم الامام الكبير الصادع بالحقّ سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج لاحقا سنة 95هـ في قصة مشهورة. وكلّ من له علاقةٌ بالحديث وكتب الحديث يعرفُ وزن هذه الاسماء في طبقات اعلام الحديث.
وما من هؤلاء احدٌ الا روى له اصحاب الكتب الستة (البخاريّ ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وغيرهم من مصنفي الحديث، واحاديثهم مستفيضةٌ فيها، واسماؤهم تلمعُ في سلاسل الذهب من الاسانيد، مذكِّرة بهم وبفقههم وببسالتهم، واكثرُهم قضوا شهداء في هذه الثورة على الظلم.
من صور استبسالهم في معارك الثورة مقولة قائد “القرّاء” في الميدان جَبَلَة بن زَحْرٍ الجعفي التي رواها عنه الامام ابن كثير: “ايها الناس ليس الفرار من احد باقبح منكم؛ فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال الشعبي: قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء واماتتهم الصلاة”، ويتضح من هذا ان دوافع منازلة الطغيان السياسي وازالة الحيف الاجتماعي كانت المحرك الاساسي لهؤلاء العلماء المحدثين في ثوراتهم التي اوقدوا نارها وخاضوا غمارها.
وقد كانت موقعة دير الجماجم سنة 83هـ خاتمة سلسلة معارك طويلة بدات عام 81هـ وقيل انّها جاوزت ثمانين موقعة، وكان النصرُ في اغلبها حليفا لجيش القرّاء وابن الاشعث، حتى هُزموا الهزيمة الحاسمة في دير الجماجم فانتهت بذلك ثورتُهم.
دعم للثورات
يكاد يكون زمن طبقة كبار التابعين مرحلةً فاصلةً في الموقف السنّي العام من الظلم والثورة المسلحة عليه، اذ عصفت هزيمةُ “القُرّاء” على يد الحجاج في “دير الجماجم” بجدوى مجابهة الظلم بالسيف، وراجت بعدها فتاوى تحرّم الخروج على ائمة الجور، وانتشر مذهب “الجبريّة” وعقيدة “الارجاء”، كانتكاسةٍ وتراجع فرضته الهزيمةُ المُرّة.
ورغم ما حلّ بفكرة المقاومة المسلحة بعد الهزائم المنكرة المتتالية للثورات التي ايّدها العلماء؛ فقد بقي مبدا المعارضة السياسية للحكام حاضرًا عملًا بفريضة “الامر بالمعروف والنهي عن المنكر”، واخذًا بعزيمة “الصدع بكلمة الحق بين يديْ امام جائر”، حتى عند مَن اختار مسالمة الحكام وكرِه منابذتهم، كما يُعلم ذلك من مواقف الامام ابن شهاب الزهريّ –وهو امام اهل الحديث في زمانه- الذي تصالح مع الامويين رغم تاريخ عائلته المعادي لهم.
وهكذا؛ فانّ الامور –منذ اواخر عهد التابعين- كانت تسيرُ شيئًا فشيئًا الى الاكتفاء بالمعارضة السياسية “السلمية” -ان صحّ التعبير- دون الثورة المسلّحة؛ غير ان جماعةً من اهل الفقه والحديث كانهم ظلّوا على الراي الاول.
فقد وقف الامام ابو حنيفة النعمان (ت 150هـ) –مؤسس المذهب الحنفي وصاحب “مسند ابي حنيفة”- مع ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب -الذي يُنسب اليه المذهب الزيدي الفقهي- في الكوفة سنة 122هـ ضدّ الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك (ت 125هـ)، لان زيداً “كانت بيعته التي يبايع عليها الناس: انا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفاع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين…؛ فبايعه خمسة عشر الفاً وقيل: اربعون الفاً” (الكامل لابن الاثير ت 630هـ).
وبعد فشل ثورة زيد؛ ساند ابو حنيفة ثورة الامام المحدّث (خرّجت روايتَه سننُ ابي داود والترمذي والنسائي) محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب الملقب بـ”النفس الزكيّة” على حكم المنصور العباسي (ت 158هـ) سنة 145هـ.
وقد ذكروا في “مسند ابي حنيفة” انه روى عن عكرمة عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام الى امام جائر فامره ونهاه”. وضُرب ابو حنيفة غير مرّة على ان يتولّى القضاء فما رضي، ويقال انه مات بسُمّ دسّه له المنصور انتقاما من معارضته له ورفضه تولي المناصب في سلطته!
اما الامام مالك بن انس (ت 179هـ) –وهو صاحبُ المذهب المالكي ومصنّف ‘الموطّا‘ احدى امهات مدونات الحديث- فقد ايّد ثورة “النفس الزكية” وكان يُحدّث بحديث: “لا طلاق لمُكرَه”، وهو يلمّح بذلك الى ان الناس اكْرِهوا على بيعة المنصور العباسي بجعلهم يقسمون بالطلاق على الا يخلعوا بيعته، والبيعة بالاكراه باطلة وبالتالي لهم الحق في ان يبايعوا “النفس الزكية” مختارين ان شاؤوا.
وقد اعتقل والي المدينة مالكاً بسبب ذلك وامر بضربه حتى انخلعت كتفُه وحُمل مغشيا عليه، لكنه رفض التراجع عن موقفه وقال في ذلك مقولته التي سجلها التاريخ في وجوب معارضة العلماء للسلطة اذا انحرفت: “ضُربت فيما ضُرب فيه سعيد بن المسيب ومحمد بن المنكدر (ت 130هـ) وربيعة [بن عبد الرحمن (ت 136هـ)]، ولا خير فيمن لا يُؤذَى في هذا الامر”؛ وفقا لما رواه الذهبي في كتابه ‘تاريخ الاسلام للذهبي‘.
اراء ثورية
واما الامام الشافعيّ (ت 204هـ) -وهو صاحب المذهب الشافعي وقد جُمع له “مسند الشافعي” من الاحاديث الواردة في بعض كتبه- فتُجمعُ مصادرُ الشافعيّة على انّ الخليفة الرشيد العباسي (ت 193هـ) ارسل اليه يطلبه من اليمن حوالي سنة 184هـ، وحبَسه وهمّ بان يفتك به بسبب وشايةٍ من بعضهم تقول انه كان يخطط للثورة على الرشيد انطلاقا من اليمن.
ولا عجب ان ينقُم ايُّ سُلطان على الشافعي؛ فقد كانت اراؤه الفقهية السياسية بالغة التحرر، تكفلُ المعارضة السياسية السلمية لاي شخص مهما كان حتى يمتنع اصحابها بالسلاح ويقاتلوا، وان حملوا السلاح طلبًا لمظلمةٍ بيّنة فانّ الشافعيّ يرى ردّ مظلمتهم لا قتالهم، ولا يُقاتلون الا اذا قاتلوا ظُلمًا وعدوانًا، فان تركوا القتال –لاي سبب- فلا يحلُّ قتالهم.
وقد اشترط لقتلهم شروطًا عسيرة بان يكونوا “مقبلين ممتنعين مريدين (يعني للقتال) فمتى زايلوا هذه المعاني فقد خرجوا من الحال التي ابيح بها قتالهم”. وقد اجاز شهادة من عُرف بالصدق منهم، وحكم لهم بنصيبهم في بيت المال، فلم يُهدِر شيئًا من حقوقهم المادية ولا المعنوية، متاسيًا بعليّ بن ابي طالب وعمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) كما روى عنهم (كتاب ‘الام‘ للشافعي).
وهكذا فكان اهل العلم –وخاصّة في المائة الاولى- كانوا يرون الثورة المسلّحة اوّلًا، ثم تفرّقوا بعد ذلك –في المائة الثانية- بين مؤيّد للخروج المسلّح ومكتفٍ بالمعارضة السلمية (كلمة الحق)، ولم يظهر فيهم من يدعو الى موالاة الحكام الظلمة ومناصرتهم والدفاع عن اخطائهم وتبريرها، ولا من يبيح دماء المعارضين حتى وان كانوا على غلط وضلال.
بل انّ اكثرهم ظلّ على تحفظه وتوجّسه من اي علاقةٍ مع الحكام، ويُحّذرون من قربه، فيوصي بعضهم بعضًا قائلا: “لا تدخل على السلطان، وان قلتَ: امرُه بطاعة الله”، وذلك خشية ان يفتنهم بسيفه وذهبه. وكانوا يقولون “ما اقبح بالعالم ان ياتي الامراء”، وما احسن الا “يتلطّخ بشيء من امر السلطان”، ويحبون للعالم ان “لا يقبل جوائز السلطان” لانّ ماله مشبوه ومظنّة فساد.
وقد ترك بعضُ ائمة العلماء والمحدّثين احاديثَ اناسٍ من مشاهير الثقات لانهم دخلوا في شيء من “عمل السلطان”، واخذوا على سفيان بن عيينة -وهو من هو في الامامة في الحديث- انه “تلطّخ بالسلطان”.
محنة وثبات
اما المائة الثالثة -وهي العصر الذهبيّ للسنّة جمعاً وتنقيحاً وتدويناً- فقد شهدت صفحة خالدةً من تاريخ اهل الحديث في مواجهة السلطان، اذ تزعّموا ركب المعارضين وحملوا لواء المُنكِرين، بسبب اعتناق الخلفاء العباسيين مذهب المعتزلة ومحاولتهم حملهم الناس عليه بقوة السلطة، وخصوصًا قولهم في القران “انه مخلوق”، وذلك فيما عُرف بـ”فتنة خلق القران” او “محنة خلق القران”، التي كان عنوان مواجهة المحدثين لها امام اهل الحديث في زمانه احمد بن حنبل.
وكانت المحنة ابتدات زمن المامون (ت 218هـ)، واشتدّت زمن المعتصم (ت 227هـ) ثم ايام الواثق (ت 232هـ)، وانتهت بداية عهد المتوكّل (ت 247هـ). والعجيبُ ان من تصدّر اضطهاد اهل الحديث في ذلك الوقت هم المعتزلة، وهم الذين كانوا تعرّضوا لاضطهاد على الراي بلغ حدّ القتل قبل عقود يسيرة من ذلك، بتاييد ومباركةٍ من بعض المحدّثين!
فاذا جعلنا المحدّثين مكان ما يُسمّى “تيار الاسلام السياسي” اليوم، والمعتزلة مكان ما يُسمّى “التيار المدني” مع التنبه للفرق الكبير بينهما المتمثل في اعتناق المعتزلة للمرجعية الشرعية الاسلامية؛ فكم ستظهر المقارنة مُرّة وصادقةً وهزليّة، حين نرى السلطة منذ ذاك الزمن تُقرّب هؤلاء مرة وتذبح الاخرين، ثم تاتي سلطة اخرى، او السلطة ذاتُها فتقرّب مُضطهَدي الامس وتذبحُ مخالفيهم!
وقع الاضطهادُ على “اهل الحديث” اذن، وسيقوا بالسلاسل حتى مات بعضُهم فيها، وصمد الامام احمد صموده المشهود، ورُويت في تلك المحنة قصص عظيمة، منها قصّة وفاة الامام البويطيّ تلميذ الامام الشافعيّ الذي اخِذ من مصر الى العراق مقيدا بسلاسل الحديد فسُجن هناك حتى مات، ولكنه قبل ان يموت ترك لنا كلمته الخالدة: “والله لاموتنّ في حديدي هذا، حتى ياتي من بعدي قومٌ يعلمون انه قد مات في هذا الشان قومٌ في حديدهم”!
وقصصُ “محنة خلق القران” تطول خاصّة انها جرت على المحدّثين؛ غير انّ قصّة منها تستحقُّ التامل والنظر، وهي قصّة احمد بن نصر الخُزاعي (ت 231هـ) الذي وصفه الذهبي بانه “الامام الكبير الشهيد”. فقد اسس الخُزاعيّ حركةً سياسية سرية مسلحة بتمويلٍ من بعض انصاره، وكانت تحضّر للثورة على الخليفة العباسي الواثق، فكُشف امرُها واُخذ الخزاعي وقُتل بين يديْ الواثق، بل يقال انه هو من قتله بيده!!
والمهمُّ في قضية الخزاعي هو موقفُ اهل الحديث منه؛ فرغم ان معظمهم لم ير الثورة الشاملة على السلطان، فانّهم حمدوا موقفه وعظّموا تضحيته، فقال فيه احمد بن حنبل: “رحمه الله، ما كان اسخاه! لقد جاد بنفسه”، واما امام علماء الجرح والتعديل يحيى بن معين فكان يترحم عليه ويقول: “ختم الله له بالشهادة”.
فكانّ اهل الحديث في المائة الهجرية الاولى كانوا ثوّارًا مسلّحين؛ ثم في المائة الثانية صاروا مترددين بين الثورة المسلّحة والمعارضة السلمية؛ ثم استمرّوا على هذا التردد في المائة الثالثة، مع ميلٍ اكبر نحو المعارضة السلميّة وترك التغيير بالسلاح.
والذي اراه ان غلبة مذهب مَن راى ترك السلاح في مواجهة قوة السلطان منطقيٌّ جدًا بعد تجارب الثورات الفاشلة المُرّة؛ لكنّ غير المنطقيّ هو ان يتحوّل “اهلُ الحديث” الى تاييد السلطان وموالاته والدفاع عنه وعن افعاله، وان جار وظلم وفعل ما فعل. ويبقى تاريخ “اهل الحديث” السابقين مع السلاطين شاهدا على الهوّة العميقة بينهم وبين كثير ممن ينتسبُ اليهم من المعاصرين.امتدت 85 سنة وقادها صحابة وتابعون ودعمها مالك وابو حنيفة.. تعرف على ثورات المحدّثين لاسقاط انظمة الطغيان
