اخبار اليوم الصحيفة, الخليفة الناصر والسلطان اخبار اليوم الصحيفة, الخليفة الناصر والسلطان
روى المؤرخ تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) -في كتابه ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- ان السلطان الظاهر بيبرس (ت 676هـ) بعد ان فرغ من صلاة عيد الفطر سنة 659هـ جلس في خيمته، وحضر اليه اول الخلفاء العباسيين في مصر المستنصر بالله الثاني (ت 660هـ) فـ”البسه سراويل الفتوة بحضرة الاكابر”، وكانت من يد الخليفة مباشرة؛ وبذلك جمع الظاهر بين السلطنة والفتوة واصبح من “اهل الفتوة” وعضوا في “جماعة الفتيان”.
فما هي “الفتوة”؟ وكيف برزت في الوجود العربي؟ وهل كانت مستعارة من ثقافات اخرى ام نجمت من داخل الثقافة العربية؟ وكيف نفهم الاثر الذي احدثته في العالم الاسلامي؟ وما هي اشد لحظاتها سطوعا؟ وكيف كانت تنشا الحركات المجتمعية في الحضارة الاسلامية وما طبيعة الفكر الحركي داخلها؟ وكيف انتقلت روحها الى الثقافة والتقاليد المجتمعية الاوروبية؟ وهل لها من امتدادات في مجتمعاتنا الاسلامية اليوم؟
ميراث اصيل
بالعودة الى مواريث البادية العربية في جاهليتها؛ يمكن ان نلمح عدة صفات حميدة تندرج في دلالات مفردة “الفتوة” عند العرب واتّصف بها قطاع كبير منهم، وكلها تدور حول معاني الفروسية والشجاعة والمدافعة والكرم، وقد وصفوا بالفتوة الشاب السخي المقدام قال ابو بكر الرازي (ت 666هـ) في ‘مختار الصحاح‘: “الفتى..: السخي الكريم، يقال: هو فتًى بيّنُ الفتوة”.
ولعل من اقدم النصوص التي اجّجت هذا المعنى وسجلته بيت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:
اذا القوم قالوا: من فتًى؟ خِلتُ انني ** عُنيتُ فلم اكسل ولم اتبلّد
فطرفة يرى انه المعني الاول بمواجهة الصعاب والشدائد، وهنا يتضح ان الفتوة كان لها عند عرب الجاهلية محتوى قيمي داخلي وعلامة بدنية رياضية، وهذا الجمع بين رياضة البدن والايثار والتضحية من اجل الاخرين هو ما يشكل الارضية التي يرتكز عليه خُلق الفتوة.
وتقترب الفتوة في دلالاتها من “المروءة”، وان كان ابن القيم (ت 751هـ) يذهب –في ‘مدارج السالكين‘- الى ان المروءة اعم منها، ولذلك يقول اللغويون ان “المروءةَ الانسانيةُ”. اما ابو الريحان البيروني (ت 440هـ) فيرى –في كتابه ‘الجماهر في معرفة الجواهر‘- ان “المروءة تقتصر على الرجل في نفسه وذويه وحاله، والفتوة تتعداه.. الى غيره”.
ولعل البيروني يلمّح هنا الى الاثر الذي ادخله الاسلام في الثقافة العربية، حين جعل النخوة والتضحية متجاوزة لخدمة القبيلة الى خدمة الاخوة الايمانية. فالفتى عند البيروني “هو الذي اشتهر بالقدرة عليها (= تحمُّل اعباء الاخرين)، وعُرف بالحِلم، والعفو، والرزانة والاحتمال، والتعظم والتواضع؛ [فبذلك] يرقى الى العلياء”.
وهكذا تحرك المفهوم مع مجيء الاسلام لينتقل من التمركز العصبي الى وصف لطبقة ممتازة من المؤمنين، يجعلون من الفتوة منهجا تدريبيا لتربية النفس، واعدادها للصعاب والتضحية والفدائية والفروسية، اذ اندمجت تلك القيم ضمن اطار الاخلاق الاسلامية وكانت ظاهرة في ميدان الحروب التي خاضها المسلمون في بداية الدعوة، فوُصفوا حينها بانهم “رهبان بالليل وفرسان بالنهار”؛ كما قال القاضى عبد الجبار المعتزلي (ت 415هـ) في ‘تثبيت دلائل النبوة‘.
لكن هذه الفتوة بدات -مع الايام- تتبلور حولها جملة من المعاني الروحية التي تعبر عن اتجاه في التصوف، فحاول بعض المتصوفة ان يجعل منها قيمة روحية صرفة، بينما راى اخرون من غيرهم ان يكتفي بجانبها المادي البدني فقط، كما نجد لدى حركات الشطار والعيارين و”نبلاء اللصوص”.
الفتوة الروحية
قلنا ان فكرة الفتوة تمركزت عند بعض الصوفية حول معنى جهاد النفس، باعتباره اوْلى من جهاد العدو الخارجي، فتمسكوا بالمصطلح لكنهم تحركوا به نحو ما يمكن ان نسميه “المغامرة الروحية”، وقرروا الاستعانة بالفروسية من اجل سلوك طريق الايمان الصعب.
وفي ذلك يقول الراغب الاصفهاني (ت 502هـ) في ‘الذريعة الى مكارم الشريعة‘: “وقد استعارت الصوفية لفظ الفتوة للتصوف لكونها مشاركة له في جميع افعالها الا في الغَرَض، فان غرض الفتيان استجلابُ محمدة الاقران، وغرض المتصوفة استجلابُ محمدة الرحمن، بل مجرد مرضاته تعالى”.
وهنا نرى الشريف الجرجاني (ت 816هـ) -في كتابه ‘التعريفات‘- يعرّف الفتوة انطلاقا من المزاوجة بين دلالتها اللغوية الاصلية ومفهومها الصوفي الطارئ؛ فيقول ان “الفتوة في اللغة: الكرم والسخاء، وفي اصطلاح اهل الحقيقة هي: ان تؤثِر الخلق على نفسك بالدنيا والاخرة”.
وقد افرد ابو القاسم القشيري (ت 465هـ) بابا في ‘الرسالة القشيرية‘ للحديث عن الفتوة، اورد فيه اقوالا عن حقيقتها يدور معظمها حول الروح الايثارية الايمانية، ومنها قوله ان “اصل الفتوة ان يكون العبد ابدا في امر غيره قال (ص): لا يزال الله تعالى في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة اخيه المسلم”. وينقل عن الفضيل بن عياض (ت 187هـ) ان “الفتوةَ الصفحُ عن عثرات الاخوان”. واما شيخ الصوفية الحارث المحاسبي (ت 243هـ) فعنده ان “الفتوة ان تُنصِف ولا تَنتَصِف”.
ويقول الحافظ ابن عبد البر الاندلسي (ت 463هـ) –في ‘بهجة المجالس‘- انه “ذُكِرتْ الفتوة عند سفيان (الثوري المتوفى 161هـ) رحمه الله، فقال: ليست بالفسق ولا الفجور، ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد (= الامام جعفر الصادق المتوفى 148هـ): طعام موضوع، وحجاب مرفوع، ونائل (= عطاء) مبذول، وبِشْر مقبول، وعفاف معروف، واذى مكفوف”.
واستدعى القشيري روح “المغامرة” الايمانية والتحدي من الامام ابي القاسم النصراباذي (ت 367هـ) الذي يقول: “سُمي اصحاب الكهف فتية، لانهم امنوا بالله تعالى بلا واسطة، وقيل: الفتى من كسر الصنم، قال الله تعالى: {سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم} [سورة الانبياء/ الاية: 60] وقال تعالى: {فجعلهم جذاذا} [سورة الانبياء/ اية: 58]، وصنمُ كل انسان نفسُه؛ فمن خالف هواه فهو فتى على الحقيقة”. وهنا نلاحظ اقتصار روح المواجهة الابراهيمية على شكلها الداخلي دون تحدي سلطة الملِك النمروذ، واختصار الاصنام المتجسدة في الحياة في صنم النفس او الهوى.
الفتوة العابثة
لم تكن اخلاق الفتوة مما اختصّ به ثقافة وممارسة الرجال دون النساء؛ فقد جاء في كتاب ‘مفيد العلوم ومبيد الهموم‘ المنسوب لابي بكر الخوارزمي (ت 383هـ) ان “امراة بنيسابور حملت زوجها الى القاضي تدعي عليه خمسمئة دينار فانكر الرجل، فاستدعى القاضي منها احضار الشهود فاحضرتهم، فقالوا حتى نكشف عن وجهها ثم نشهد، فهمّت ان تسفر عن وجهها فصاح الرجل وادركته الغيرة، وقال انتم تريدون ان تنظروا الى وجه زوجتي؟! ايها القاضي اشهد ان لها عليّ حقا واجبا ستمئة دينار؛ فتعجب القاضي والحاضرون من حميته وغيرته، فقالت المراة: ايها القاضي اشهدك انه بريء من حقي واني قد احللته من ذلك؛ فتعجبوا غاية العجب!! ثم قال القاضي: اكتبوه وضعوه في باب الفتوة”!!
واورد الامام الذهبي (ت 748هـ) –في ‘تاريخ الاسلام‘- راوية تتحدث عما يمكن تسميته “فتوات النساء”، فقد قال في ترجمة احمد بن خضرويه البلخي الزاهد (ت 240هـ) انه “من جِلّة مشايخ خراسان، سالته امراته ان يحملها الى ابي يزيد (البسطامي المتوفى 264هـ) وتبرّئه من مهرها، ففعل. فلما قعدت بين يديه (= البسطامي) كشفت عن وجهها، وكانت موسرة فانفقت مالها عليهما. فلما اراد (= البلخي) ان يرجع قال لابي يزيد: اوصني. قال: ارجع فتعلم الفتوة من امراتك”!!
كانت الفتوة في بعض مراحلها شديدة الروحية وفي بعض اخر شديدة المادية، بحيث “انقلبت الشطارة في المواقف المشرفة الى شطارة وعيارة في فتوة مزيفة، فالشراب والالعاب والغناء والتشطر والارهاب صارت من صفات الفتوة الثانية اللاهية”؛ كما يقول مصطفى جواد في مقدمته لـ‘كتاب الفتوة‘ لابن المعمار البغدادي الحنبلي (ت 642هـ).
فنحن نجد لدى هذه الفئة من اصحاب الفتوة –التي تسمى ‘العيارين‘- قواعد اخلاقية ذات صلة بالشهامة والنبل، لكنها -في نفس الوقت- تقوم باعمال سرقة وترويع. وقد انتقدها على ذلك ابن الجوزي (ت 597هـ) -في ‘تلبيس ابليس‘- فقال: “ومن هذا الفن تلبيسه على ‘العيارين‘ في اخذ اموال الناس؛ فانهم يسمَّوْن بالفتيان، ويقولون: الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم ولا يهتك ستر امراة، ومع هذا لا يتحاشون من اخذ اموال الناس، وينسون تقلي الاكباد على الاموال، ويسمون طريقتهم الفتوة”!
لكن عند استقراء بعض فترات التاريخ الاسلامي نجد انه جرت محاولات لارساء تصالح بين الفتوة الدينية ونظيرتها البدنية، وكان اكثر هذه المحاولات نضجا تلك التي ارتبطت بمرحلة ضعف الدولة الاسلامية عندما شاعت اللصوصية والاعتداء على الحرمات، وخاصة حين خلع ابراهيم بن المهدي (ت 224هـ) طاعة ابن اخيه الخليفة المامون (ت 218هـ) سنة 202هـ، رغم ان جراح بغداد وما حولها لم تندمل بعدُ من الحرب الاهلية بين المامون واخيه الامين (ت 198هـ).
فتن بغداد
ففي تلك الايام وقع هرج ومرج كبير ببغداد سمح بظهور جماعات “الفتوة اللاهية”، فانطلقت ايدي اللصوص تعيث فسادا في المدن والقرى، وهو ما يصوره الطبري (ت 310هـ) بقوله -في تاريخه- ان “الشطار -الذين كانوا ببغداد والكرخ- اذوا الناس اذى شديدا، واظهروا الفسق وقطع الطريق، واخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق…، وكانوا يسالون الرجل ان يقرضهم او يصلهم فلا يقدر ان يمتنع عليهم…، لان السلطان كان يعتز بهم وكانوا بطانته، فلا يقدر ان يمنعهم من فسق يركبونه”.
هنا مسّت الحاجة لاعادة اللُّحمة المجتمعية بمواجهة تلك الحركة العبثية الفوضوية، فشرع البعض في محاولة استعادة ميراث الفتوة الحقيقية بعد ياس من حماية السلطة، فتشكلت لجان شعبية لحماية حرمات المدنيين، و”قام صلحاء كل رَبَضٍ (= حي سكني) وكل دَرْبٍ (= شارع)، فمشى بعضهم الى بعض وقالوا: انما في الدرب الفاسق والفاسقان الى العشرة، وقد غلبوكم وانتم اكثر منهم، فلو اجتمعتم حتى يكون امركم واحدا لقمعتم هؤلاء”.
وقد تزعم امر هذه اللجان -في البداية- رجل من منطقة الانبار غربي العراق اسمه خالد الدريوش، قال الطبري انه ظهر ببغداد سنة 201هـ “فدعا جيرانه واهل بيته واهل محلته على ان يعاونوه على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فاجابوه الى ذلك، وشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه وارادوا قتاله فقاتلهم فهزمهم، واخذ بعضهم فضربهم وحبسهم ورفعهم الى السلطان”. لقد اعتبر الدريوش ان حركته جزء من الضبط الاجتماعي وليست حركة معارضة تسعى للقفز على السلطة، ولذلك “كان لا يرى ان يغيّر على السلطان شيئا”.
ويضيف الطبري انه بعد ذلك بايام برز ببغداد ايضا رجل اخر “يقال له سهل بن سلامة الانصاري من اهل خراسان..، فدعا الناس الى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله جل وعز وسنة نبيه (ص)، وعلّق مصحفا في عنقه، ثم بدا بجيرانه واهل محلته فامرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعا الى ذلك…، وجعل له ديوانا (= سِجِل) يثبت فيه اسم من اتاه منهم، فبايعه على ذلك، وقتال من خالفه وخالف ما دعا اليه كائنا من كان، فاتاه خلق كثير فبايعوا، ثم انه طاف ببغداد واسواقها وارباضها وطرقها ومنع كل من يخفر ويجبي المارة”.
وهنا حدث اللقاء بين الفروسية -او الفتوة الشعبية- وبين القيمة الدينية متجلية في حركة خالد الدريوش زعيم الحرافيش، وسهل الانصاري الذي يريد ان يقدم محتوى ثوريا دينيا لتلك الحركة الشعبية؛ فقال له الدريوش انه لا يضمر موقفا من السلطة القائمة وانما هدفه سدُّ الثغر الامني والخرق الاجتماعي.
او بعبارته هو: “انا لا اعيب على السلطان شيئا.. ولا اقاتله ولا امره بشيء ولا انهاه”، فردّ عليه الانصاري: “لكني اقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان سلطانا او غيره، والحق قائم في الناس اجمعين، فمن بايعني على هذا قبلته، ومن خالفني قاتلته”. فجهز ابراهيم بن المهدي -بعد ان بايعه بنو العباس- جيشا لقتال سهل بن سلامة، فغلبه واسره وانحلّ امره سريعا.
انتشار وتوسع
بدت حركة الفتيان نموذجا لبناء تنظيمات من العمل الشبابي السري الذي يقوم على قواعد مكتوبة وانظمة داخلية خاصة، واتصلت بهذا النموذج اتجاهات اسماعيلية وحشاشية وحركات غنوصية، كانت كلها تناصب النظام الرسمي العداء وتتبنى مناواته.
بل ان المؤرخ والجغرافي المسعودي (ت 346هـ) يحدثنا عن وجود ظاهرة الفتوة في الصين، فيقول انه “لم تزل امور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الامر فيما سلف من ملوكهم الى سنة اربع وستين ومئتين [هجرية]؛ فانه حدث في مُلك الصين امر زال به النظام… وكان سبب ذلك ان خارجيا خرج ببلد من مدن الصين وهو من غير بيت الملك… وكان في ابتداء امره يطلب الفتوة ويجتمع اليه اهل.. الشر، فلحق الملوك وارباب التدبير غفلة عنه..؛ فاشتد امره.. وقويت شوكته”.
ويحدثنا ابن المعمار البغدادي -المتقدم ذكره- عن الانتشار المجتمعي لهذه التنظيمات وتكاثرها، ولاسيما خلال القرنين السادس والسابع؛ فيقول: “لم تزل الفتوة تنتقل -هلمّ جراًّ- الى عصرنا هذا، حتى تفرعت وصارت بيوتا واحزابا وقبائل كالرهاصية والشحينية والخليلية والملدية والنبوية، لما حدث بينهم من الاختلاف”.
ثم يضيف ابن المعمار “فلما انتهى ذلك الى عصر سيدنا ومولانا الامام الناصر لدين الله (ت 622هـ) امير المؤمنين… انعم نظره التام، واختار كبيرا في الفتوة: الشيخ الصالح العابد الزاهد السعيد عبد الجبار بن صالح البغدادي” (ت 583هـ). لقد كان الشيخ عبد الجبار اشبه بـ”الشيخ عفرة” -بحسب ما جسده نجيب محفوظ في روايته ‘ملحمة الحرافيش‘- الذي قال للفتوة عاشور الناجي: “لتكن قوتك في خدمة الناس لا في خدمة الشيطان”!
استعان اذن الخلفية العباسي الناصر –وهو شاب طريّ التجربة لا يزال في السادسة والعشرين من عمره- بموجّه روحي هو الشيخ عبد الجبار البغدادي، فطلب منه ان يُلبسه “سراويل الفتوة” (= زِيّها التنظيمي) وان يعطيه سندها، وذلك بمشورة وضغط من الدائرة المقربة من الخليفة نفسه لكي يستفيد من النفوذ الشعبي الكبير لتنظيم الفتوة التابع للشيخ عبد الجبار، وخاصة انه كان حينها يسعى للتخلص نهائيا من نفوذ السلطان السلجوقي على قصر الخلافة.
ونحن نستجلي هنا اخذ الناصر للفتوة من اقدم مصدر لها؛ فمؤلفه هو ملك حماة المنصور ابن المظفر الايوبي المتوفى سنة 617هـ، اي قبل وفاة الخليفة الناصر بست سنوات. ففي نصه الذي سنورده هنا يبدو الدافع السياسي للناصر جليا في انضمامه الى تنظيمات الفتوة سعيا للسيطرة على فوضى حركاتها التي تعددت حينها في بغداد، واشتد التنافس بينها على كسب دعم السلطة.
تسييس الفتوة
يقول الملك المنصور في كتابه ‘مضمار الحقائق وسر الخلائق‘ شارحا السياق الذي اقدم فيه الخليفة الناصر على الانخراط في عضوية تنظيم الفتوة التابع للشيخ عبد الجبار البغدادي: “وفيها (= سنة 578هـ) تقدم الخليفة باحضار جماعة من الندماء والجلساء اليه كان كثير الميل اليهم…، وفي هذه السنة اجتمع هؤلاء القوم المذكورون عند الخليفة وحسّنوا له ان يكون ‘فتى‘، وقالوا له ان هاهنا رجلا حسنا يقال له عبد الجبار خلفه خلق كثير، وهؤلاء يُحتاج اليهم”.
تم الاتفاق بين الشيخ والخليفة على انضمامه لتنظيم فتوته، و”لبس الخليفة سراويل الفتوة..، وانعم على الشيخ عبد الجبار بخمسمئة دينار..، ثم ان الخليفة.. كثر حديثه في هذا وحسن الامر عنده، ولم يبق احد ممن كان قريبا منه الا ولبس منه سراويل [الفتوة]، وتقدم الى ابي علي بن الدوامي ان يكون نقيب الجماعة، وان يخطب ويذكر شروط الفتوة واحوالها المرضية لانها من الخصال المحمودة الشريفة”.
اصبحت الفتوة –وقد تسلحت بدعاية الدولة السياسية والاعلامية والدينية- نمطا من انماط النبالة والفروسية بعد ان اندمجت في السلطة، فشاعت حينها ولعقود لاحقة في اماكن كثيرة من العالم، بعد ان “وردت (سنة 607هـ) رسل الخليفة الناصر لدين الله الى ملوك الاطراف ان يشربوا له كاس الفتوة، ويلبسوا لها سراويلها”؛ طبقا لما يخبرنا به ابن الوردي المعري (ت 749هـ) في تاريخه.
ويصف الذهبي –في ‘سير اعلام النبلاء‘ اتساع انتشار الاستجابة لدعوة الناصر بين ملوك زمانه، فيقول انه لما “ظهرت الفتوة… تفنّن الناس في ذلك ودخل في الاجلاء ثم الملوك، فالبِس العادل (الايوبي ملك مصر والشام المتوفى 615هـ) واولاده سراويل الفتوة، وشهاب الدين الغوري (ت 602هـ) صاحب غزنة والهند، والاتابك سعد صاحب شيراز”.
كان الهدف السياسي اذن واضحا من احياء الفتوة وجعلها جهازا رسميا تابعا لقصر الخلافة يتولى نشرها في العالم الاسلامي، وذراعا عسكرية يعوض بها الضعف العسكري للجيش الرسمي؛ هذا فضلا عن اخضاع الامراء والولاة لهذا النظام تحت امرة “شيخ الفتيان الامام الناصر” دعماً للولاء وحسماً للتبعية، “فبطلـ[ـت] الفتوة في البلاد جميعها الا من يلبس منه سراويلها..، فلبس سائر ملوك الاطراف سراويلات الفتوة له”؛ حسب ابن واصل الحموي (ت 697هـ) في ‘مفرج الكروب‘.
تعاليم وطقوس
اتسم نظام الفتوة ببعض الطقوس الخاصة، باعتبارها جمعية لها “سندها المتصل” الى علي بن ابي طالب (ت 40هـ)، وهو امر انكر صحتَه ابن تيمية (ت 728هـ) وتقي الدين السبكي (ت 756هـ)، وذلك في فتوى لكل منهما في قضية مدى شرعية تنظيمات الفتوة. والعجيب ان سند الفتوة -الموجود لدى معتنقيها- يبدا من علي الى سلمان الفارسي (ت 33هـ) مرورا بابي مسلم الخراساني (ت 137هـ) الذي انتهت حياته بشكل ماساوي حينما اتهِم بالتامر على الدولة العباسية، التي تولى الدور العسكري الاكبر في تاسيسها.
ثم ان حركات الفتوة صنعت لها “تاريخا نبويا” مفارقا لتاريخ الصحابة؛ فـ”شيوخ الفتيان” هم ابراهيم عليه السلام وفتية الكهف، وكل هذه الرمزيات كان لها دورها الايحائي والعاطفي في الحشد التنظيمي والدعاية العقدية وجذب الانصار، وكانت تلك الاحوال العجيبة من انماط التفكير في العصر الوسيط. وظل امر الانضمام للفتوة متصلا في دولة المماليك حتى صار احدى سمات الحياة المصرية الشعبية، حيث شاعت ظاهرة ‘الفتوات‘ ببعض مناطق القاهرة.
وبعد ان “اهدِرت الفتوة القديمة، وجعل امير المؤمنين الناصر.. القِبلة في ذلك والرجوع اليه فيه” بتعبير المؤرخ ابن الاثير (ت 630هـ)؛ تم توحيد خيوط حركات الفتيان، وشرع الناصر في اخضاع اتباعها للتدريبات العسكرية والبدنية بجانب الاعداد الروحي، وتم احياء طقوس الفتوة مثل حفلات البيعة لاعلان انضمام الفتيان، فكان المنتمون للجمعيات الفتيانية يستقبلون في مقرات خاصة حيث يقسمون قسم الفتوة، ويلبسون سراويلها، ويشربون كاسا من الماء المملَّح، وينخرطون في التدريبات البدنية فيرمون بالبندق ويتسابقون في العدو ورمي النبال.
وطبقا لما يورده المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (ت 1883م) في كتابه ‘تكملة المعاجم العربية‘؛ فانه “حين يُقبل في هذا النظام من هو جدير به يُلبسونه امام الجمهور سراويل يسمى ‘سراويل الفتوة‘ او لباس الفتوة، وهو رمز الفتوة والرجولية، وينتقل من الاب الى الابن…، ثم يقدمون له كاسا يسمى ‘كاس الفتوة‘. ومن حق الفتى ان يرسم على سلاحه صورة الكاس (وكان هذا هو الذي يفعلونه غالبا) او صورة السراويل، او صورة الكاس وصورة السراويل معاً. والقَسَم الذي يقسمه عضو الفتوة من اكثر الاقسام قدسية”.
ويقول المستشرق الالماني فرانز تيشنر (ت 1967م) في بحثه ‘الفتوة والخليفة الناصر‘ المنشور ضمن كتاب ‘المنتقى من دراسات المستشرقين‘: “شاركت نقابات الفتوة في الجهاد وفي مقاتلة الكفار والهراطقة، فكنت تجدهم على حدود المملكة الاسلامية وفيما وراء النهر.. وعلى ثغور الجزيرة والشام، وكان لهم نصيب في المنازعات الداخلية في الاسلام ايضا”.
ومن امثلة ذلك مشاركة جماعات الفتيان في المناوشات الطائفية بين الشيعة والسنة؛ يقول ابن جبير في رحلته بعد ذكره لانتشار الشيعة في بعض مناطق الشام: “وسلّط الله على هذه الرافضة طائفة تُعرف بالنبوية، سُنيّون يدينون بالفتوة وبامور الرجولة كلها. وكل من الحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحزمونه السراويل فيلحقونه بهم…، واذا اقسم احدهم بالفتوة بَرَّ قَسَمَه…، وشانهم عجيب في الانفة والائتلاف”!!
انعكاسات معاصرة
ومن المثير للدهشة ان هذه الحركة الفتيانية كانت تقوم على مبدا المساواة الاجتماعية بين منتسبيها؛ يقول ابن المعمار: “اما الذكور فصنفان ايضا: عبيد واحرار وهما في الفتوة سواء”، كما سمح نظام الفتوة بانضمام المسيحيين واليهود، وان كانت مرتبهم ظلت اقل شانا داخل التنظيم من نظرائهم المسلمين”؛ وفقا لما اورده المستشرق تيشنر.
وكانت للفتيان تسمياتهم ورموزهم التنظيمية الخاصة واحصى ابن المعمار –في كتابه ‘الفتوة‘- 24 لفظة تدل على افكار ورتب تنظيمية داخلية مثل “البيت والحزب والكبير”، ومن اللافت فيها انهم كانوا يطلقون لقب ‘الرفيق‘ للمنتمي اليهم، وهذا المصطلح التنظيمي (رفيق) ارتبط قديما بالحركات الاسماعيلية، وفي عصرنا بالحركات اليسارية والتنظيمات النقابية في الشرق والغرب.
وكذلك استخدموا مصطلح ‘النقيب‘ وهو وصف يطلق في حركة مثل جماعة الاخوان المسلمين على المسؤول التنظيمي الذي يتراس مجموعة من الافراد (اسرة/ خلية تنظيمية). وفي جماعات الفتوة؛ كان النقيب الذي ياخذ البيعة يرفع الامر الى القائد مرددا: “ايها السيد! ان هؤلاء يسالونك ان تقبل فلانا رفيقا في الفتوة؛ فيقول: السمع والطاعة لله ولرسوله ثم للجماعة..، ويقول النقيب: هذا عهد الله بينكما على التمسك بشروط الفتوة”.
وقد ذكر الامام تقي الدين السبكي تفاصيل مشهد بيعة الفتيان التنظيمية في فتاويه ضمن سؤال ورده بشانها، ومنها: “ثم ياتي النقيب بالشربة المذكورة (= ماء مملّح) فيقدمها الى شيخهم فياخذها بيده ثم يقول: السلام يا فتيان! السلام مرتين، اللهم اجعل وقوفي لله واتباعي بالفتوة لال بيت رسول الله (ص) اخص بهذه الشربة العفيفة النظيفة لكبيري فلان ويسميه، ثم يسندها عن شيخ بعد شيخ الى الامام الناصر الى علي بن ابي طالب عليه السلام، ثم يشرب ويدفعها الى غيره فيفعل كذلك، حتى يشرب القوم جميعهم”.
وبشان استنكار الفقهاء لتنظيمات الفتوة وطقوسها ومعتقداتها يقول ابن الوردي في تاريخه: “وكان بعض الفضلاء قد استفتى في هذه الفتوة بمصر والشام، واخذ بتحريمها خطوط العلماء الاعلام”.
وكان مؤرخ الافكار المصري احمد امين (ت 1954م) يرى -حسبما ذهب اليه في كتابه ‘الصعلكة والفتوة في الاسلام‘- ان جماعة الاخوان المسلمين من حيث نمط التنظيم ربما تكون هي اقرب التنظيمات المعاصرة الى حركة الفتيان التاريخية، قال: “ربما كان قريبا من نظام الفتوة -في ايامنا هذه- جمعية الاخوان المسلمين…، والحق ان الناظر اليهم كان يراهم اميز من زملائهم من حيث الفتوة والرجولة والتخلق بالاخلاق الحسنة، ثم دعتهم الظروف المحيطة بهم ان يتحزبوا… كما تحزب التابعون للاحزاب الاخرى”.
ولعل هذا ادق تحليل يمكن الاستناد اليه لفهم من اي مصدر ربما يكون الشيخ حسن البنّا (ت 1949م) اخذ منه فكرة ونمط تاسيس “الاخوان”، لاسيما ان الحركة كان لها اهتمام بالجانب المسلح في فترةٍ ما قبل ثورة 1952.
تاثر اوروبي
يذهب كثير من الباحثين الى ان نظام الفروسية -الذي ارتبط تاريخيا بالاقطاع في اوروبا- كان متاثرا بالنموذج العربي للفتوة؛ فمواجهات الجيوش والفرسان من الطرفين -خصوصا في الحروب الصليبية- وما اظهروه فيها من نُبْل وفروسية ومدنية، كانت لها انعكاساتها في اوروبا القرون الوسطى.
ويرى المستشرق الفرنسي جوزيف رِينُو (ت 1867م) –فيما يرويه عنه محمد عبد الله عنان في كتابه ‘دولة الاسلام في الاندلس‘- ان “السبب الحقيقي لهذه الظاهرة المدهشة (= اعجاب الاوروبيين انذاك بالعرب) هو الاثر الذي بثته قصص الفروسية في العصور الوسطى، وهو اثر لا يزال ملموسا الى يومنا”.
ويقول ويل ديورانت (ت 1981م) في ‘قصة الحضارة‘ ان “من العادات الالمانية القديمة عادات التعليم العسكري، بعد ان تاثرت باساليب المسلمين في بلاد الفرس والشام والاندلس، وبالافكار المسيحية المتصلة بالخشوع والاسرار المقدسة؛ من هذه كلها نشا نظام الفروسية، وهو نظام لم يبلغ حدَّ الكمال ولكنه نظام نبيل كريم”.
ويقول واصف بطرس غالي باشا (ت 1910م) –طبقا لما ينقله عنه عمر الدسوقي في كتابه ‘الفتوة عند العرب‘- ان الفتوة الناصرية شاعت في مشارق الارض ومغاربها حتى بلغت اوروبا، ورايه انه “لا ترجع الفروسية الفرنسية الى اصل روماني او الماني ومسيحي او عربي، وليس معنى ذلك انها لم تتاثر بالمدنية العربية، انها تاثرت بالتقاليد العربية فعلا في اسبانيا وفي فلسطين وفي مصر ابان الحروب الصليبية”. لكن الدسوقي يؤكد ان كثيرا من الباحثين الغربيين يرون ان “اوروبا لم تعرف الفروسية الا عن العرب”.
وينبغي الا نستغرب ذلك؛ فقد تحدث الرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ) عن انتشار جماعات الفتوة –ذات الارتباط بالفروسية- في بلاد الاناضول وهي انذاك لا تزال متاخمة للدولة البيزنطية، فقال ان “مدينة قونية… مدينة عظيمة حسنة العمارة… وشوارعها متّسعة جدّا، واسواقها بديعة الترتيب…، نزلنا منها بزاوية قاضيها ويعرف بابن قلم شاه، وهو من الفتيان وزاويته من اعظم الزوايا، وله طائفة كبيرة من التلاميذ، ولهم في الفتوّة سند يتّصل الى امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب..، ولباسها عندهم السّراويل كما تلبس الصوفيّة الخرقة”؛ فهل كانت الدولة البيزنطية بوابة لعبور نظام الفتوة وما يرتبط به من فروسية الى اوروبا؟الخليفة الناصر والسلطان بيبرس ابرز اعضائها واعتُبرت شبيهة التنظيم بـ”جماعة الاخوان”.. تعرف على حركة الفتوة في التاريخ الاسلامي
