queenarwauni

ابو عثمان الجاحظ.. رائد النثر وامام الفصاحة الذي قتلته كتبه

اخبار اليوم الصحيفة, ابو عثمان الجاحظ.. اخبار اليوم الصحيفة, ابو عثمان الجاحظ..

اتت امراة الى الجاحظ وهو على باب داره فقالت: ان لي اليك حاجة واريد ان تمشي معي، فقام معها الى ان اتت به الى صائغ يهودي، فقالت له: مثل هذا، وانصرفت. فسال الجاحظُ الصائغَ عن قولها فقال: انها اتت الي بفصّ، وامرتني ان انقش لها عليه صورة شيطان، فقلت: يا ستّي ما رايت الشيطان! فاتت بك، وقالت ما سمعت.
حدقيٌ عند باب الخليفة.. عشرة الاف درهم مجانا
في البصرة حاضرة العراق ومهد النحو والادب وُلِد ابو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ، العالم المشهور، وقد اختُلف في تاريخ ولادته، فقيل ولد عام 150 وقيل 159 او 160 هـ.
يُعرّفه ابن خلِّكان في “وفيات الاعيان” بانه صاحب التصانيف في كل فن، وله مقالة في الدين، واليه تُنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة، وكان تلميذ ابي اسحاق ابراهيم بن سيار البلخي المعروف بالنظّام المتكلم المشهور. وكان مع فضائله مشوَّه الخلق، وانما قيل له الجاحظ لان عينيه كانتا جاحظتين.
ويورد حادثة تدل على انه كان دميم الوجه قبيح المنظر، صورته لا تسر الناظر، ومفاد الحادثة ان صاحب الفنون المتعددة ذاته حكى عن نفسه فقال: ذُكرتُ للمتوكل لتاديب بعض ولده، فلما راني استبشع منظري، فامر لي بعشرة الاف درهم وصرفني.
يستعاد الحدقي (سمي بذلك ايضا لاتساع حدقتيه) عند الحديث عن النثر العربي وبداياته، فهو من بذر البذور الاولى له بكتاباته وتصانيفه ورسائله، فغدا عالما فذّا في البيان، اماما يُقتدى به في البلاغة، نثّارا فريدا في تاريخ الادب العربي.
مائدة السمك واللبن.. تصالح الاضداد
عمّر الجاحظ طويلا حتى تُوفي وقد جاوز التسعين عاما، لكنه في اواخر عمره اصيب بالفالج، فكان يطلي نصفه الايمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الايسر لو قُرض بالمقاريض ما احس به من خدره وشدة برده. وكان يقول في مرضه: اصطلحت على جسدي الاضداد، ان اكلت باردا اخذ برجلي، وان اكلت حارا اخذ براسي.
وكان ينشد:
اترجو ان تكون وانت شيخٌ
كما قد كنت ايام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ
دريسٌ كالجديد من الثياب[1]
ويذكر صاحب سرح العيون (ابن نباتة) سبب اصابته بالفالج قائلا: كان سبب علّة الجاحظ انه حضر مائدة ابن ابي دؤاد، وفي الطعام سمك ولبن، وكان ابن بختيشوع الطبيب حاضرا فنهاه عن الجمع بينهما، فقال الجاحظ: ان السمك ان كان مضادا للّبن فاني اذا اكلتهما دفع ضرر كل منهما ضرر الاخر، وان كانا متساويين فكاني اكلت شيئا واحدا! فقال ابن بختيشوع: انا لا احسن الكلام، ولكن ان شئت ان تجرب فكل، فاصابه فالج عظيم!
صورة بورتريه تقريبية للجاحظ احد عمالقة الادب العربي ورجال العصر الذهبي
راس الجاحظية.. ثاني اثنين اذ هما في التنور
في عصر كان يموج بالتغيرات ونشوء الفرق الجديدة كالمعتزلة وبروز علوم كعلم الكلام؛ نشا عمرو بن بحر متاثرا بافكار المعتزلة، فقربه الخليفة المامون لانه كان معتنقا اراءهم مُطلعا على الفلسفات القديمة متاملا كتبها.
مال في فلسفته الى الطبيعيين من المعتزلة، حتى اسّس فرقة منها سُميت بالجاحظية، كما ساد على المتكلمين بفصاحته وحسن عبارته. ومما تفرد به القول بان المعرفة طبائع، وهي مع ذلك معرفة العباد على الحقيقة. وكان يقول في سائر الافعال: انها انما تنسب الى العباد على انها وقعت منهم طباعا، وانها وجبت بارادتهم، وليس بجائز ان يبلغ احد ولا يعرف الله تعالى. والكفار عنده بين معاند، وبين عارف قد استغرقه حبه لمذهبه وعصبيته، فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه.
اثر وفاة المامون وتراجع دور المعتزلة بُدئ بملاحقتهم وتحجيم سطوتهم، وكان ممن القي القبض عليه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات الذي كان الجاحظ مقربا منه، فعوقب برميه في التنور. لكنّ ابا عثمان الجاحظ تمكن من الهرب والنجاة من تلك الملاحقة، فقيل له: لم هربت؟ فقال: خفت ان اكون ثاني اثنين اذ هما في التنور، يريد بذلك ما صنعوا بابن الزيات، من ادخاله تنورا فيه مسامير محمّاة، كان هو صنعه ليعذب الناس فيه فعُذب به حتى مات[2].
كتاب “الحيوان” للجاحظ، حيث صنّف امام النثر اول كتاب في الادب العربي يحكي عن الحيوان وصفاته
موسوعة “الحيوان”.. كنز معرفي في الصفات والاجناس
صنّف امام النثر اول كتاب في الادب العربي يحكي عن الحيوان وصفاته، فمضى يراقب افعاله ورداته على المنبهات، فما غادر كبيرة او صغيرة عنه وعن اسمائه واسماء ما يلد والتمييز بينهما، فقد فرّق بين كل ما يخرج من اي بيضة في الارض ويسمى فرخا، الا الدجاج فما يخرج من بيضته يسمى فروجا.
وميّز بين الارنب الذكر فهو الخزز والانثى فهي عِكرشة وولدهما الخرنق، ودل على ان الكروان ابن الحُبارى، وغيرها مما ورد فيه، فامست كنزا لغويا استفاد منها مصنفو المعاجم.
كما وضع فصلا عن مذكر الحيوان ومؤنثه[3]، وشرح اساليبها في الصيد واسلحتها للدفاع عن نفسها[4]، وسعيها لكسب طعامها وحيَلها لتنفيذ ذلك، فقد خرج الى الصحراء يرقبها ويبين تصرفاتها وكيف تتعامل مع فرائسها.
وقد غاص الجاحظ في هذا المؤلف عميقا في بلاغة العرب عند حديثه عن الحيوان، عندما ارجع الديكة الى فصيلة الدجاج اذا ذكرت في جملة الجنس، فالديك نفسه دجاجة الا انهم ارادوا ابانته بانه ذكر فقالوا: ديك.
اما في الوان الحيوانات وما توصف به فقد نقل عن بعض العلماء الذين قالوا: كلب ابقع، وفرس ابلق، وكبش املح، وتيس ابرق، وثور اشيه. وصنف لئام الطيور ثلاثة هي الغربان والبوم والرخم، اضافة الى غير ذلك من الفوائد والمعاني.
احدى صفحات كتاب “الحيوان” الذي الفه الجاحظ، وذكر فيه تفصيلات عن العرب وتاريخهم الخارجة عن عالم الحيوان
في دكاكين الورّاقين.. ليالي الجاحظ
غزا ابو عثمان في كتابه الموسوعي “الحيوان” مناطق اخرى من حياة العرب، فما اقتصر كتابه على الحيوانات وسلوكياتها فقط كذكره ان الحيّة اذا خافت من القتل اخرجت لسانها لتريهم العقوبة استعطافا واسترحاما، التي فرضها الله عليها جزاء لها، بل اندفع نحو العرب وتاريخهم يذكر لحظات وتفصيلات فيها خارجة عن عالم الحيوان، مثل ذكره ان عمر بن ابي ربيعة سُمّي بعمر بن الخطاب لانه وُلد يوم وفاته.
كما حكى فيه عن تاريخ الشعر العربي، اذ يرى انه حديث الميلاد صغير السن، فاول من نهج سبيله وسهّل الطريق اليه: امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة، محددا العمر بمئة وخمسين عاما، وعلى الاكثر بمئتي عام. وله راي فريد في الشعر وترجمته، اذ يرى صعوبة ترجمة الشعر العربي[5]، لما فيه من الفاظ صعبة وخشونة لا تتلاءم مع اللغة التي سيترجم اليها.
اما مهمة “الورّاقين” التحريرية في دكاكين بغداد واسواقها فقد خبرها عن قرب لانه كان يستكري تلك الدكاكين ليلا كي يقرا ما ينسخون من كتب، لذلك قويت لغته وتمكّن منها وصارت تاليفه تذهب الى الوراقين لينسخوها ويبيعوها، حتى الفى ان انشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني ايسر عليه من اتمام النقص الذي يكون المؤلف قد سها عنه.
لوحة زيتية للجاحظ وهو يقرا القران في احد المساجد في العصر العباسي
ثنائية اللفظ والمعنى
قال بعض جهابذة الالفاظ ونقاد المعاني: المعاني قائمة في صدور الناس المتصورة في اذهانهم، والمختلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة[6].
اما الجاحظ فله راي في هذه القضية ما تزال تنال اهتماما بالدراسة والنقد، فيقول في “البيان والتبيين”: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وانما الشان في اقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فانما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير[7].
هذه الثنائية التي تجمع بين اللفظ والمعنى انطلق فيها الجاحظ للمفاضلة بينهما على راي يقوم على العقل نابع من ارضية فكرية وفلسفة عميقة مرتبطة بالفكر المعتزلي الذي ينتمي اليه.
من قوله ذاك يتضح انه ينتصر للفظ على المعنى، فالمعاني غير محدودة، بل هي مطروحة في الطريق، لذا لا بد للناظم من ان يجد السبك الملائم واللفظ المناسب ليقيم به وزنه ويجوّد كلامه، مع الادراك انه لم يحقّر المعاني، بل هي متممة للفظ لاكتمال الصورة.
الموسوعة اللغوية والفكرية “البيان والتبيين” التي الفها الجاحظ وتُعتبر من امهات الكتب في التراث العربي
“البيان والتبيين”.. فصاحة مبثوثة في التضاعيف
الف الجاحظ موسوعته اللغوية والفكرية “البيان والتبيين” اواخر حياته. ولقد صار هذا المؤلف النفيس كتابا بليغا في اثر العرب، ووصف حياتهم وارخ لهم في لغتهم وحوى كثيرا من ادابهم، فقد وضع فيه خبرته وما حصله من علوم ومعارف عبر سنين طوال ليصبح من امهات الكتب في التراث العربي وعيونها.
يصف ابو هلال العسكري (ت 395 هـ) البيان والتبيين بانه “كثير الفوائد، جم المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والاخبار البارعة، وما حواه من اسماء الخطباء والبلغاء، وما نبه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة. الا ان الابانة عن حدود البلاغة واقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتثرة في اثنائه، فهي ضالّة بين الامثلة، لا توجد الا بالتامل الطويل، والتصفح الكثير”[8].
في هذا الكتاب، بحسب ما عنونه، يتحدث عن البيان والفصاحة، لكنه لم يقتصر عليهما بل انطلق يدعم اراءه وافكاره بشواهد وقصص من حياة العرب وبعض اشعارهم، وعن حياة الموالي وكلامهم.
كما برع في مجال الصوتيات اللغوية حين تحدث عن مخارج الحروف، واثر اللثغة فيها واثر سقوط الاسنان، ككلامه عن الحروف التي تدخلها اللثغة: القاف، السين، اللام.
وشرح نطقهم للثغات الاحرف فبيّن ان لثغة الراء تكون بالغين والذال والياء، والغين اقلها قبحا. ولثغة اللام ياء. ولثغة السين ثاء. ولثغة القاف طاء. ولثغة اللام ياء واخرون يجعلون اللام كافا. ولثغة الراء ياء او غين او غين معجمة او ذال او ظاء معجمة او ياء معجمة.
كتاب “رسائل الجاحظ” الذي يضم بين طياته مجموعة من رسائل الجاحظ الادبية النادرة
علم الصوتيات واللسانيات.. تمييز الخبيث من الطيب
كما راح يشرّح اللسان واحواله فيقال في لسانه حبسة اذا كان الكلام يثقل عليه، ولم يبلغ حد الفافاة والتمتمة. ويقال في لسانه عقلة اذا تعقل عليه الكلام. ويقال في لسانه لكنة اذا ادخل بعض حروف العجم في حروف العرب. ويقال في لسانه حكلة اي نقصان الة المنطق.
وللصوت والحديث فيه جزء في مؤلفه لانه الة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التاليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا الا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما الا بالتقطيع والتاليف.
اما الايماءات والحركات فلها دلالة بلاغية كدلالة الالفاظ ومقاصدها، اذ يعبر عن ان حسن الاشارة باليد والراس من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الاشارة من الدل والشكل والتقتّل والتثنّي وغير ذلك من الامور.
يتنقل الامام اللغوي بين هذه الحروف يستنطق محاسنها، ويكشف عن مساوئها ويميز القبيح من الجيد، حتى اسس لعلم الصوتيات واللسانيات في الادب العربي، وبنى عليه المحدثون دراساتهم وابحاثهم.
وبيّن دقائق الكلام وسار على التمييز بين مفردات القبائل والمناطق واستخدامها حين تطرق الى ان اهل الامصار انما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في الفاظ من الفاظ اهل الكوفة والبصرة والشام.
وقد لجا في هذا الكتاب الى تفسير مفردات كثيرة وتبيان مراميها الحقيقية مثل السُّدة: الباب، ما حول المسجد من الرواق. وكيفية استعمالها وتخصيص كل مفردة باهلها، فالحنطة كوفية والقمح شامية، لكنه نحا الى ان قول بُرّ افضل منهما.
كما دلف الى كلمات اخرى واوضح اصلها ومصدرها وكيف وصلت الى العربية ككلمة “الخيار” التي دخلت الى العربية من الفارسية.
رواية “الحدقي” للكاتب الموريتاني احمد فال بن الدين، والذي يروي فيها حياة الجاحظ
فصاحة السياق القراني.. وضع اللفظ في موضعه
غاية “البيان والتبيين” ابراز فصاحة العرب وكشف مواطن بلاغتهم ومعناها، لذا سعى الجاحظ فيه الى ايجاد معنى جامع للبلاغة العربية ولدى الاقوام الاخرى، حيث يذكر فيه: قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الاقسام، واختيار الكلام. وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الاطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الاشارة.
قال اسحق بن حسان بن قوهي: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط. سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة.
كما يرد اسباب تغير الالفاظ ومعاني بعض المفردات الى ان الناس قد تستخف الفاظا يستعملونها وغيرها احق بذلك، فيهجرونها ويستعملون الالفاظ الخفيفة التي تنزاح الى معنى غيرها اولى به. فمثلا لم يذكر الله الجوع في القران الا في موضع العقاب او في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس يذكرونها في حال القدرة والسلام، ولا يذكرون السغب.
وكذلك ذكر المطر؛ لانك لا تجد القران يلفظ به الا في موضع الانتقام، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر الذي يكون للانتقام، وبين ذكر الغيث الذي يكون نجدة ورحمة[9].
ومن بديع ما يميز فيه ان العكازة اذا لم يكن في اسفلها زج (حديدة تركب في اسفل الرمح) فهي عصا. ويعدد الامم التي فيها الاخلاق والاداب والحكم والعلم باربع وهي: العرب والهند وفارس والروم.
غلاف كتاب البخلاء للجاحظ، حيث يسرد فيه حكايات البخلاء وقصصهم
لحن الجواري المستظرف.. موسوعية لغوية
بين شرق الارض وغربها توسعت الدولة العربية توسعا شاسعا، فدخلها مَوالٍ كثر لا يتقنون العربية، لذا شاع اللحن في كلامهم ودخل عبرهم الى اللسان العربي، حتى اقر ابو عثمان ان اول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي، واول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح.
وبما ان “امام البيان” استنبط اللغة وراقب اللغات الاخرى واستقراها، فقد لاحظ كثرة دوران السين على السنة الروم والعين على السنة الجرامقة، كما وجد ان ليس للروم في لغتهم ضاد ولا للفرس ثاء ولا للسريان ذال، مما يدل على تتبعه العميق ومقارنته بين اللغات.
راى الجاحظ ان اللحن يستظرف، والنفس البشرية عندما تستظرف شيئا تنساق وراءه حتى لو لم يكن صحيحا، فحكى عن اللحن ومتى يُستملح عندما قال: يستظرف من الجارية ان تكون غير فصيحة، وان يعتري منطقها اللحن. جاء ذلك في تفسيره بيت مالك بن اسماء بن خارجة حين وصف جارية:
منطقٌ رائعٌ وتلحَن احيانًا
وخير الحديث ما كان لحنا
اما ابن دريد فيقول: ليس معنى اللحن ها هنا ما ذكره، انما اراد انها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره من فطنتها وذكائها[10].
طابع بريدي قطري يُظهر رسمة تخيلية للجاحظ
عين الملاحظة والتجريب.. منهج علمي حديث
في العصر الذهبي للدولة العباسية، عصر الرشيد وابنه المامون، عاش الاديب الفذ معاصرا ابا عبيدة معمر بن المثنى وابا الحسن علي بن محمد المدائني وهشاما بن محمد الكلبي، وكان ذلك العصر عصرا علميا بامتياز تتحرك فيه المؤلفات وتنشط صناعة البيان، والوراقون في دكاكينهم يُجزون اجزل العطاء لمهنتهم التي صارت ذات شان ورفعة.
وكان مما ميز هذا العصر وفرة الانتاج الفكري وتدوين التراث العربي باسانيد مرفوعة الى رجال وعلماء ثقات عاصروا الاحداث ورووها بموضوعية وتان، فاعتمد الجاحظ عليها وعلى تحليل واستنباط عميقين لتقديم المعلومة، وتبيان الحقيقة من الوهم، وسار على الدقة والملاحظة والتجريب في منهج علمي يشبه المناهج الحديثة يقوم على التحليل واستنباط النتائج، فما روى شيئا بدون حجة او حادثة تدل عليه وتوحي بتفاصيله.
وبما ان الشعوبية نشطت في عصره ودسّت احاديث في غير مكانها ونسبتها الى غير قائليها، فقد ردّ عليها في طعنها على خطباء العرب وملوكهم، وبيّن ان “الشعوبية” نسبة غير قياسية الى الشعوب، لئلا يحدث خلط بينهما.
ولان الرواة كُثر فقد توخّى الجاحظ الدقة والحذر في تدقيق رواياته وفي نسبة الشعر الذي اختلط بين الناس، اذ يقول: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى الا نسبوه الى المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى الا نسبوه الى قيس بن ذريح[11].
استطراد في الاحداث.. اسلوب النثر الكاريكاتيري
لم يتوقّف الجاحظ عند امة العرب في ابحاثه، بل سعى نحو الامم الاخرى وتعرّف الى ارائها في قضايا عديدة، فها هو يكشف عن راي الهند في سبب اختلاف كلام الناس فيقول: وتزعم الهند ان سبب كثرة كلام الناس واختلاف صور الفاظهم، ومخارج كلامهم ومقادير اصواتهم في اللين والشدّة وفي المدّ والقطع، كثرة حاجاتهم. ولكثرة حاجاتهم كثُرت خواطرهم وتصريف الفاظهم، واتسعت على قدر اتساع معرفتهم.
سلك ابو عثمان في مؤلفاته مسالك وعرة، واستفاض في احاديثه كثيرا، لكثرة ما يزخر به صدره من معلومات واحاديث يريدها ان تلقى في بطون كتبه، فتكلّم فيها على سجيته مُتتبعا منهج الاستطراد، فكان يحكي عن امر ما، ثم يقوده الى اخر فيتشعب في الحديث عنه، حتى تتعدّد القصص والروايات، ليعود الى بداية حديثه ويكشف مرامه الاول.
استند ابو عثمان الى الدعابة والهزل والطرفة، فقدّم فنا ساخرا في احيان كثيرة، كما تقرب الى العامة ونزل اليها يسمع منها ويدون راسما شخصياته نثريا، فبدت امام القارئ متخيلة بهيكل حي. ففي كتابه ذائع الصيت “البخلاء” يسرد حكايات البخلاء وقصصهم، ويصور فيه البخيل النمطي بصورة عامة لا البخيل الفرد، متحدثا عنه وعن افعاله وتصرفاته، وطريقة حبه للمال، وكيف يمسك به خوفا من ان يفارق يده بصورة كاريكاتيرية، لكنها مصورة بالنثر يلتقطها القارئ بخياله.
شهيد الكتب.. كتابة السطر الاخير
كان عمرو بن بحر رجلا فذّا في التاليف، فقد صنّف مؤلفات كثيرة (زهاء 360 مؤلفا ضاع اغلبها) في الوان شتى من المعرفة ذات فوائد جمة، مثل “التربيع والتدوير” و”المحاسن والاضداد” و”الامل والمامول” و”فلسفة الجدّ والهزل”.
وكان يهديها الى الوجهاء والوزراء تكسبا من عمله هذا، اذ اهدى “الحيوان” الى الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات (ت 233 ه)، واهدى “الزرع والنخل” الى الكاتب ابراهيم بن العباس الصولي (ت 243 هـ)، كما اهدى “البيان والتبيين” الى القاضي احمد بن ابي دؤاد (160-240 هـ)، وكل منهم اعطاه خمسة الاف دينار جزاء له.
سنة 255 هـ في البصرة، كان رجل عجوز يقف امام رفوف مكتبته مُتطاولا للحصول على احد الكتب، يمسك بعكازه ليُعينه على الاستناد حتى يصل اليه، لكنه بينما يحاول ذلك؛ تسقط الكتب عليه فتقتله ويُدفن تحتها، لتطوى بذلك صفحة احد عمالقة الادب العربي ورجال العصر الذهبي؛ عمرو بن بحر الجاحظ.
[1] ابن خلكان، وفيات الاعيان، مج 3 (بيروت: دار صادر)، ص 470-473.
[2] ابن نباتة، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم (دار الفكر العربي)، ص 248 وما بعدها.
[3] الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 2، ط 2 (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي واولاده، 1965)، ص 284.
[4] المرجع نفسه، الحيوان، ج 6، ص 273.
[5] الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1، ط 2 (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي واولاده، 1965)، ص 74-75.
[6] الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998)، ص 75.
[7] الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 3، ط 2 (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي واولاده، 1965)، ص 131.
[8] للاطلاع على هذا الراي واراء اخرى انظر: الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998)، ص 5.
[9] المرجع نفسه، ص 20، 88، 116.
[10] رمضان عبد التواب، لحن العامة والتطور اللغوي (القاهرة: مكتبة زهراء الشرق، 2000)، ص 18.
[11] ابو الفرج الاصفهاني، الاغاني، تحقيق احسان عباس وابراهيم السعافين وبكر عباس، ج 2، ط 3 (بيروت: دار صادر، 2008)، ص 9.ابو عثمان الجاحظ.. رائد النثر وامام الفصاحة الذي قتلته كتبه

Scroll to Top