درب-العطور-الشرقية_-نفحاتٌ-من-اليمن

درب العطور الشرقية: نفحاتٌ من اليمن

اخبار اليوم الصحيفة, درب العطور الشرقية: اخبار اليوم الصحيفة, درب العطور الشرقية:

دائماً ما تشير كتب العطور الى تاريخ العطور كفن نشا في الغرب، وهذا صحيح من ناحية ان الغرب انشا سوقاً عالميّة للعطور لم يكن موجوداً من قبل. وكما هو الحال غالباً، فالتاريخ يكتبه المنتصرون، او في هذه الحالة، الجهات المسيطرة على السّوق. من السهل تصديق ان مفهوم العطر، مع اسمائه الفرنسيّة الرومانسيّة وصور العارضات الشقراوات النحيلات، هو، بهذا المعنى، غربي بصورة بحتة. مع ذلك، تعود جذور عالم الروائح العطرية وصناعتها، مثل اي فرع اخر من فروع الفن، الى اكثر من ثقافة.
كان المصريون القدماء مهووسين بعطورهم لدرجة انهم «دفنوها» مع جثامينهم. وكان لدى النُّبلاء الفُرس عطور مميّزة صُنعت خصيصاً لهم، وقد وصل بهم الامر الى حد اعدام من كان يتجرّا على استخدام نفس رائحة عطر الملك. اما الرومان، فلم يعرف عنهم انخراطهم وولعهم بفن العطور فحسب، بل ايضاً استهلاكهم لما يقارب الـ 2,800 طن من اللُّبَّان المستورد و550 طن من مادة المُرَ سنوياً. لقد كانوا يستخدمون العطور للنظافة الشخصية وكعقاقير مثيرة للشهوة الجنسيّة، وايضاً لتضميخ المعابد، وتحديداً معبد «افروديت»، الهة الحب والخصوبة.
واذا كانت امور مثل الازدهار الاقتصادي والجمال والسّحر قد ارتبطت بفن صناعة العطور، فان من الصعوبة بمكان تخيّل دولة صغيرة وفقيرة مزقتها الحرب وتقع في الركن الجنوبي من شبه الجزيرة العربية يكون بمقدورها لعب دور في هذا المجال. غير ان اليمن المشهورة بمينائها وقهوتها قد اضافت الكثير الى ما نعيشه اليوم في حقل صناعة العطور الحديثة. عبر طُرُقها ومعابرها التاريخية التي ساعدت في استيراد المواد الاجنبية وغير المالوفة، وبواسطة الاطياف العطريّة التي كانت تُستخدَم وتُصَدَّر، ساهمت اليمن، عن قصد وغير قصد، في تكوين وتطوّر فن العطور، وكان لها تاثير لا يمكن انكاره على الاذواق العطرية الشرقية.
للُّبَّان اليمني ومادة المرّ
ترتبط اولى الاستخدامات المعروفة للروائح
والارائج بالمعابد والاضرحة الدينية، حيث كانت تُحرَقُ الاخشاب العطرية والاحجار الصمغيّة في المناسبات الخاصة وخلال الصلوات الليلية. كان اللُّبَّان (او زيت اللُّبَّان)، وهو احد الراتنجات العطرية الرئيسية التي تُحرَقُ في المعابد، يستورد من بلدين رئيسيين هما الصومال واليمن. في اليمن، تاتي افضل انواع اللُّبَّان من جزيرة سُقُطرى الشهيرة، حيث نجد بعضاً من اغلى انواع اللُّبَّان العطرية ذات الرائحة الفوّاحة والشذيّة. لا يفوحُ عطرُ لُبّان سُقُطرى بتانٍّ عند حرقه فحسب، بل انه يمتلك، ايضاً، حدّةً شديدة التميّز، مما يجعله مثالياً لخلطه مع روائح اخرى عندما يكون زيتاً. يُعَدُّ هذا اندر انواع اللبان وانقاها، وله اعلى مكانة بين جميع انواع اللُّبَّان؛ لذا فهو مخصّص للملوك والملكات فقط.
يحتوي هذا النوع من اللبان على اعلى محتوى من مكوّن «الفا-پينين». طيفُ عطريٌّ اخر غالباً ما تستخدمه المعابد التوحيدية كما الشّركيّة هو المُرّ، او ما يسمى بالمُرّ العربي. وقد ظل المُرّ رفيقًا متمّماً للُّبَّان. وكرفيقه، ارتبط المُرّ ايضاً بالاديان والعلاجات العطرية والاغراض ذات الصلة بزيادة الرغبة الجنسية. تاتي مفردة «مُرّ» باللغة العربية من المرارة واللّذاعة؛ لذا، فان اصل الكلمة هو احد المؤشرات الرئيسية لاصلها، الشّرق الاوسط. تمامًا مثل اللُّبَّان، يعتبر المُرّ عنصراً خشبياً دافئاً عطرياً، وله خصائص علاجية عندما
يتم استخراجه من فصيلة شجرة «العَصرة». كاللُّبَّان ايضاً، نجد المُرّ في بلدان القرن الافريقي وشبه الجزيرة العربية. في اليمن، يمكن العثور على المُرّ في المناطق الجنوبية مثل شبوة وابين وحضرموت ووادي تهامة. يشتهر المُرّ اليمني، بخلاف المُرّ الموجود في مناطق اخرى، بالمرارة اللاذعة، وهو الامر الذي يجعله مكوّنا جوهريا واساسيا في العطور الحديثة. في اليمن، وحتى يومنا هذا، لا يزال تقليد العائلات اليمنية يتمثّل في حرق اللُّبَّان والمُرّ مع بداية العام الهجري، او لدَرء العين الشريرة (غالباً اثناء تلاوة اياتٍ من القران) كما يستخدم اثناء النفاس.
الروائح الحيوانية والخشببيّة
على عكس استخدام الروائح الخشبية والبلسميّة لاغراض دينية، كان للروائح الحيوانية غرض بدائي بحت، الا وهو الانجاب وتحفيز الرغبة. تُضفي الروائح الحيوانية طيفاً عطريّاً بدائياً وفجّاً الى صناعة العطور تشبه الى حد بعيد رائحة الجماع. واحد من اشهر مصادر الاطياف الحيوانية هو قط الزّباد. تعيش في اليمن سلالة نادرة من قط الزباد في منطقة واحدة فقط هي جزيرة سُقُطرى. يُنتج قط الزباد افرازاً شديد الرائحة لتحديد منطقته. بعد تخفيفه لبعض الوقت، تتحوّل رائحة افراز قط الزباد من كريهة وحادّة الى عذبة سائغة تميل الى اريج المسك الحيواني. بطبيعة الحال، بسبب العدد المحدود لقطط الزباد وصعوبة التقاط المسك واستخراجه، فهو نادر للغاية وباهظ الثّمن. لا توجد مصادر واضحة تماماً تحدد زمن بداية تجارة الزباد بالضبط في اليمن، لكنها على الارجح بدات في وقت ما خلال القرنين الماضيين، اي مع ازدهار التجارة بين الشرق والغرب، مع مرور السفن عبر «ميناء المخا». خاصة ان اليمنيين قد بداوا بالفعل في استخدام هذا النوع من القطط لاستخراج ما يسمّونه ببساطة «الزُّباد»، وهو معجون يمني تقليدي فعّال لا يزال يُستخدَم حتى يومنا هذا في شكله الخام كمنشط جنسي وكمنتج للعناية بالشعر، كما لتنعيم وتضميخ الحواجب والشوارب واللحية، بالاضافة الى استخدامه كعلاج لتساقط الشعر وللعديد من الاستخدامات الشعبية والفولكلورية الاخرى. تجدر الاشارة الى انه مجال في صناعة العطور الحديثة، يتم حالياً تصنيع الزُّباد صناعياً بهدف عدم تعريض هذا الحيوان للخطر.
اصبح خشب العود، او العود، من اكثر الاطياف العطريّة المرغوبة في عالم العطور الحديث. مثل الزباد، لم يكن من المرجح ان خشب العود قد تم تصديره من اليمن سابقاً، على الرغم من استخدامه من قبل اليمنيين لعدة قرون. يبقى العود الكمبودي هو انقى واغلى انواع العود؛ قبل الصراع، كان اليمن يشكّل احد مصادر العود العالي الجودة، خاصةً في العطور الشرقية. وغنيّ عن القول ان العود كان في اليمن – مثل الكثير من البلدان الاخرى في المنطقة – جزءاً لا يتجزا من كل المناسبات، من تجمعات ايام الجمعة الى حفلات الزفاف والاحتفالات الدينية. ومن بين جميع الاطياف العطريّة المذكورة اعلاه، فان العود فقط هو الذي شق طريقه الى الاجيال اليمنية الحالية، مع انواعٍ قد يصل سعرها الى اكثر من 500 دولار اميركي للكيلو الواحد.
“العود هو الڤانيليا الجديدة!”
من غير المعروف متى تحديداً توسّع استخدام هذه الاطياف العطريّة لتتخطّى الاغراض الدينية والطبية وتدخل الى ذائقتنا العطرية الحديثة. غير انها لا بد ان تكون قد ظهرت مع ثورة الاذواق الشاملة التي حدثت في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ اي عندما القَت صناعة الازياء الغربيّة اعينها على الشرق بحثاً عن الالهام والغرابة[2]. كان العطر يمنح مغامرة لاولئك الذين لا يستطيعون السفر، ونفحات من الشمس والدفء الى الطقس الاوروبي البارد والكئيب والموحش في كثير من الاحيان. استوردت الصناعات الحديثة اطيافاً عطريّة من اليمن وبلدانٍ شرقية اخرى، بالاضافة الى العديد من الطقوس والاذواق العطرية التي بدات تتسرب الى عالم الموضة الحديثة. تحمل العطور المشرقيّة، او ما يسمى اكثر شيوعًا بالعطور «الشرقيّة»، اطيافاً عطريّة تشبه العطور الموجودة في الشرق، مع ارائج من العود والمسك والمُرّ واللُّبَّان، وهي تُعدُّ اليوم من اغلى العطور واكثرها مبيعاً بين عطور العالم.
ثمة عبارة شائعة تقول ان «العود هو الڤانيليا الجديدة»، مما يدل على الطريقة التي اخترقت بها الروائح الشرقية سوق العطور والذّوق العام. تستخدم بعض العطور الاغلى والاكثر شهرة اليوم الاطياف العطريّة المذكورة في هذا المقال. «ديور سوڤاج» (الحديث كما الاصلي)، «توم فورد، توسكان ليذر»، «شانيل كوكو نوار»، «ايڤ سان لوران اوپيوم» (احد العطور الاولى التي اشتهرت باستخدام المُرّ كطيفٍ عطريّ رئيسي) و«اموج خوبيلاسيون»، جميعها عطور تستخدم اللُّبَّان كاطيافٍ رئيسية، مع مزجه بعناصر اخرى. امّا بالنسبة للعود والزُّباد، فانا متاكدة من ان خزاناتكم مليئة بعطور تحتوي على هذا او ذاك. من اشهر هذه العطور هو عطر «غيرلان شاليمار»: (ملك العطور الكلاسية)، «شانيل كوك» و«شانيل ن5» (الاصلي)، و«كارتييه موست دو كارتييه» (طيف الزُّباد حاد وحيواني جداً في هذا العطر، وهو فقط لصاحبات القلب القوي).
_الكاتبة ميساء العاقل ، نقلا عن مجلة المدنية الالكترونيةدرب العطور الشرقية: نفحاتٌ من اليمن

Scroll to Top