queenarwauni

محيي الدين الحاج عيسى.. شاعر فلسطيني كبير تعرّض للتجاهل

اخبار اليوم الصحيفة, محيي الدين الحاج اخبار اليوم الصحيفة, محيي الدين الحاج

ظهر في فلسطين بين الموجات الادبية وحولها عدد كبير من الشعراء الذين نسلط عليهم الضوء في هذه السلسلة، نظراً لدورهم ليس فقط في تثبيت مكانة الشعر والادب الفلسطيني وسط التيارات والموجات الكثيرة في الوطن العربي، وانما ايضا لدورهم في رسم معالم هوية فلسطين.. وكذلك لكي تكتمل صورة المشهد الادبي في فلسطين. فهم عاصروا القضية الفلسطينية بتفاصيلها، كما عايشها المشهورون من شعراء فلسطين، ومن المهم قراءة فلسطين بعيونهم واقلامهم، كي لا يبقى الضوء مسلطاً على فئة واحدة تنتمي لمنهج ورؤية واحدة من دون اعطاء الفرصة للرؤى الاخرى، رغم دورهم الكبير في تثبيت الانتماء الى فلسطين.
في فئة المخضرمين من شعراء فلسطين، يقف الشاعر محيي الدين الحاج عيسى في شريحتهم المشرّفة، فهم الذين كتبوا عن النكبة وماسيها والثورة ومعاليها، ولم يياسوا او يفقدوا البوصلة رغم انه لم يتم تسليط الضوء عليه لانه لم ينتسب للبيئة السائدة، ولم يكن “مدللاً” في الاوساط الادبية والاعلامية، فهو كان اسلامي الانتماء والانتاج، فلم يحظَ باهتمام التيارات المسيطرة في تلك الفترة.
كما انه ذُكر في كثير من المصادر سوى باسمه الفلسطيني (محيي الدين الصفدي)، نسبة لمدينة صفد التي ولد فيها، ومنها انطلق في فلسطين ثم في سوريا والاردن.
كانت نشاته في اسرة علمية، مما اثّر في مواهبه، فاتجه للمطالعة وقراءة القران وحفظ القصائد الشعرية لشعراء عرب في عصورهم المتعاقبة وخصوصاً المعلقات الشعرية. واخذ عن اساتذته الادباء، امثال الشيخ عبد القادر المبارك، والشيخ مصطفى الغلاييني، والشيخ الاديب عبد القادر المغربي.
يقول الدكتور كامل السوافيري في كتابه “الادب العربي المعاصر في فلسطين”: “شاعر ملهم من شعراء فلسطين، لم ياخذ حظه من الشهرة، ولم يسلط ناقدٌ اضواء النقد على شعره، ولم يتوجّه باحث لدراسته على الرغم من موهبته الشعرية الفذّة وطاقته الجبارة”. ويقول الدكتور ناصر الدين الاسد في كتابه “محاضرات في الشعر الحديث في فلسطين والاردن”: “لم يُتح لمحيي الدين الحاج عيسى من شهرة ما اتيح لبعض شعراء فلسطين، ولم يُصب في الذكر ما اصابه غيره من الذين نُشرت عنهم بعض المقالات في المجالات الادبية او الكتب. ومع ذلك، فان من يطّلع على شعره… يعدّه من الطبقة الاولى من شعرائنا الذين انقاد لهم البيان الشعري في سلامة ويسر استعصيا على الكثيرين غيرنا”.
نظم الشعر في سن الخامسة عشرة لكن معظم شعره ضاع على اثر نزوحه من وطنه فلسطين، ولم تسعفه ذاكرته باكثر من عناوين ما ضاع من قصائد.
يقول الاديب عبد الله الطنطاوي عنه: “تعرّفت الى شاعرنا في اواخر الستينيات، كنّا جارين في حي الاسماعيلية بحلب، وبعد ان اقعده المرض في السنتين الاخيرتين من حياته، كنت ازوره يومياً، اسلّيه، واستفيد من معلوماته الغزيرة عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية، وعن اليهود والصهيونية، وعن الزعامات الفلسطينية والعربية، الصالحة منها والفاسدة، وعن مكر الانجليز، وخيانتهم للعرب الذين وثقوا بهم، وعداواتهم للاسلام والمسلمين،.. فهم الذين مكنوا لليهود في فلسطين، وهم الذين حاربوا القادة المخلصين..
وكانت للشاعر امنيتان، يذكرهما: اما الاولى فمستحيلة التحقيق في حياتي، وربما في حياتكم، الا وهي تحرير فلسطين من ايدي الغزاة اليهود، لان التامر عليها في الداخل والخارج.. واما الثانية: فان ارى ديواني مطبوعاً قبل ان اموت.
وعندما قال الاطباء: ان الشاعر صار على حافة قبره، بادرنا -انا وابنه اياد-الى تحقيق امنيته الثانية، وقدّمنا اليه الملزمة الاولى من الديوان، قراتها عليه، وصححتها امامه، فانفرجت اساريره وغسلت دموعه ما ران على ابتسامته الودود من اكتئاب، وقال هامساً: :الحمد لله” ثم ما لبث ان توفي ـ عليه رحمة الله ـ عام 1974م”.
ويصف معجم البابطين شعره: “جاء جلّ شعره تعبيراً صادقاً عما حلّ بوطنه فلسطين من نكبات، كان اخرها نكبة 1948 الكبرى. تحضّ اشعاره على الثورة، وتدعو الى الوحدة في مواجهة العدو مستبشرًا في ذلك بما حدث بين مصر وسورية من وحدة في زمانه، وله شعر في رثاء الشهداء خاصة ما كان منه في رثاء شهداء حائط البراق في القدس عام 1930، الى جانب شعر له في العتاب يحث فيه القادة من العرب والمسلمين على نجدة بيت المقدس الذي نادى بفتحه الفاروق عمر. كما كتب المسرح الشعري الهادف مذكراً من خلاله بعواقب الخلاف والتامر وفساد التقدير، وكتب الاقصوصة الشعرية المفعمة بالرمز، وله شعر في المناسبات، كما كتب في الحنين. وله في المراسلات الشعرية الاخوانية التي يضمنها هموم وطنه، كما كتب في رثاء احمد شوقي امير الشعراء، وله شعر في تذكير الامة بفرسانها الاوائل، وله شعر في الاشادة بالعلم وطلبته واهله من العلماء. يتميز بنفس شعري طويل، الى جانب قوة لغته، وجهارة صوته مع يسر تراكيبه وانساقه، وخياله طليق.. والتزم النهج الخليلي في بناء قصائده”.
من هو شاعرنا؟
ولد الشاعر محيي الدين الحاج عيسى سنة 1900 وقيل 1897 في صفد. وتلقى تعليمه الابتدائي في مسقط راسه، وفي مدرسة عكا واصل تعليمه الاعدادي، وتلقى تعليمه الثانوي في سلطاني دمشق وبيروت، ثم انتقل من الصف المنتهي في سلطاني بيروت الى الكلية الصلاحية ودرس فيها ثلاث سنوات.
عمل مديراً لمدرسة صفد ثماني سنوات، وخلالها حصل على شهادة الحقوق من القدس. قضى خمس عشرة سنة مدرساً للغة العربية في القدس، وعاد بعد ذلك الى صفد نائباً لمدير مدرستها الثانوية، وقائماً على تدريس اللغة العربية فيها حتى النكبة في 1948.
نزح مع عائلته الى سورية واستقر في مدينة حلب مدرساً للادب العربي في ثانوية معاوية ودار المعلمات خمس سنوات. ودرّس في الكلية الاميركية للمعلمات حتى عام 1964.
كان عضوًا في جمعية الشبان المسلمين منذ عام 1939. توفي في حلب سنة 1974.
له من المؤلفات مسرحيات شعرية هي: “مصرع كليب” سنة 1947، “اسرة شهيد” سنة 1966. وصدر ديوانه “من فلسطين واليها” سنة 1975، بعد ان اتمّ مراجعته.
نماذج من شعره:
لما حدث الاضراب الكبير سنة 1936 في فلسطين.. واشتعلت الثورة بعده، نظم شاعرنا قصيدة بعنوان “في ثورة 1936”:
يا ايها البطلُ الكريم تحية .. تُهدى اليك بناضر الاوراقِ
في ذمّةِ التاريخ ستةُ اشهر .. لم تشكُ من نَصَبٍ ولا ارهاقِ
مُتزوّداً في طول يومك كِسرة .. ما خِفْتَ من جوع ولا املاقِ
ومنها:
والطائراتُ حوائمٌ يُلقينَ من .. كبد السماء صواعقَ الاحراقِ
في جوفهنَّ الموتُ يكمنُ جاثماً.. فاذا انفجرنَ اطلَّ بالاعناقِ
ولمّا اُقيم في سورية عام 1955 اسبوع للتسلح لانقاذ فلسطين، نظم قصيدة قال فيها:
يا ربّ باركت في ايدٍ قد انطلقتْ .. تُعطي الجزيلَ وتُحيي المجد والكرما
تسابق الناسُ للداعي فلا وكلٌ .. يُبدي التّواني ولا من يدّعي الصّمما
جادوا بما عزَّ من مالٍ ومن عرضٍ.. جود السّحابِ اذا ما انهلَّ مُنسجما
وحيا ابطال معركة الكرامة عام 1968 بقصيدة قال فيها:
سلمتْ يمينك ايها البطلُ .. فالبغيُ ولّى وهو منخذلُ
قد غرّه غدرٌ مضى زمناً .. فالدهرُ في ايامهِ دُولُ
هذي الديارُ ديارُنا رقدتْ .. فيها الاصولُ اصولنا الاولُ
خسئَ الدخيلُ فلن يقرَّ له .. عيشٌ ولنْ يحيا له املُ
ارضَ الكرامة انت خالدةٌ .. للعُرب فيكِ من الفدى مثلُ
جاء العدى يبغونَ فيكِ اذىً .. وتعلّلوا ما شاءتْ العِللُ
فاذا المعاقلُ وهي مُرعدةٌ .. تُرديهمو من قبل ان يَصلوا
فاذا العدوّ يفرُّ من جزعٍ .. لم يحمهِ سهلٌ ولا جبلُ
ضاقتْ به ذرعاً مسالكُهُ .. فدروبه بالنار تشتعلُ
وعن صفد وحنين العودة اليها نظم قصيدة بعنوان “الدارداري” يقول فيها:
الدار في صفدٍ تشكو اذى النُّوَبِ .. وانتَ صبٌّ تقاسي البُعدَ في حلبِ
يا هاتفَ الشوق قد ناديتَ مستمعاً .. اصغى اليك بقلب واجفٍ تعب
ها قد غدوتُ لاوطاني على قدمي .. والوجدُ قرّح اجفاني وبرَّحَ بي
فجئتُ عجلانَ بابَ الدار اطرقه .. طرقَ الذي ابَ من مناىً ومُغتربِمحيي الدين الحاج عيسى.. شاعر فلسطيني كبير تعرّض للتجاهل

Scroll to Top