queenarwauni

شمس الدين سامي فراشري… سيرة مثقف عثماني حائر

اخبار اليوم الصحيفة, شمس الدين سامي اخبار اليوم الصحيفة, شمس الدين سامي

ظهر في السنوات الاخيرة عدد من الترجمات والكتب حول سير بعض المثقفين ممن عاشوا خلال فترة نهاية الدولة العثمانية وبدايات القرن العشرين، التي شهدت تحولات عميقة على صعيد الخريطة السياسية والثقافية.
وكمثال عن هذه السير، نشير الى سيرة جمال الافغاني التي كتبها نيكي كيدي 1972 قبل سنوات طويلة، وترجمت مؤخرا للعربية، اضافة الى كتاب «رواد التجديد في الاسلام 1840ـ 1940» تحرير تشارلز كورزمان، الذي تجاوز التعريف برواد تلك الفترة من العرب والشخصيات المسلمة المعروفة، ليصل الى الالمام بتواريخ شخصيات اخرى غير معروفة كثيرا في عالمنا العربي مثل، المثقف الالباني شمس الدين سامي فراشري.
وفراشري من اهم مثقفي تلك الفترة في العالمين التركي والالباني، بيد انه لم يكتب سوى رسالة واحد بالعربية ما حال دون التعرف عليه. الا ان التعريف به لن يقتصر على هذه الدراسة، مع صدور كتاب جديد عن المعهد الفرنسي للشرق الادنى في عمان بالتعاون مع منشورات الان بعنوان «شمس الدين سامي فراشري.. تشابك العثمنة والقومية والاسلام» من اعداد المؤرخ الكوسوفي السوري محمد م. الارناؤوط، الذي يضم مجموعة من الدراسات التي كتبها عدد من الباحثين الاتراك والغربيين والعرب، حول نتاج هذا الرجل والتقلبات الفكرية والثقافية التي عاشها في الفترة الممتدة من الربع الاخير من القرن التاسع عشر الى وفاته عام 1909، في اسطنبول.
وتشكّل سيرة هذا الرجل السياسية والثقافية اضافة مهمة للمكتبة العربية على صعيد التعرّف على حياة مثقفي تلك الفترة، الذين عاشوا في ظروف مشابهة لما نعيشه اليوم من ناحية الانهيار البطيء للدولة، والسؤال عن العلاقة مع الحداثة ومستقبل الجماعات القومية الموجودة على المستوى الهوياتي. وقد بذل الارناؤوط جهدا في تتبّع كل ما نشر تقريبا عن هذا الرجل في اخر 90 سنة واختيار اهمها وترجمته، اضافة الى نشر دراسة له ايضا في الكتاب تتناول تاريخ عائلته القومي الالباني ورؤيته لمستقبل البانيا.
عالم سامي فراشري
نشطت، بعيد فترة التنظيمات العثمانية 1839، حركة ثقافية قادها عدد من المثقفين العثمانيين الجدد، مثل ابراهيم شيناسي (صحافي ومترجم ومسرحي) ونامق كمال، وقد حاولوا نقل الافكار الغربية والاطّلاع عليها من خلال الترجمة. وكانت الاعمال الاولى، التي عرفت بالادب الفرنسي، هي الاشعار التي ترجمها شيناسي وادهم باشا، والروايات التي ترجمها منيف باشا، ومسرحيات موليير، كما حاولوا الكتابة في هذا المجال، مثل نامق كمال ورواياته ومسرحه. واخذت البلاد تشهد في اخر سنوات السلطان عبد العزيز ميلا الى التعسّف والمضايقة، كما حدث مع نامق كمال الذي نفي الى قبرص ثلاث سنوات، ورغم النجاح لاحقا في الاطاحة بحكمه، الا انّ السلطان البديل عنه (السلطان عبد الحميد الثاني) جاء ايضا فقرّر في ليلة واحدة حلّ البرلمان بعد الهزيمة مع روسيا سنة 1877، فاضطر مثقفو ذاك الزمن الى مغادرة البلاد. وضمن هذه الاجواء الثقافية والسياسية، ولد شمس الدين سامي 1850 في قرية فراشرية في ولاية يانينا، وخلال فترة طفولته درس اليونانية والفرنسية والايطالية والعربية، وذهب سنة 1871 الى اسطنبول والّف بعدها بسنة رواية «حب طلعت وفتنة» وبعد اندلاع الحرب الروسية العثمانية وهزيمة الاخيرة، انضم الى جمعية النشر بالالبانية، التي تشكّلت في اسطنبول دفاعا عن وحدة البانيا، بعد محاولة الروس قضم اجزاء منها لصالح بلغاريا وباقي دول البلقان، ولذلك اخذ ينشط في اعداد كتاب تعليم اللغة الالبانية وقواعدها، ومن ثم الّف عشرات الكتب الاخرى التي ستحظى بقراءة مهمة من قبل المؤرخ الالباني حسن كلشي.
وتدور احداث روايته «حب طلعت وفتنة» حول الماسي التي كانت تحدث للمراة المسلمة والمحجبة، بارغامها على القبول برغبة والديها في اختيار زوجها، كما الّف مسرحيات عديدة؛ من بينها مسرحيته الثالثة «كاوه» التي نشرها عام 1876 وتدور احداثها حول ملك العرب قبل الاسلام (الضحاك) الذي غزا فارس وظلم الشعب واجبر الفرس على التخلي عن دينهم، وعلى عبادة الاوثان واعتقل ملكهم جمشيد، وفي احد احلامه تراءى للضحاك انه يجب تقديم قربان طفل كل يوم للاوثان، ولذلك سيشن حملة لجمع الاطفال ومن بينهم اطفال الحداد كاوه، الذي سيقود الشعب بعد اسر طفليه الى قصر الضحاك ثائرا ليقوم بقتله ويعيد العرش للعائلة الحاكمة الفارسية. وفي سياق تحليله لمضمونها والدفاع وراء اختيار سامي لهذا الموضوع القديم، يرى كلشي انّ هناك اسباب عديدة منها انّ كتّاب فترته كانوا يستمدون موضوعاتهم في المسرحيات والروايات من التاريخ الاسلامي تخوّفا من تناول الحياة اليومية ومعالجة احداث من الواقع، وربما لانّ شخصية الضحاك بدت شبيهة بشخص السلطان عبد الحميد وروحه. كما كان سامي في كتاباته اول من ذكر كلمة وطن في الادب التركي، اذ تظهر في مسرحية له بعنوان «من واجبنا الموت في سبيل الوطن» بينما يرد في مسرحية اخرى «الوطن مقدس نحن ناكل من خبزه ونعيش في ظله» وهي كلمات بدت غير مفهومة للاتراك في ذلك الوقت، لانهم كانوا ياكلون من خبز السلطان ويعيشون في ظله، وقد حقق نامق كمال شهرة كبيرة من كلمة الوطن لاحقا، عندما اختارها عنوانا لمسرحية له.
كما وجد فراشري انّ اوربة تركيا لا يمكن ان تتم دون مكافحة الافكار البالية، ولاجل ذلك ساهم في عام 1884 في اصدار سلسلة كتب جديدة تحت اسم مكتبة الجيب، وكان الكتاب الاول «المدنية الاسلامية» (ترجم للعربية في عام 2012) كما نشر كتابا حول النساء وانطلق فيه من فكرة انّ النساء يشكّلن نصف سكان العالم، ويشاركن في تربية المجتمع الانساني، ليصل الى القول بضرورة تحرير المراة، وفي ما يتعلق بالحجاب وجد انّ لا علاقه له بالدين، بل بالعادات والتقاليد، فالبدو لا يغطون وجه المراة وفي البانيا الفتيات يتحجبن لكن بعد الزواج يكشفن عن وجوههن، ولذلك وجد انّ الحجاب جاء بتاثير الفرس، الذين كانوا يحجبون نساءهم قبل الاسلام، وربما يفسر رايه هذا ظهور زوجته حاسرة الراس في صورة لها برفقته في عام 1884.
من جانب اخر، يناقش المؤرخ التركي بولنت بيلميز دوره كمثقف في صناعة اساطير حديثة حول تاريخ البانيا، وايضا على صعيد العودة لبناء هوية تركية طورانية تتجاوز المدى العثماني، وتحاول ان تؤسّس لرابطة اخرى في ظل الاوضاع السياسية التي كانت تعيشها الدولة في زمنه، ولذلك كتب انّه على الشعب الا يشعر بالاهانة اذا دعي باسم الترك، وهنا نراه يتحدث عن جد مشترك للاتراك، او وفق تسميته للترك الشرقيين والترك الغربيين في البلقان. مع ذلك يرى الباحث التركي انّ هذا الخطاب لا يعني انّ سامي كان ميالا لتوجّهات الخطاب العرقي الاوروبي انذاك، فهو في حديثه عن القومية التركية، كان يركّز على البعد السياسي لهذه الجماعية التي ستظهر امة كبيرة وان كان لا يوضح في اي تنظيم او كيان سياسي وما طبيعة هذا الكيان الذين سيلتحقون به، وهنا نرى خلافا بين المشاركين في الكتاب حول هذه الرؤية، ففي الوقت الذي يرى فيه الباحث التركي انّ تصوّر الهوية الجماعية التركية لم يشكل ضربة قوية للعثمانية كهوية جامعة سلطانية وحسب، بل كانت ايضا ضربة لتصوّر المسلم التقليدي حول الماضي المشترك، الذي بدا مع الاسلام، او كبديل مع تاسيس الدولة العثمانية، في المقابل ترى الباحثة الفرنسية ناتالي كلير، انّ فراشري بقي يدافع عن سياسة الجامعة الاسلامية للسلطان عبد الحميد، اي توحيد المسلمين حول عقيدة دينية لا سياسية، وانّ التناقض في ارائه يعود الى انّه كان يحمل خطابات متعددة حسب الظروف والفترات، وحسب الجمهور الذي يتوجه اليه، مع ذلك يبدو للباحثة انّ صياغته للقومية الالبانية كانت قريبة من خطاب العثمانيين حول الاسلام، ففي احدى موسوعاته يكتب، انّ الالبان وبعد دخولهم المحيط العثماني الطبيعي وخلال وقت قصير، اصبح ثلثا السكان مسلمين، وبقي الثلث الاخر مناصفة بين الكاثوليك والارثوذكس، وقام الالبان الذين لم يخضعوا للرومانيين وبيزنطة الاسكندر الكبير بالانضمام بقلب واحد الى العثمانيين، وهنا ترى كلير انّ هذه الافكار لم تكن تحظى بالقبول لدى غالبية المسيحيين الالبان، ولذلك ورغم دعوته لهوية قومية عابرة للدين، ظل متمسكا بنسخة اقرب للعثمانية، او الانزلاق نحو قومية البانية مسلمة، لكن يبدو انّ تطور الاحداث دفع فراشري ايضا الى تجاوز هذه الرابطة لاحقا، او هكذا يظهر لنا على الاقل، اذ سيصدر له كتاب عام 1900 بعنوان «تاريخ البانيا» مع الاشارة في الغلاف الى كونه صدر في الاسكندرية للايهام بانه من نتاج الجالية الالبانية في مصر، بينما كان مدعوما من المطبخ السياسي في فيينا، الذي يعدُّ الارضية لدولة البانية مستقلة، تنسجم مع اجندة الامبراطورية الهابسبرغية في غرب البلقان. ويرى في الكتاب انه ليست هناك فرصة لاستمرار الدولة العثمانية في اوروبا، ولذلك لا بدّ من الاستعداد لمثل هذا الامر من خلال ترك الرجل المريض يسقط وانقاذ الذات، ومع هذا التصوّر تكون لدينا رؤية مبكرة لمال الدولة العثمانية وسعي بالتالي، كما يرى الارناؤوط، الى توجيه الالبان او العثمانيين الاوروبيين الى التركيز على مصالحهم ضمن الاسرة الاوروبية.
وبالتالي نلاحظ كيف فرض الواقع السياسي على هذا المثقف ان يبقى حائرا ومتنقلا في ارائه حول مستقبل العثمانيين والاتراك والالبان وحتى العرب، الذين خاطبهم في رسالته «همة الهمام» 1885 قائلا «وكانت جميع دول اوروبا يخافون سطوتها (الدولة العثمانية) ولم تكن دولة في الارض تساويها في القوة ولا في العلم والحضرية، لانّ اهل اوروبا كانوا حينئذ بعيدا جدا عن الحضرية التي نراها اليوم عندهم» ويبدو انّ المزاج والقلق الذي اخذ يعبّر عنه الرجل من تبدّل احوال الدولة وغلبة الاوروبيين والقبول بالامر الواقع في البلقان ربما هما ما دفعا السلطان عبد الحميد الى فرض الاقامة الجبرية عليه في البيت، حتى انّه في عام 1901 في يوم زواج ابنته سمح لشيخ وشاهدين فقط بدخول بيته الذي بناه في منطقة ارين كوي في اسطنبول (تتبع اليوم منطقة كاديكوي).
عكف في هذه الظروف على اعداد قاموس حول اللغة التركية، واخر حول اللهجة التركية في الممالك المصرية، ويعدّان استكمالا لعدد من القواميس الاخرى التي كتبها، مثل قاموس الاعلام (6 اجزاء) وقاموس عربي تركي وقاموس فرنسي تركي وعشرات الكتب الاخرى، وقد وضع لها ارناؤوط قائمة في اخر الكتاب، دوّن فيها عناوين كتبه المنشورة وغير المنشورة التي عثر عليها في السنوات الاخيرة. كما يذكر انّ باستثناء رسالته «همة الهمام» لم يترجم له للعربية سوى كتاب «المدنية الاسلامية» في عام 2012 (بترجمة الارناؤوط) وهذا ما لم يسمح لنا بالتعرّف على سيرة مثقف حائر اضطرته ظروفه انذاك الى البحث عن مخرج ثقافي وسياسي واقعي اخر، مع انكسار شوكة العثمانيين، ولذلك يشكّل هذا الكتاب فرصة للتعرف على ارائه ورؤيته لمقارنتها باراء المثقفين العرب انذاك، وحتى بواقعنا اليوم الذي يبدو اصعب حالا من الزمن الماضي.شمس الدين سامي فراشري… سيرة مثقف عثماني حائر

Scroll to Top