queenarwauni

فيلم “الاخوة الاعداء”.. ما اسباب مذبحة 13 يناير في جنوب اليمن؟ وكيف تشكل واقع البلاد الى اليوم؟

اخبار اليوم الصحيفة, فيلم “الاخوة الاعداء”.. اخبار اليوم الصحيفة, فيلم “الاخوة الاعداء”..

في رواية “الاخوة الاعداء” للكاتب اليوناني الشهير “نيكوس كازانتزاكيس”، وردت العبارة: “هذه ارادة الله.. اما طريق الله فمُغلَق، الله فيما يبدو لا يُدخِل نفسه في شؤوننا، ، لانه اعطانا عقلا واعطانا الحرية ونفض يديه مما نفعل بعد ذلك”. بالمصادفة، وردت العبارة نفسها تقريبا على لسان الرئيس اليمني لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب اليمني قبل الوحدة 1980-1986) في فيلم “الاخوة الاعداء”، بالجزء الاول من برنامج “المُتحَرِّي” الذي بثَّته قناة الجزيرة. (1) وثمة احتمال كبير ان “جمال المليكي”، مخرج فيلم “الاخوة الاعداء”، استلهم اسمه من الرواية سابقة الذكر. وسواء حدث التطابق بفعل المصادفة ام انه اختيار مقصود، ففي الحالتين نحن امام تطابق ذكي بين مادة الفيلم وموضوع الرواية، حيث تتناول المادتان على اختلاف طبيعتيهما موضوعا ذا مضمون متشابه.
لقد تناولت رواية “الاخوة الاعداء” لـ”كازانتزاكيس” احداث الحرب الاهلية في اليونان اثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. وبدوره يتناول فيلم “الاخوة الاعداء” في برنامج “المتحري” الحرب الاهلية في جنوب اليمن، وتحديدا الاسابيع الاكثر دموية ووحشية المعروفة باحداث 13 يناير/كانون الثاني 1986. من بداهة القول ان اسباب تلك المذبحة لم تنبع من “ارادة الله”، فهذا تفسير غيبي لاحداث بشرية ذهب اليها الفاعلون في المشهد بايديهم. لكن مهمتنا الان ليست مناقشة فكرة ميتافيزيقية، سواء تلك التي جاءت في رواية “الاخوة الاعداء” او قالها ضيف برنامج “المتحري”، بل الدخول الى موضوعنا، وهو فيلم “الاخوة الاعداء”، وما تضمَّنه من سردية حول الحدث.
جنوب اليمن.. مقدمة لا بد منها
تولى امين عام الجبهة “قحطان محمد الشعبي” رئاسة الجمهورية وشُكِّلت اول حكومة برئاسته. ومن هنا بدات المرحلة الاصعب في طريق بناء الدولة باليمن الجنوبي.
مثله مثل اغلب البلدان العربية، وقع الشطر الجنوبي من اليمن اسيرا للاستعمار البريطاني على مدار قرن ونيف بقيت فيه جغرافيا اليمن بمنزلة امتداد للامبراطورية التي لم تغِب عنها الشمس. وقد نشات طيلة تلك الفترة محاولات للتحرر الوطني وحركات كفاح مسلح استمرت لعقود طويلة، غير انها كانت محدودة ولم تتمكن من تحقيق اي تحول ملموس لصالح ابناء الارض. وقد تشكَّلت حركتان وطنيتان بارزتان اثناء القرن العشرين هما “جبهة التحرير” و”الجبهة القومية”، اللتان كانتا بمنزلة العمود الفقري لحرب الاستقلال في جنوب اليمن.
وحين قررت بريطانيا تحت ضغط الكفاح المسلح الانسحاب من جنوب اليمن، كانت الجبهة القومية الطرف الابرز، حيث تزعَّم قادتها المفاوضات مع المستعمر، وتمكَّنوا من نيل استقلال بلادهم. وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 رحل اخر جندي بريطاني عن مدينة عدن، واُعلِن الاستقلال الوطني بتاسيس جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. وتولَّت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن مسؤولية الحكم، وتولى امين عام الجبهة “قحطان محمد الشعبي” رئاسة الجمهورية وشُكِّلت اول حكومة برئاسته (2). ومن هنا بدات المرحلة الاصعب في طريق بناء الدولة باليمن الجنوبي، التي انتهت بمذبحة 13 يناير/كانون الثاني 1986.
في 19 اغسطس/اب الماضي، عرضت قناة الجزيرة حلقة استقصائية بعنوان “الاخوة الاعداء” من برنامج “المتحري”، ودارت احداث الفيلم حول ما جرى في مذبحة 13 يناير/كانون الثاني 1986. ولنا ان نتساءل مَن هم الاخوة الاعداء هنا؟ ففي كل زمان ومكان ثمة خصومة خفية وظاهرة تنشا بين الاخوة، غير ان المقصود هنا ليس اخوة النسب، بل اخوة النضال المشترك، اخوة القضية. وفيما يخص موضوعنا هنا، فان الاخوة الاعداء بحسب الفيلم هم النخبة السياسية الحاكمة في جنوب اليمن، والزمرة والطغمة بحسب التوصيف اليمني الشهير لاقطاب الصراع اليمني، وصانعي المذبحة الدامية التي وقعت قبل 36 عاما. (3)
لماذا تصارع اذن رفاق القضية الواحدة؟ وكيف وصل بهم الحال الى تلك اللحظة الفارقة؟ وما ملابسات المذبحة اليمنية الشهيرة؟ هذا ما نحاول البحث فيه هنا مستعينين بما اورده الفيلم المذكور انفا. في البداية، يجدر القول ان كل المهتمين بمتابعة تفاصيل الواقع السياسي اليمني وتاريخه سيلاحظ اننا امام بلاد مُمزَّقة لا يزال شعبها يصارع من اجل اساسيات العيش والبقاء، وسيجد تاريخ اليمن المكتوب مُبعثَرا، ومن ثمَّ هنالك حاجة مُلِحَّة الى توثيق بعض الاحداث السياسية المهمة في اليمن، والحديث عن مذبحة 13 يناير في جنوب اليمن بمنزلة خيط اوَّلي لفهم الواقع اليمني وصولا الى هذه اللحظة. وعليه يمكن القول مبدئيا ان فيلم “الاخوة الاعداء” الذي بُث على قناة الجزيرة بمنزلة ذاكرة مرئية بمستوى عالٍ من الجودة، قدَّم للاجيال اليمنية صفحة مهمة من ارشيفها، ولملم جزءا من ذاكرتها المتشرذمة.
قيود الجغرافيا والاجتماع في جنوب اليمن
على مدار 36 عاما، ظلَّت احداث 13 يناير في الجنوب اليمني غامضة، وبقيت تناولات الموضوع مُجتزاة، ولم يحدث ان تمكَّن صحفي او منتج مرئي او مقروء من ازاحة الغموض عن الحدث ونَقْلِ توثيق شامل ومرجعي للاجيال التالية. واسباب هذا الغموض كثيرة، منها شعور كل الاطراف التي لا تزال موجودة بانها متورطة في المذبحة، مع صعوبة اقناعها بالحديث عما جرى. بيد ان فيلم “الاخوة الاعداء” استطاع الدفع بشخصيتين اساسيتين في المشهد انذاك الى الحديث بصراحة؛ انهما “علي ناصر محمد”، الضيف الاساسي في الفيلم، و”علي سالم البيض”، الذي ظهر في تسجيل حصري وادلى بشهادته عن المذبحة. وقد تربَّع كلاهما على عرش السلطة في الجنوب اليمني، احدهما قبل احداث يناير والثاني بعدها. ان موافقة الرجلين على التحدُّث نقلة كبيرة في مواقفهما السابقة، واسهام تاريخي مهم باستخراج شهادة حية منهما.
لطالما تهرَّب المسؤولون اليمنيون من المكاشفات التاريخية، متذرعين بان المصالحة الجنوبية تقتضي وقف الحديث عن وقائع 13 يناير، في حين ان الحقيقة تقتضي النزاهة تجاه الماضي، وتاسيس الوفاق على الوضوح وليس طمس الذاكرة. وعليه، فما قام به فيلم “الاخوة الاعداء” ليس نبش الماضي، بل اسهام مهم في تجلية الذاكرة، وايقاظ الوعي اليمني ازاء احتمالات الصراع وما يمكن ان يؤول اليه واقع الجنوب اليمني اليوم قياسا على ما جرى بالامس. ففي جزئه الاول، يسرد الفيلم قصة الدولة اليمنية الجنوبية منذ خروج المستعمر البريطاني في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967، مرورا بكل المراحل التي خاضها الجنوب وصولا الى مذبحة 13 يناير/كانون الثاني. وقد تضمن الفيلم مادة تحقيقية شديدة الاهمية ومتصلة بواقع اليمن اليوم يمكنها شرح جوانب من الواقع السياسي المتجسد امامنا في جغرافيا الجنوب اليمني. كيف ذلك؟
ان جنوب اليمن جغرافيًّا واجتماعيًّا يعاني من مشكلات بنيوية واضحة، فهو شاسع من حيث المساحة، وضئيل التعداد من حيث السكان، وهو ما ينعكس على طبيعة القوى السياسية. فمنذ استقلاله عجزت الانظمة السياسية المتتالية عن ترسيخ قواعد منظمة لادارته. وفي العقود الثلاثة الاولى من عمر الدولة الوليدة، اي منذ استقلالها حتى الوحدة اليمنية عام 1990، ظلَّت البلاد في حالة صراع متواصل. هنا تجدر الاشارة الى المداخلة الدقيقة لـ”ستيفن داي”، الخبير الاميركي بالشؤون اليمنية الذي ظهر في فيلم “الاخوة الاعداء”، حيث وصف الاشخاص الثلاثة الذين رسموا المشهد في الجنوب بين عامي 1969-1986، وهُم “علي ناصر محمد” و”عبد الفتاح اسماعيل” و”سالم ربيع علي”، قائلا انهم شديدو التمايز ولم يحملوا رؤية موحدة، وان كلًّا منهم فكَّر في التامر على الاخر، مما نتج عنه في الاخير مذبحة 13 يناير.
ان اول درس قدَّمه الفيلم اذن هو ان الجنوب يفتقد نخبة سياسية ذات رؤية متجانسة، وقبل ذلك يفتقد لمراكز ثقل اجتماعية راسخة بما يكفي لاحداث استقرار اجتماعي وتوافق سياسي. وجنوب الامس، بما حدث فيه من مذابح صادمة، لا يزال هو جنوب اليوم. فالمجتمع هو نفسه، ولم يحدث فيه اي نقلة جذرية اعادت هندسة المجتمع وازاحت عناصر الشقاق السياسي والتشرذم الاجتماعي. وبالنظر الى الفاعل السياسي الابرز داخل جغرافيا الجنوب اليوم، المجلس الانتقالي الجنوبي، فان تركيبته وطريقته في تمثيل القضية الجنوبية تقول لنا الكثير عن مالات هذا النهج وما يمكن ان يؤسس له من مصير في الشطر الجنوبي من اليمن.
“الاخوة الاعداء”.. جرس انذار للمجلس الانتقالي الجنوبي
اورد فيلم “الاخوة الاعداء” مداخلات شرحت اسباب الصراع بين النخب الجنوبية. ومع ان الفيلم محكوم بزمن محدد مثله مثل اي مادة مرئية، ولم يستطع الاطالة في تشريح دوافع الصراع، فانه نجح في تقديم مفاتيح دقيقة يمكن لنا ان نفهم منها جوهر معضلة جنوب اليمن بوضوح. ومن تلك المفاتيح الدوافع الايديولوجية (الاشتراكية) للصراع، وهي نقطة مهمة تكشف كيف تصارعت النخبة الجنوبية انذاك رغم انتهاج ايديولوجيا يُفترض انها ذات منبع واحد. ومن هنا يظهر لنا ان وحدة الايديولوجيا قد تصبح سببا للصراع وليس للتجانس بالضرورة. وقد تطرَّق الفيلم بشكل عابر لافتقاد النخب المتصارعة الى الواقعية السياسية، حيث اخذت تُردِّد شعارات مثالية حينئذ، ولم تضع اعتبارا للمصالح المتنافرة ومدى قابلية افكارها للتطبيق، ومدى قدرتها على تنفيذ وعودها.
لا يزال هذا الامر ساريا حتى اللحظة في جنوب اليمن، فقد تغيَّرت الواجهة التي ترفع الشعارات وتبدَّلت مضامينها، لكنها تتصف بالسمات الوهمية نفسها. فقد انزوت شعارات مشاريع التحرر والتنوير التقدمي، وحلَّت مكانها شعارات التحرير وحق تقرير المصير، بل وتجاوزتها للحديث عن الهوية المتمايزة للجنوب. بيد ان كل هذه لافتات ليس الا يُضلَّل بها الشارع الجنوبي اليوم كما ضُلِّل بالامس بواسطة شعارات افضت به في النهاية الى المذابح. هذه اللفتات الواردة في الفيلم تخدم واقع المجتمع الجنوبي اليوم لو توقفنا معها كما يجب.
تلقَّى اغلب اليمنيين في الشمال والجنوب فيلم “الاخوة الاعداء” بنوع من الانتباه. وقد وقف انصار المجلس الانتقالي وحدهم في محاولتهم التشويش على الفيلم، بل وانكار وجود اي رابط بين ما قدَّمه الفيلم وبين الواقع السياسي الجنوبي الراهن الذي يُرسِّخه المجلس، ولكن لماذا يتهرَّب المجلس الانتقالي من اي استنتاجات تربط بين احداث 13 يناير وادارته للجنوب؟ ان اي متابع لنهج المجلس منذ اعلان تاسيسه عام 2017 يدرك بوضوح انه يُمثِّل احد اطراف الصراع الجنوبي-الجنوبي، مهما حاول تقديم نفسه بوصفه مظلة جامعة للجنوب اليمني كاملا، فهو ليس اكثر من تجلٍّ جديد لعناصر شقاق قديمة، مع فارق اننا هذه المرة ازاء فصيل يتخذ من تحالفاته الاقليمية مرجعية وسندا له، ولا يستند الى ايديولوجيا كونية كما هو حال رفاق الامس.
لقد اعاد فيلم “الاخوة الاعداء” موضوعا مهما الى السطح في توقيت يخطو فيه الجنوب نحو مصير يحمل كل عوامل الصراع الكامنة في المجتمع. ولم يقل لنا الفيلم ذلك بطريقة مباشرة، ولم يتورط باستنتاجات تنطوي على موقف سياسي من المجلس الانتقالي، وهذا ذكاء فني يُراعي وظيفة الصحافة الاستقصائية، باعتبارها معنية بكشف واقع ما يجري، ثم ترك الجمهور ليستنتج ويربط ما شاهده في الفيلم بما يدور في واقعه اليوم. وما يدور في الواقع اليوم هو اننا امام فصيل مسلح يدَّعي احتكار تمثيل الجنوب، بينما يعجز عن تقديم نموذج اداري يراعي التكوين القبلي والتمثيل الجغرافي لقوى الجنوب كافة. وبهذا فانه يُمهِّد الطريق لصدامات محتملة لن تكون اقل كارثية مما حدث بالامس، وما الصدامات الاخيرة في شبوة والمهرة، والممتدة لسنوات، بل ومحاولاته السيطرة على حضرموت، سوى مؤشرات لما تُنذر به الاوضاع الحالية.
لا يبدو للمتابع اليمني ان “عيدروس الزبيدي”، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، يملك الجراة كي يستلهم دروس الماضي المتضمنة في فيلم “الاخوة الاعداء”. واذا ما وقع الفيلم مصادفة امام ناظريه، فهل يا تُرى يملك الرجل ما يكفي من الخيال ليستنتج احتمالات ومالات الطريقة التي يرسم بها مصير الناس في الجنوب؟ وهل يملك الرجل شجاعة التوقف ليناى ببلاده عن مصير مشابه لماضي البلاد الدموي؟ وهل يملك اساسا قرار مخالفة توجهات داعميه الاقليميين؟ كل هذه الاسئلة يطرحها الفيلم ضمنيا، لكنه يترك الجواب عنها مفتوحا. (4)
لغز مقتل “عبد الفتاح اسماعيل”
في جزئه الثاني، اورد الفيلم شهادات صادمة عن مذبحة 13 يناير، منها شهادة الضابط “مبارك سالم احمد”، قائد حراسة “علي ناصر محمد”، الذي تحدث بوضوح تام عن التعليمات التي تلقاها من قادته العسكريين ذاكرا اياهم بالاسم، وشارحا خطتهم لتصفية اعضاء المكتب السياسي من خصوم “علي ناصر محمد”. لقد ظلت هذه الشهادة محجوبة لمدة 26 عاما، اما وقد خرجت الى النور فانها بمنزلة وثيقة مرئية ودليل قاطع يوضح ملابسات المذبحة ويحدد المسؤولين عنها بدقة اكبر. ولم يكتفِ الفيلم بشهادة قائد حراسة الرئيس انذاك، بل اضاف اليها شهادات اخرى عزَّزت من موثوقية السردية التي قدَّمها الفيلم لاحداث 13 يناير.
يُعَدُّ “عبد الفتاح اسماعيل” الشخصية اليمنية الابرز من بين كل الشخصيات التي صنعت المشهد اليمني في الجنوب، فهو المُنظِّر السياسي والقائد الجماهيري والاب الروحي للحزب الاشتراكي اليمني. وينحدر “عبد الفتاح اسماعيل” من محافظة “تعز” الشمالية، وكان من ابرز ثلاث شخصيات شكَّلت الواقع الجنوبي، والوحيد الذي ظل مصيره غامضا بخلاف كل مَن قُتلوا في المذبحة، وما زالت حادثة مقتله لغزا لم تفك شفرته الى اليوم. و”رغم مرور اكثر من ثلاثة عقود على نشوب الحرب الاهلية في اليمن الجنوبي، فان هذه المرة الاولى التي يُفتَح فيها ملف مقتل مؤسس الحزب الاشتراكي اليمني الجنوبي والرئيس السابق”، هكذا صرَّح اخر رئيس لجمهورية اليمن الجنوبي “حيدر العطاس”، ملمِّحا الى ضلوع امين عام الحزب الاشتراكي “علي سالم البيض” بالتورُّط في الجريمة، مما اثار جدلا واسعا بين اليمنيين، لا سيما انها المرة الاولى التي يُصرِّح بها “العطاس” بتصريحات مرتبطة بالواقعة بعد مرور عقود عليها. وقد قال “العطاس” في حديث تلفزيوني قبل فترة قصيرة ان “سالم البيض” وبعض “الاخوان” ارسلوا “عبد الفتاح” الى مكان تصفيته. (5)
تتطابق تلك الشهادة مع شهادة الرئيس الجنوبي الاسبق “علي ناصر محمد” في فيلم “الاخوة الاعداء”. وعليه يصبح لدينا الان شهادتان، احداهما لشخصية حكمت بعد 13 يناير، والاخرى لشخصية حكمت قبل 13 يناير، واحداهما من الطرف المنتصر، والاخرى من الطرف المهزوم في الاحداث. وقد اورد الفيلم مقتل “عبد الفتاح” وفقا للروايتين الرسمية والموازية معا. وبحث الفيلم في تقرير الحزب الاشتراكي والجماعة التي حكمت بعد انتهاء الاحداث، وجاء معها بالشهادة الموازية لـ”علي ناصر محمد”، مما يجعلنا امام صورة متوازنة لم يخلص فيها الفيلم الى نتيجة نهائية بشان لغز مقتل “عبد الفتاح اسماعيل”، لكنه اوضح الصورة قدر الامكان وقرَّب المتابعين من الحقيقة اكثر من ذي قبل.
يجدر هنا التنويه الى طبيعة تصريح الرئيس “علي ناصر” حول واقعة مقتل “عبد الفتاح اسماعيل”، حيث قال بنبرة فيها لمز: “لقد ضاع بين الزحمة”. ونفى الرجل ان يكون “عبد الفتاح” قد قُتل وفقا للرواية الرسمية، واكَّد الرواية الموازية القائلة ان رفاقه المنتصرين قاموا بتصفيته بعد ذلك خشية ان يعوق تقلُّدهم المناصب بعد ان تضع الحرب اوزارها، لا سيما وهو اشدهم ذكاء، وعرَّاب السياسة الاشتراكية ومُنظِّرها الابرز. ولعل اكثر تصريحات “علي ناصر” اهمية قد وردت في الجزء الثاني بخصوص تدخُّل طرف خارجي في المشهد كي يحسم حرب 1986 لصالح الطرف المنتصر في تلك الحرب. وادلى الرجل بهذا التصريح دون ان يُحدِّد هوية هذا الطرف الخارجي، وان صحَّت تصريحاته فنحن امام لغز جديد يحتاج الى الكشف عنه في المستقبل.
الوحدة اليمنية.. الحلم والغاية
لعل حادثة 13 يناير مجرد واقعة ضمن سردية اكبر تتمحور حول محنة الدولة اليمنية جنوبا وشمالا. وبين هذا وذاك، تكمن فكرة الوحدة بوصفها اهم قيمة مركزية كانت ولا تزال حلما وغاية لليمنيين جنوبا وشمالا. وقد كان اخر سؤال وجَّهه مخرج فيلم “الاخوة الاعداء” الى الشخصية المركزية والضيف الاساسي في برنامجه هو سؤال الوحدة. ولم يكن السؤال استفسارا عابرا فحسب اختتم به الفيلم حديثه مع الضيف، بل لافتة مهمة تُلخِّص محنة اليمن بكامله. “هل ما زلت تؤمن بالوحدة؟”، هكذا سال المُقدِّم الرئيس الجنوبي “علي ناصر محمد”، فاجاب الاخير: “نعم مع الوحدة العادلة”، وهو تاكيد مهم من شخصية جنوبية بارزة. ورغم انه لم يعد فاعلا في الجنوب اليوم، فان حديثه ذا وزن بحكم تاريخه الطويل والمؤسس في العقود الاخيرة من تشكُّل الدولة اليمنية في جنوب اليمن.
يقول “علي ناصر محمد”: “قضينا اكثر من 20 عاما منذ استقلال الجنوب حتى عام 1990 نحلم بالوحدة، ثم قضينا اكثر من 20 عاما منذ حرب الانفصال عام 1994 ونحن نقاتل من اجل الانفصال”. لقد سعت الفصائل اليمنية للوحدة بطريقة عشوائية، وسعت للانفصال بالطريقة نفسها. (6) وخلاصة القول اننا امام واقع يمني لا يزال ضبابيا دون طريق واضح امام اليمنيين جنوبا وشمالا. ولعل الجنوب يعاني من قابلية التفكك اكثر من الشمال اليوم، وليس المقصود هنا قابلية الجنوب بوصفه كُتلة واحدة للانفصال، بل قابليته هو نفسه للتشرذم من داخله. فمَن يتامل واقع الجنوب اليوم يرى البُعد الشديد عن حلم الدولة المستقرة، ايًّا كانت الصيغة التي تربطه بشمال البلاد، في حين انه يقترب يوما بعد يوم من مصير التشظي والعودة الى التكتلات القبلية والمناطقية على غرار امسه القريب، الذي حاول فيلم “الاخوة الاعداء” بجزايه الاول والثاني ان يُسلِّط الضوء عليه؛ لعلَّ المُمسِكين بمصير الجنوب اليوم يعون دروس الماضي قبل فوات الاوان. (7)
_____________________________________________
المصادر
(1) راجع تصريح الرئيس “علي ناصر محمد” في برنامج المتحري بفيلم “الاخوة الاعداء”. https://youtu.be/Yp0ML7AwESQ
(2) ويكيبيديا، تاريخ ثورة 14 اكتوبر 1967، استقلال الجنوب اليمني.
(3) الطغمة، والزمرة. مصطلحان سياسيان شائعان في اليمن، ويستخدمان لتوصيف اطراف الصراع بعد مذبحة 13 يناير. الطرف المهزوم (علي ناصر وجماعته) يوصفون بـ”الزمرة” الهاربة، والطرف المنتصر (علي سالم البيض وجماعته) يوصفون بـ”الطغمة” الحاكمة.
(4) من تقرير منشور في موقع المصدر اونلاين عن التمويل الخارجي للمجلس الانتقالي.
(5) من مقالة “جمال شنيتر”، مراسل صحفي وتلفزيوني، المنشورة على موقع “اندبندنت عربي” بعنوان: “عدن تستعيد البحث عن القاتل المجهول بعد 35 سنة”.
(6) من تصريح “علي ناصر محمد”، مرجع سابق.
(7) شاهد برنامج المتحري (الاخوة الاعداء).
الجزء الاول
الجزء الثانفيلم “الاخوة الاعداء”.. ما اسباب مذبحة 13 يناير في جنوب اليمن؟ وكيف تشكل واقع البلاد الى اليوم؟

Scroll to Top