اخبار اليوم الصحيفة, مسلسل رسالة الامام.. اخبار اليوم الصحيفة, مسلسل رسالة الامام..
انتحل فريق مسلسل “رسالة الامام” شعر حذيفة العرجي، ليكون هذا جزءا من ضجيج يثار حول المسلسل الذي يتناول سيرة الشافعي، اذ يمثل الجدل القائم حول محتوى المسلسل تلاقي مشاكل عديدة في وقت واحد، فالتمثيل مثار جدل فقهي حاد، ويزداد النقاش عندما يتناول التمثيل قضايا دينية، وتاريخية، ويتضاعف عند تناول شخصية كبيرة بوزن معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه، او شخصية علمية جليلة كالامام الشافعي قال فيها احمد بن حنبل رضي الله عنه: “كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف؟”.
ففي الجانب الديني، يعتبر الشافعي من اكثر الائمة الاربعة جمعا للمواهب المتعددة، فالشافعي امام محدث فقيه لغوي، واهلته قدراته العقلية لوضع اصول الفقه، تاركا فيها نقاشات لغوية ما زالت موضع اهتمام الباحثين حتى اليوم، وفوق ذلك فقد تمتع بادراك للواقع الاجتماعي المعيش، بل الحضاري مما يجعلك تتوقف امامه عجبا، مع اشعار سارت بها الركبان، واتقان للرماية، وجودة في الفراسة، وكرم نفس، وسخاء. على انني لا اجرؤ على انتقاص اي من الائمة الثلاثة المتبوعين، ولا حتى ممن اندثرت اراؤهم، ومذاهبهم، وما اكثرهم في التاريخ، لكنه تنويه بجوانب عظمة شخصية قدمت بصورة اشكالية.
ومن جانب اخر، ومن منطلق تجربتي في كتابة الرواية التاريخية، فان التاريخ باعتباره يدون الوقائع البارزة، فانه يترك فراغات يعمل فيها خيال المؤلف، واجتهاد السيناريست، ويقولبها المخرج في قالب نهائي، يعبر عن القيم المهمة التي يريد ايصالها. لكن المعركة تثور في اضطراب البوصلة، وافتقاد الدقة في بناء القصة، لان التجميع يؤدي للاضطراب، ومحاولة التغطية تنتهي بكوارث.
وليس المصريون قليلي الخبرة في التاليف التاريخي فهم واضعو لبناته الاولى، ومن ينسى اعمال عبد السلام امين وجيله حول عمر بن عبد العزيز، والائمة الاربعة، والقضاء في الاسلام، والاعمال التي تناولت اصحاب الكتب الستة، عدا عن الانصار، والوعد الحق، وبالاسلام السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله الى العالم، هذا عدا عن الافلام القصيرة التي تناولت السيرة النبوية، وناهيك بالاداء التمثيلي لعدد من المصريين في فيلم الرسالة الشهير، على انه كان يؤخذ عليها اقحام قصص الحب بصورة فجة في حياة هؤلاء الاعلام، وهو ما كان يزعج المشاهدين، ويدفعهم في كثير من الحالات للنفور منها، لكن مع عظمة الشخصيات ذابت هذه الاشياء في الاذهان، وبقيت المشاهد محفورة.
عودة الدراما التاريخية المصرية مع رسالة الامام كانت غير موفقة، فثمة خلط في وقائع تاريخية عديدة، وثمة اشكالية في العقيدة، ومعركة في تقرير بعض القضايا الفقهية، عدا معركة انتحال ابيات حذيفة العرجي
ولكن التراجع وقع مع عدم التجديد في اساليب الانتاج، والنظرة للتاريخ، والكتابة التاريخية، والسيناريوات، فكان اخر ما شوهد، وكان جديرا بالاحترام مسلسلا “هارون الرشيد”، و”الفرسان” الذي تناول سيرة سيف الدين قطز، وبعدها بدا التراجع، والتوقف شبه التام بعد مسلسل “نسر الشرق” الذي تناول بصورة شائهة سيرة صلاح الدين الايوبي، حيث اعقبه مسلسلان سوريان مميزان، وحسبك بالثنائي وليد سيف، وحاتم علي، ثم كان الختام بكارثة مسلسل “الظاهر بيبرس”، الذي زامله مسلسل “الظاهر بيبرس الشامي” باخراج محمد عزيزية، وتمثيل عابد فهد، وباسل خياط، فانتقد المصريون مسلسلهم بجراة تحسب لهم، وتوقفت الدراما المصرية التاريخية بعد ذلك.
ولكن عودة الدراما التاريخية المصرية مع “رسالة الامام” كانت غير موفقة، فثمة خلط في وقائع تاريخية عديدة، وثمة اشكالية في العقيدة، ومعركة في تقرير بعض القضايا الفقهية، عدا معركة انتحال ابيات حذيفة العرجي السوري، وربما كان ذلك سببا في شهرته، اكثر مما امل وظن، والارزاق بيد الرزاق سبحانه.
وسابدا بذكر بعض ما اشار له بعض طلاب العلم في ما يتصل بمحنة خلق القران، فالشافعي في الاصل لم يلقَ المامون، ولم يعاصر المحنة التي بدات بعد موته بعقدين، وكان المامون حتى عام اللقاء الوارد في المسلسل لا يزال يسمي نفسه الامام في خراسان منازعا لاخيه، اما محنة الشافعي فكانت مع الرشيد، اذ اتُّهم بممالاته لثوار في اليمن. والثابت ان الشافعي ناظر حفص الفرد المعتزلي في مصر حول خلق القران، مناظرة حادة افحم فيها حفص الفرد، وكانت تتعلق بالموضوع ذاته، كما ان النقاش الوارد في المسلسل استخدم مصطلحات استقرت عليها المدرسة الاشعرية السنية بعد الشافعي بقرن ويزيد، وربما كان السبب في البلبلة كون حملة لواء الاشعرية هم الشافعية، والمالكية في الاغلب، ولا يسمح تاريخ الافكار بتصور ان اهل السنة صاغوا مصطلحات كلامية في القرن الثاني، والثالث الهجري، اذ لا تشير مراجعهم لمثل هذا النمط، بل كانت تشير دائما للاكتفاء بما ورد في الكتاب والسنة.
زيارة الشافعي لدير قبطي، كعنوان للوحدة الوطنية -كما دابت كافة الاعمال التاريخية العربية على تناول التنوع الديني والتسامح على انه سمة غالبة- واقعة لا تثبت ولا تجوز شرعا. صحيح ان المسلمين قصدوا اليهود والنصارى للتطبب، لكن الشافعي كان عالما بالطب ومارسه، وكان قادرا على تطبيب زوجته
اما فقهيا، فان شافعي المسلسل ومن ورائه المخرج والسيناريست، ينسون الجهر بالبسملة، علما بانها مسالة شهيرة في المذهب، حتى ان ابن كثير -المفسر الشافعي الشهير- ذكر ان كل من يقول بهذا القول يستحق ادراجه في طبقات الشافعية. واشد من ذلك، ان استدلال الشافعي -في المسلسل طبعا- بحديث نبوي، ووصفه للنبي صلى الله عليه واله وسلم بانه جده، مغالطة لا يقع فيها من له معرفة بسيطة بنسب الشافعي.
اما مشكلة زيارة الشافعي لدير قبطي، كعنوان للوحدة الوطنية كما دابت كافة الاعمال التاريخية العربية على تناول التنوع الديني والتسامح على انه سمة غالبة، فالحقيقة ان الواقعة لا تثبت، ولا تجوز شرعا. فصحيح ان المسلمين قصدوا اليهود والنصارى للتطبب، لكن الشافعي كان عالما بالطب ومارسه، وكان قادرا على تطبيب زوجته، وكلمة الفقهاء متفقة على حرمة ان تنكشف المراة المسلمة امام الطبيب المسلم ما دامت هناك طبيبة مسلمة، وصحيح ان المسلمين كانوا يقصدون اديرة النصارى للتداوي الطبي، وهذا وارد في تراجم كثير من العلماء، لكن الوحدة الوطنية ليست مفتقرة لهذه اللقطة لتتعزز، ففي مصر لطالما عاش المسلمون والاقباط متجاورين بغير حساسيات، وفي تالف عام، عدا ما يحدث من وقائع ذات طابع مؤقت، وفي اوقات ازمات عامة يغدو فيها الذهن الفردي والجمعي مشوشا.
والحقيقة ان المسلسلات العربية السورية والمصرية اساءت للاقليات المسيحية بقصر دورها على التجارة والحرف اليدوية والطب والصيرفة، وهي حرف برعوا فيها، لكن حصرهم في المسلسلات والاعمال الدرامية فيها تنميط مبالغ فيه، وامر غير مستساغ، لا يتسق في الحالة المصرية مع اعمال مكرم عبيد على اقل تقدير، هذا عدا عن غيره من رجال الاقباط واسهامهم القديم في الحياة العامة منذ كانوا كتابا في الدولة الاموية حتى اليوم.
رحم الله الشافعي، ويكفيه فخرا ان تلاميذه نخبة المفسرين والمحدثين والفقهاء والقضاة في تاريخ الامة، وان مذهبه طبق الارض شرقا وغربا، وحمل الاسلام معه الى بقاع عديدة، فلا يضره مسلسل.. طالت حلقاته او قلّت.مسلسل رسالة الامام.. ومحنة الشافعي
