اخبار اليوم الصحيفة, التعليم والالغاز والتشفير.. اخبار اليوم الصحيفة, التعليم والالغاز والتشفير..
عرف العرب الشعر كنظم موزون له وزن وقافية وقصد، فالشعر الذي لا غرض منه لا يعد شعراً وسمي قائل الشاعر شاعراً لفطنته وذكائه وروايته، وتعارف العرب على ان اغراض الشعر تشمل الوصف والمدح والهجاء والفخر والغزل والرثاء وغيرها من الاغراض الادبية التي تعارف عليها الادباء للشعر والنثر، لكن هناك اغراضاً غير تقليدية وغير معتادة للشعر قصد منها بعض الشعراء اثارة الذهن او القصة او اثبات المهارة الشعرية او الطرائف.. وفيما يلي عرض لبعض هذه الاغراض غير التقليدية للشعر.
الرسائل: ليس للبراق عيناً فترى
اختطف امير فارسي ليلى بنت لكيز بن اسد العفيفة وهي شاعرة عربية في عصر الجاهلية من قبيلة ربيعة بن نزار، لابن عمها البراق بن روحان الذي كانت تحبه، وحاول الامير الفارسي الزواج بها وعرض عليها العطايا والعقوبات لكنها رفضت وارسلت ليلى لابن عمها مع راعي غنم قصيدة فاسرع بالكلمات لابن عمها وانشده شعرها، فحشد البراق الفرسان واجتمع مع قبائل بيعة واحلافهم وسار لقتال الامير الفارسي ليستنقذ ليلى من الاسر وانتصر واعادها بعد ان قتل اخاه غرسان في بلاد الفرس فرثاه بابيات شعرية جميلة حفظها العرب.
تقول ليلى:
لَيتَ للِبَرّاقِ عَيناً فَتَرى ما اُقاسي مِن بَلاءٍ وَعَنا
يا وائِلاً ويا عُقَيلاً وَيلَكُم يا جُنَيداً ساعِدوني بِالبُكا
عُذِّبَت اُختُكُمُ يا وَيلَكُم بِعذابِ النُكرِ صُبحاً وَمَسا
يَكذِبُ الاَعجَمُ ما يَقرُبُني وَمَعي بَعضُ حِساساتِ الحَيا
قَيِّدوني غَلّلِوني وَاِفعَلوا كُلَّ ما شِئتُم جَميعاً مِن بَلا
فَاَنا كارِهَةٌ بُغيَتكُم وَمَريرُ المَوتِ عِندي قَد حَلا
اَتَدُلّونَ عَلَينا فارِساً يا بَني اَنمارَ يا اَهلَ الخَنا
يا اِيادُ خَسِرَت صَفقَتُكُم وَرَمى المَنظَرَ من بَرد العَمى
يا بَني الاَعماصِ اِمّا تَقطَعوا لِبَني عَدنانَ اَسبابَ الرَجا
فَاِصطِباراً وَعَزاءً حَسَناً كُلُّ نَصرٍ بَعدَ ضُرٍّ يُرتَجى
قُل لِعَدنانٍ فُديتُم شَمِّروا لِبَني الاَعجامِ تَشميرَ الوَحى
وَاِعقِدوا الراياتِ في اَقطارِها وَاشهَروا البيضَ وَسيروا في الضُحى
يا بَني تَغلِبَ سيروا وَاِنصُروا وَذَروا الغَفلَةَ عَنكُم وَالكَرى
وَاِحذَروا العارَ عَلى اَعقابِكُم وَعَلَيكُم ما بِقيتُم في الوَرى
ويقول البراق في رده عليها:
لا فرجن اليوم كـل الـغـمـم من سبيهم في الليل بيض الحرم
صبراً الى ما ينظرون مقدمـي اني انا البرَّاق فـوق الادهـم
لارجعن اليوم ذات الـمـبـسـم بنت لكيز الـوائلـي الارقـم
الغاز واحاجي الشعر
استخدم بعض الادباء ابيات الشعر لعمل الغاز واحاجي فقال احد الشعراء:
يا نَابِهَ الفِكرِ قُلْ لي ما ساكنٌ في القبرِ
وليس فِيه حيـاةٌ ولا دمـاءٌ تسرِي
وليس صِنْفَ جَمَادٍ ولا نَـبَـاتاً بِبَرِّ
Trah لا annahu لا بر دومة بلا بحر
والجواب هو (حرف الباء)، موجودة في كلمات القبر والبر والبحر.
وقال الشاعر الصوفي ابن الفارض
ما اسمُ شيء مِنَ النَّباتِ، اذا ما قَلَبُوهُ وَجَدْتَهُ حَيَوَاناً
واذا ما صَحَّفتَ ثُلثيهِ حاشا بَداهُ ، كُنتَ واصِفاً انسانا
والجواب هو (الليف) اذا قلبته كان حيوان الفيل واذا صحّفته وصفت الانسان بانه وفي.
وقال ابن سارة الاندلسي عن (الشمعة)
ومشبوبة زهراء في فحمة الدجى لـها سطر تبر قام خط استوائه
كما انقض من اعلى السموات كوكب وخلى عموداً خلفه من ضيائه
التعليم
استخدم الشعر لاغراض التعليم، بغرض تسهيل حفظه في الذاكرة على شكل منظوم وموزون منذ القرن الثاني الهجري، واشتهرت عدد من المتون العلمية مثل متن الفية ابن مالك ومنظومة الشاطبي في علوم القراءات،
لا نستطيع ان نسمي “النظم التعليمي” شعراً بمفهومه الادبي التقليدي، ولكنه نظم موزون لا يعبر عن وجدان وعقل صاحبه كما الشعر ولكنه نظم ومتون لها قافية تساعد على حفظ واستيعاب العلوم اللغوية والدينية.
واشهرها الفية ابن مالك العالم اللغوي الاندلسي، وهي متن يضم اغلب قواعد النحو والصرف العربي، في ابيات تصل للالف بيت تستخدم في الحفظ والاستشهاد للقواعد، ولها شروح وحواشي مختلفة لابياتها.
الشعر العربي
ابتدا ابن مالك الفيته بالمقدمة فقال:
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِك.. اَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ
Mslya علي النبي القاعدة؟ S almstkmlyn alshrfa
وَاَسْتعِينُ اللهَ فِي الْفِيَّهْ.. مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
تُقَرِّبُ الاقْصى بِلَفْظٍ مُوجَزِ.. تَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
وَتَقْتَضي رِضاً بِغَيرِ سُخْطِ.. فَائِقَةً الْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلاً.. مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيلا
واللهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ.. لِي وَلَهُ في دَرَجَاتِ الاخِرَهْ
ثم قام بتعريف الكلام في اللغة العربية وما يتالف منه، فقال:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ *** وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَمْ *** وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُــؤَمّ
التشفير والتعمية
تستخدم اللغة الشعرية في التشفير الذي يسمى في التراث ب”التعمية”، وذلك من خلال اخفاء المعنى، بتحويل النص الواضح الدلالة لنص عادي غير مفهوم بالنسبة لعموم الناس او حتى التحذير والانذار، واستخدم العشاق الشعر العربي للتلميح بالحب والغزل الذي لا يفهمه الا المحبوب، او حتى للمواعدة، وروي ان احد الشعراء اوصى عائلته بالثار من قطاع الطرق الذين هاجموه واحتفظوا بوصيته وذاعت الوصية حتى ثارت قومه من قتلته عبر شعر معمى “التعمية او التشفير”.
ومن اشهر الامثلة ابيات نصر بن سيار المشهورة التي يحرض بها على بني امية وخليفتهم عندما خرج العباسيين عليهم، وذاعت حتى اصبح المعنى واضحاً وغير معمى.
ارى خلل الرماد وميض جمر
ويوشك ان يكون له ضرام
فان النار بالزندين توري
وان الحرب اولها كلام
وكتب نصر بن سيار ايضا الى نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده قائلاً:
ابلغ يزيد وخير القول اصدقه وقد تحققت ان لا خير في الكذب
بان ارض خراسان رايت بها بيضا اذا افرخت حُدثتَ بالعجب
فراخ عامين الا انها كبرت ولم يطرن وقد سربلن بالزغب
فان يطرن ولم يحتل لهن بها يلهبن نيران حرب ايما لهب
كتابة التاريخ
لان الشعر ديوان العرب، لجا مؤرخون للشعر لستجيل وتخليد الرواية التاريخية وانشدوا التاريخ شعراً، ويعتبر الشعر من المصادر التاريخية منذ القديم، فقد استعان به المؤرخ الاغريقي هوميروس كمصدر قبل ان يعتني المؤرخين العرب بالشعر لدرجة تدوين احداث تاريخية بالارجوزات الشعرية لانها اسهل انواع الشعر ومنهم الطبري والمسعودي وابن عبد عربه والاصفهاني، ومن اشهر شعراء التاريخ العرب عبد الله بن المعتز الذي عاش في عصر الخليفة العباسي المعتضد وكتب عن احداث تاريخية كثيرة منها ثورة الزنج، يقول فيها:
ما زال حيناً يخدع السودانا ويدعي الباطل والبهتانا
وقال سوف افتح السوادا واملك العباد والبلادا
فخرب الاهواز والابلة وواسطاً قد حيل فيه حله
وترك البصرة من رماد سوداء لا توقن بالميعاد
وسجل عن خبر سفارة بيزنطية جاءت لبغداد في عصر المعتضد فقال
وملك الروم اتى كتابه بزلة تزفه اصحابه
فادخلوا بغداد في شهر رجب وايقن الترك بصغر وغلب
وسال الهدنة والفداء فلم يجد من دائه شفاء
وتوسع تدوين التاريخ شعراً عند الاندلسيين وبرع ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد في وصف الاحداث التاريخية، فيقول في وصف معركة بنبلونة في شمال شرق الاندلس:
وانصرف الناس الى القليعة فصبحوا العدو يوم الجمعة
حتى تداعى الناس يوم السبت فكان وقتاً يا له من وقت
فاشرعت بينهم الرماح وقد علا التكبير والصياح
وقال ابن عبد ربه ايضاً يصف وقت دخول جيوش الناصر مدينة طليطلة بعد حصار اكثر من عامين لفتحها فيقول:
حتى اذا ما سلفت شهور.. من عام عشرين لها ثبور
القت يديها للامام طائعة.. واستسلمت قسراً اليه باخعة
فاذعنت وقبلها لم تذعن.. ولم تقد من نفسها وتمكن
ولم تدن لربها بدين.. سبعاً وسبعين من السنين
ومبتدى عشرين مات الحاجب.. موسى الذي كان الشهاب الثاقب
وبرز الامام بالتاييد.. في عدة منه وفي عديد
صمدا الى المدينة اللعينة.. اتعسها الرحمن من مدينة
مدينة الشقاق والنفاق.. وموئل الفساق والمراق
حتى اذا ما كان منها بالامم.. وقد ذكا حر الهجير واحتدم
اتاه واليها واشياخ البلد.. مستسلمين للامام المعتمد
فوافقوا الرحب من الامام.. وانزلوا في البر والاكرام
ووجه الامام في الظهيرة.. خيلاً لكي تدخل في الجزيرة
جريدة قائدها دري.. يلمع في متونها الماذي
فاقتحموا في وعرها وسهلها.. وذاك حين غفلة من اهلها
ولم يكن للقوم من دفاع.. بخيل دري ولا امتناع
وقوض الامام عند ذلكا.. وقلبه صب بما هنالكاالتعليم والالغاز والتشفير.. ماذا تعرف عن الوظائف غير التقليدية للشعر العربي؟
