مزاج-الملوك.-لماذا-ينقلبون-على-المقربين-منهم؟

مزاج الملوك.. لماذا ينقلبون على المقربين منهم؟

اخبار اليوم الصحيفة, مزاج الملوك.. لماذا اخبار اليوم الصحيفة, مزاج الملوك.. لماذا

لُعبة العروش وصراعها دائمًا ما كانت على مر العصور هي لعبة الملوك المفضلة؛ ليس هناك فصل واحد من تاريخ الانسانية لم يشهد انقلابًا على العرش، وصراعاتٍ طويلة غيرت التاريخ وخرائط العالم من اجل مزيدٍ من السُلطة، وكانت الوسيلة غالبًا هي اراقة الدماء في مشاهدَ ماساوية راح ضحيتها في بعض الاحيانِ اُسرٌ كاملة.
يروي الشاعر احمد الشهاوي في كتابه «نواب الله» عن حادثة مقتل الخليفة العباسي «موسى الهادي» على يد امه «الخيزران» قائلًا: «قالت لجواريها الحسناوات: اجلسن على ابني، وهو نائمٌ في سريره بالقصر، ولا تتركنه حتى يفقد النفس، اريد خبرهُ الليلة، فلا عاش من غلَّ يديَّ في حُكم الخلافة الاسلامية، فانا ام الخليفة، لي فوق ما له وازيد».
وهو ما ورد في تاريخ الطبري، اذ اشار الى ان وفاة الخليفة العباسي «موسى الهادي» قد جاءت على يد جوارٍ لامه، والدافع كان تعطُّشها للسلطة التي اعتادتها في فترة حُكم الخليفة الهادي. والحقيقة انه وعلى مدار التاريخ العربي كله لم تكن الخيزران هي الوحيدة المتعطشة للسلطة حتى وان اراقت الدماء، وانقلبت على اقرب الاقربين لها، بل شهد التاريخ حوادثَ مماثلة حدثت وما زالت تحدث حتى اليوم من اجل العرش.
«ائتني براس جعفر».. هكذا قتل الرشيد البرامكة
يحكي مسرور خادم الخليفة هارون الرشيد ان الرشيد ارسله ثلاث مرات لياتي براس جعفر بن يحيى البرمكي، وكلما ذهب الى البرمكي يقول له «والله ما امرك بما امرك به الا وهو سكران» فيعود مسرور للخليفة بيدٍ فارغة حتى انه في النهاية قد حذفه بعمود قائلًا: «ان جئتني دون راسه، لارسلن اليك من ياتيني براسك اولًا، ثم براسه اخرًا. قال فخرجت واتيته براسه».
اما عن تفاصيل تلك الليلة فيرويها الطبري في كتابه مُشيرًا الى انّ الرشيد قد ارسل بمن يحيط يحيى البرمكي وجميع ولده ومواليه؛ فحبسهم واخذ ما لهم من مالٍ وضياع مُستكملًا: «فلما اصبح امر بتوجيه جثة جعفر بن يحيى الى مدينة السلام، فنصب راسه على الجسر الاوسط، وقطع جثته وصلب كل قطعةٍ منها على الجسر الاعلى والجسر الاسفل، فقتل جعفر في ليلة السبت اول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة لهم سبع عشرة سنة».
والحقيقة ان الرشيد قد نكَّل بالبرامكة تنكيلًا، فقتل منهم من قتل، وصلب من صَلَب، والبس البقية لباس الجوع والخوف، في حادثة مروعة حُفرت في التاريخ.
(تعذيب ارشيف)
كان البرامكة من طوائف الناس الذين حيكت حولهم حكايات اسطورية، قيل انهم من «مجوس بلخ» وهم الافغان الان؛ فيقول عنهم ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان انهم اهلُ شرفٍ من ملوكِ الطوائف كان لهم قدر عظيم، عبدوا الاصنام حتى وصفت لهم مكة وحال الكعبة بها، وكيف ياتي اليها الناس من كل صوبٍ وحدب فاتخذوا من معبد النوبهار ما يضاهي قدسيَّة الكعبة، فنصبوا حوله اصنامهم وكسوه بالحرير والجواهر النفسية.
وفي بدايات العهد الاسلامي، تحديدًا في ايام الخليفة الثالث عثمان بن عفان دخل العرب خراسان فاسلم منهم من اسلم واعتنقوا الدعوة، مما ادى الى شهرتهم في العصر الاموي، الا انهم لم يبلغوا مكانتهم العظيمة سوى في عهد العباسيين، خاصة في عهد هارون الرشيد.
يقول هولر جودت فرج في كتابه البرامكة سلبياتهم وايجابياتهم ان البرامكة وصلوا من الغنى المفرط في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد الى حدٍّ دفع عم الخليفة الى تحذير البرامكة من نظرات الخليفة الغيورة؛ اذ قاموا ببناء قصور فاحشة الثراء بعشرات الالاف من الدراهم، والفوا حياة الترف والبذخ وعُرف عنهم التانُّق في الملبس، كما امتلكوا الضياع الجميلة وكانَّ البلاد ملك خاصّ لهم، الى حدٍ يصفه الكاتب قائلًا: «كان الرشيد اذا سافر لم يمر بضيعة او بستان الا قيل هذا لجعفر البرمكي».
وترجع مكانة البرامكة العظيمة في عهد الرشيد الى ما فعله يحيى البرمكي مدافعًا عن حق الرشيد في الخلافة، اذ قام الخليفة موسى الهادي اخو الرشيد بخلعه من ولاية العهد ليتولاها من بعده ابنه جعفر، وهو الامر الذي لم يتحقق بفضل يحيى البرمكيّ وما قاساه من عذابٍ شديد وايذاء في سبيل ذلك، مما ترك اثرًا طيبًا في نفس الرشيد فولاه الوزارة، وتلا ذلك فترة السلطة البرمكية، حيث وصلوا بعدها الى اعلى مكانة في الدولة العباسية.
ولكن لماذا انقلب هارون الرشيد فيما بعد على البرامكة بعد ان عظم شانهم وساعدهم بنفسه في الوصول الى تلك المكانة الرفيعة؟
اختلفت الروايات حول اسباب النكبة التي قضت على البرامكة، فيشير الى ذلك الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك قائلًا انّ احدى الروايات عن سبب هلاك البرامكة هو جعفر بن يحيى البرمكي، اذ كان الرشيد لا يطيق معه صبرًا هو واخته عباسة بنت المهدي، ويستكمل: «قال لجعفر ازوجكما ليحلَّ لكَ النظر اليها اذا احضرتها مجلسي، وتقدم اليه الا يمسّها، ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل من زوجته، فكان يحضرهما مجلسه اذا جلس للشراب، ثم يقوم عن مجلسه ويخلِّيهما، فيثملان من الشراب وهما شابان، فيقوم اليها جعفر ويجامعها، فحملت منه وولدت غلامًا». ولكنّ المؤرخ الدكتور عبد الجبار الجومرد يدحض هذه الشائعات في كتابه هارون الرشيد مُستشهدًا بزواج العباسة مرتين لم يكن من بينهما جعفر، كما ان اصلها العربي واصل جعفر الفارسي كان سيحول دون اتمام مثل هذه الزيجة، مؤكدًا ان السبب الرئيس في النكبة كان سياسيًا في المقام الاول.
يحصر المؤرخ عبد الجبار الجومرد اسباب النكبة في استئثار كل من يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى البرمكي بمؤسسات الدولة وخراجها ومواردها، حتى انّ الرشيد كان يطلب الاموال من بيت المال فلا تصل اليه، اما «الفضل بن يحيى» والذي عيّنه الرشيد واليًا على الجانب الشرقي من الدولة، فقد اتخذ من خراسان مقرًا لولايته وكوَّن بها جيشًا كبيرًا تعداده 500 الف جندي، ليحمي البرامكة من بطش الخليفة، وبالتالي يصبح مصير الرشيد والخلافة العباسية بين ايديهم، وهو ما اعتبره المؤرخون انقلابًا عسكريًا صريحًا على السلطة.
يزيد المؤرخ هولر جودت فرج على ذلك بما رواه مؤرخو هذا الزمان قائلًا: «ارجع بعض المؤرخين سبب النكبة الى غضب الرشيد على جعفر البرمكي لانه اطلق سراح يحيى بن عبد الله العلوي دون استئذانه». والحقيقة ان البرامكة اتُّهِموا بالميل نحو البيت العلوي في الوقت الذي انشغل فيه الرشيد بمحاربة العلويين والشيعة، كل هذا الى جانب الشائعات التي اتهمتهم بالزندقة وافساد المُلك والتي ارجعها المؤرخون الى حسد الحاقدين عليهم لما وصلوا اليه من مكانةٍ رفيعة، وينهي هولر حديثه قائلًا: «لا نعلم علم اليقين السبب العميق لهذه النهاية القاسية لحكم البرامكة، لانَّ الرشيد لم يفصح عنه لاي انسان، ويخبرنا اليعقوبي عن تكتُّم الرشيد في هذا الامر فيروي ان الرشيد كان يقول: لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا؛ لقطعتها».
اقرا ايضًا: رغم تحريم الاسلام للقتل.. ابرز المجازر التي شهدتها الدولة الاسلامية
صقر قريش.. لماذا انقلب عبد الرحمن الداخل على اقرب الاقربين له؟
«ما هذا الا شيطان، والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر» هكذا تحدث «ابو جعفر المنصور» ثاني خلفاء بني عباس عن «عبد الرحمن الداخل» مؤسس دولة الاندلس الاموية، كما رواها التلمساني في كتابه نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب، فبعدما قتل الداخل العلاء بن مغيث اليحصبي في 7 الاف من اصحابه، لنزولهم الى الاندلس داعين لابي جعفر المنصور، بعث برؤوسهم الى القيروان ومكة؛ فالقيت الرؤوس في الاسواق سرًا.
الحقيقة ان سياسة عبد الرحمن الداخل الانتقامية والساعية للسلطة جاءت نتيجة الظروف التي نشات بها دولته الاندلسية، فهو ابن الدولة الاموية في اوج مجدها؛ اذ استطاعت ان تُكوّن امبراطورية مترامية الاطراف من السند شرقًا وحتى المحيط الاطلنطي واسبانيا غربًا، ولكنها كانت قوة واهية، فقد انهارت تلك الدولة وهي في عزها كما يقول المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الاسلام في الاندلس؛ مُشيرًا الى انّ نشاة تلك الدولة جاءت في شكل انتزاع للحكم من ال البيت، ونتيجة معركة راح ضحيتها ال البيت واولادهم هي اولى العوامل التي عجَّلت بنهايتها، لتقوم على انقاضها دولة بني العباس – الخلافة العباسية – والتي تفنَّنت في القضاء على اهل البيت الاموي لدرجة لم تترك فيهم طفلًا ولا شيخًا تصل اليه ايديهم الا واعملوا فيه سنون سيوفهم.
لقِّب «ابو العباس عبد الله» الخليفة الاول لبني العباس بالسفاح، خاصة بعد ان تعهَّد لامويِّي الشام بالامان واغدق عليهم الوعود حتى دعاهم لمادبة في منزله وذبحهم ذبح النعاج، فكان الحظّ نصيرًا لقلةٍ قليلة من امراء بني امية هم الذين استطاعوا النجاة من بطش العباسيين، وكان من بينهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك المُلقب بـ«صقر قريش».
قيل في كتاب نفح الطيب انّه لُقِّب بصقر قريش لانه عبر البر والبحر، واقام مُلكًا لنفسه، فافتتح الاندلس، واقتطعها من بني العباس، واقام بها مُلكًا جَمَعَ شمل بني امية ومواليهم، اذ تمكَّن عبد الرحمن من الهرب بين ربوع الدولة الاسلامية لخمس سنوات مرّ خلالها بمصر وفلسطين والقيروان حتى وصل اخيرًا الى بلاد المغرب؛ حيث كان لامه اصل بربري وهناك عبر مضيق جبل طارق دخل الاندلس اولَ مرة.
وانه لما قصد المغرب من فلسطين، خرج معه اربعة من مواليه، كان على راسهم «بدر» الذي تبعه بالاموال اللازمة له والجوهر، وعندما عَبَرَ مضيق جبل طارق نحو الاندلس كان في انتظاره زعيم موالي بني امية ابو عثمان بن عبيد الله، وحشد له ابو عثمان حينها جموعًا كبيرة من موالي بني امية واهل الشام، وبجهودهم تمكَّن حينها من فتح الاندلس، الا انه وما ان استتب له الامر، حتى عمد على التخلص منهم، وانقلب على مواليه «بدر وابي عثمان».
يقول عن ذلك المؤرخ محمد عبد الله عنان: «كان عبد الرحمن وفيًا يحفظ العهد لمن يخلص له، الا انه لم يحجم لاقلّ ريبة او بادرة عن الفتك باعز اصدقائه واقرب الناس اليه»، مُستكملًا ان الغدر والاغتيال كانا سبيله للتخلص من خصومه، وكان لا يتردد في ازهاق روح ولدهم وصحبتهم الابرياء؛ فكان من صرامته وقسوته ان فتك باصدقائه ومواليه الذين ازروه حتى اصبح له مُلك وهيبة.
وكان من بينهم بدر الذي جاب معه القفور حين هرب حتى يامن نفسه، وكان اول من حارب معه في سبيل توطيد دولته الوليدة، فقلده في البداية الوزارة وولاه اسمى المناصب والمهام، الا انه تغير عليه في اخر عهده.
قيل انه قدَّم له نقدًا لاذعًا وبالغ في التواضع والتبسط مع الامير حتى انه في بعض الاحيان كان يتعمَّد تذكيره بما قاساه من اجله، مما اغضب عبد الرحمن الداخل، فجرده من امواله ومناصبه، ولم يستمع الى تضرعه حتى مات في فقرٍ وضعَة، حيث اقصاه عن البلاد وشرده عن قرطبة حتى يكون عبرةً وعظة.
نال ابو عثمان ايضًا نفس المصير وقد كان اكبر انصاره، اذ قلده المناصب والمهام حتى توطد له الامر في دولته الجديدة، ومن ثمَّ قام بتجريده من نفوذه، ولم يتردد حينها في البطش باغلب من ازروه وكان الانقلاب قد اصبح مزاجه الخاص حتى انه قد فتك باسرته عندما نما اليه انهم يتامرون ضده؛ فقتل ابني اخيه، وابن عمه، فيقول عن ذلك المؤرخ رينهارت دوزي: «دفع عبد الرحمن ثمن ظفره غاليًا، ذلك الطاغية الغادر الصارم المنتقم، الذي لم تاخذه رافة، ولم يبقِ على زعيم عربي او بربري يجرؤ على مواجهته صراحةً، ولكن الجميع كانوا يلعنونه خفيةً، ولم يكن ثمة رجل يرغب في خدمته».
«قتلونا على نارٍ هادئة».. الملك الحسن الثاني والجنرال اوفقير
كانوا ينقلون له معلومات تفصيلية عن ماكلنا ومشربنا وملبسنا، واحاديثنا، والحلي التي اتزين بها، والاحزمة الجديدة التي اطوق بها خصري.
لعبة العروش لم تكن حكرًا على التاريخ القديم والممالك الغابرة فقط، بل ظلَّت لُعبةً مستمرة اينما وجد النفوذ والسلطة؛ ففي المغرب العربي، وابَّان اوائل سبعينيات القرن الماضي، قام الجنرال محمد اوفقير بمحاولة انقلابٍ فاشلة، وجدوه بعدها مقتولًا بخمس رصاصاتٍ في الظهر، الا انَّ المصادر الحكومية قد اعلنت انه انتحر. ولكن هذا الموت الانتقامي او الانتحاري لم يكن سوى بداية البطش والفتك باسرة اوفقير.
تروي فاطمة اوفقير تفاصيل تلك الحادثة في مذكراتها «حدائق الملك: الجنرال اوفقير والحسن الثاني ونحن» حينها كانت في الدار البيضاء على البحر حيث فوجئت بافواجٍ من الزائرين لها في الشاليه الصغير الذي تقطنه، لم تكن تعلم سوى ان طائرة الملك قُصفت، نامت فاطمة ليلتها الى جانب طفلها في امانٍ قبل ان يوقظها سائقها ليخبرها بامر وفاة الجنرال محمد اوفقير، ودون ان تعلم لما قتل اوفقير سارت الى الرباط في ثلاث ساعات تصفها بانها لا تطاق، تستعجل فيهم الاخبار؛ عندما وصلت منزلها كان الجميع يرددون الرواية الرسمية للحدث: «انتحر الجنرال بدافع الوفاء»، دون ان يذكر احد محاولة الانقلاب.
تستكمل حديثها: «علمتُ فيما بعد انّ الطائرة الملكية القادمة من باريس طوردت في الجو، من قبل سربٍ من طائرات سلاح الجو المغربي يقودها العقيد اموقران الضابط السابق الذي زرته اثناء مرضه في باريس، حيث اجبر الطيارون العسكريون بمهمة مواكبة الطائرة الملكية واجبارها على النزول في القنيطرة، حيث ينتظرها اوفقير وطيار حرب المتمردين، الا انّ طيار الملك اعتبرها مغامرة حياة او موت، وتوجه متخلصًا من مهاجميه باقصى سرعة الى مطار الرباط».
تقول فاطمة ان ما علمته عن الحادث لم يكن من اوفقير لانه لم يطلعها على شيء، ولكنها علمت ان الخطة الانقلابية كانت تهدف لانزال الملك الحسن الثاني في القنيطرة والقاء القبض عليه وحبسه مع نسائه في احد القصور حتى يتم تشكيل مجلس وصاية على العرش؛ مُشيرة الى ان اوفقير لم يكن طامعًا في السلطة، فقد كانت السلطة والنفوذ كلها تحت يديه بما فيهم الجيش والشرطة، بل اراد اقصاء الحسن الثاني وتمهيد العرش من اجل تنصيب ولي العهد فيما بعد.
وعن السبب الذي من اجله قام اوفقير بمحاولته الانقلابية تُحدثنا فاطمة في كتابها عن الفترة التي سبقت ذلك، مُشيرة الى ان اوفقير كان من اكثر المدافعين عن الملكيَّة، كما كان اشدَّهم اخلاصًا للملك الحسن الثاني، الا ان استبداد الحسن الثاني بعد قضية بن بركة وانقلاب الصخيرات جعلا من اوفقير رجلًا اخر.
كانت تلك الفترة هي التي شهدت شكوى اوفقير الاولى من الملك الحسن الثاني، فلم يعد يطيق الحسن الثاني، ولا صلاحياته المُطلقة واعتقالاته وحبسه للخصوم، حيث كان يحكم على البعض بالاعدام دون محاكمة؛ فتروي فاطمة ان اوفقير كان مُطّلعًا على الكثير من الماسي والاسرار التي حملته على انتقاد الملك، مُصرحة بانه كان يشعر بالحصار فاغلب من يعملون تحت امرته هم جواسيس للحسن الثاني، حتى خدم البيت كان ينقلون للملك تفاصيل حياة اوفقير.
لم ينتهِ الامر عند فشل الانقلاب، بل لاقت اسرة اوفقير كلها مصيرًا ماساويًا، حيث اعتقل الملك الحسن الثاني فاطمة زوجة اوفقير واولادها، وقام بوضعهم في زنزاناتٍ منفردة وبسرية تامة.
تحكي عن تجربة السجن ابنة اوفقير مليكة في رواية السجينة: «ساقونا الى منزل تحت الارض يقع داخل الثكنة، واول ما واجهنا كان رجلًا طاعنًا في السن يرتدي جلبابًا عسكريًا». فتشير مليكة الى السجّان بوعزة امر المعسكر على انه رجل كُلّف طوال 40 عامًا باذلال المعتقلين السياسيين، ولكنها كانت المرة الاولى في حياته التي يحتجز فيها ثلاث نساء وستة اطفال وكل ما يعرفه هو ان عليه اذلال عائلة اوفقير وترويضها.
اما فاطمة فتقول «قتلونا على نارٍ هادئة، وكانت ظروف حياتنا تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى الطعام كان يقلُّ تدريجيًا»؛ اذ فصلت فاطمة عن ابنائها بمدة تزيد على 10 سنوات، حتى تمكَّن بعضهم من الهرب عام 1987، اما فاطمة فقد استعادت حريتها عام 2000 وحينها فقط استطاعت ان تنشر مذكراتها، راويةً للعالم ماساة اسرتها.مزاج الملوك.. لماذا ينقلبون على المقربين منهم؟

Scroll to Top