واني-لاهوى-قمرا_.-مشاهد-العشق-في-التراث-العربي

“واني لاهوى قمرا”.. مشاهد العشق في التراث العربي

اخبار اليوم الصحيفة, “واني لاهوى قمرا”.. اخبار اليوم الصحيفة, “واني لاهوى قمرا”..

دخل الشاعر نصيب بن ابي رباح على الامير عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عُمر بن عبد العزيز، فقال له: هل عشقتَ يا نصيب يوما؟
قال: نعم – جعلني الله فداك – ومن العشق اقلتني اليك البادية الى مصر.
قال: ومن عشقتَ؟
قال: جارية لبني مدلج، فاجتمع علينا الواشون، فكنتُ لا اقدر على كلامها الا بعين او اشارة، فاجلس على الطريق، حتى تمر بي، فاراها بشوق ولوعة، ففي ذلك اقول:
جلستُ لها كيما تمر لعلني … اخالسها التسليم ان لم تسلم
فلما راتني والوشاة تحدرت … مدامعها شوقا ولم تتكلم
مساكين اهل العشق ما كنت اشتري … حياةَ جميع العاشقين بدرهم[1]
هكذا، زخر التراث العربي بمادة هائلة عن الحب والعشق بتجلياته المختلفة، العذرية منها والرمزية كالصوفية على سبيل المثال، وكان الحب منذ العصر الجاهلي قبل الاسلام وبعد الاسلام حاضرا وبقوة في مصادر الادب العربي كالشعر والنثر، فكيف تناول التراث العربي القديم صور العشق؟ وهل هناك تشابه بين مشاعرهم تلك وبيننا اليوم؟ وهل يمكن ان نصف هذه المادة التراثية الضخمة عن الحب والعشق بانها اصيلة جاءت بكل جديد؟!
العشق
كان ولا يزال كتاب “الزهرة” لمحمد بن علي بن داود الاصفهاني البغدادي المولد والوفاة (255 – 297 هـ = 869 – 910م)
الامام بن امام المذهب الظاهري داود الاصفهاني، من اقدم النصوص الادبية في التراث العربي التي جاءتنا عن الحب والمحبين، والعشق والمعشوقين، حيث كتبه مؤلفه في ثنايا القرن الثالث الهجري قبل الف ومائتي عام تقريبا.
في هذا الكتاب نجد ابن داود يتناول مراتب الحب تفصيلا؛ فانها عنده تبدا بالسماع والنظر، فيتولد عنهما الاستحسان، ثم يقوى فيصير مودة، ثم تقوى المودة فتصير محبة، ثم تقوى المحبة فتصير خُلة، ثم تقوى الخلّة فتوجب الهوى، فاذا قوي الهوى صار عشقا، ثم يزداد العشق فيصير تتيما، ثم يزداد التتيم فيصيرُ ولها وهو قمة ما يبلغه المحب؛ اذ معناه: الخروج عن حدود الترتيب، والتعطّل عن احوال التمييز[2]. ويضرب ابن داود المثل على ذلك من شعر ابو الشيص الكوفي محمد بن عبد الله الخزاعي وهو ممن سبقوا ابن داود بنصف قرن حيث يقول:
وقفَ الهوَى بِي حيثُ انتِ فليسَ لِي … مُتاخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ
اجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً … حبّاً لذكركِ فليلُمْنِي اللُّوَّمُ
اشبهتِ اعدائِي فصرتُ اُحبُّهمْ … اذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ
واَهنتِنِي فاهنتُ نفسِي جاهدا … ما مَنْ يهونُ عليكِ ممَّنْ اُكرمُ[3]
ولم يَفُت الجاحظ معاصر ابن داود ان يدلي برايه في توصيف العشق وبيان حدوده وماهيته، وكونه مرض يصيب المحب فلا يكاد يجد له حلا ناجعا، يقول: “والعشق داءٌ لا يُملك دفعه، وانا واصفٌ لك حدَّ العشق لتعرف حدَّه: هو داءٌ يصيب الرُّوح ويشتمل على الجسم بالمجاورة، كما ينال الروح الضعف في البطش والوهن في المرء ينهكه. وداء العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من اعضاء الجسم… فالعشقُ يتركّبُ من الحبّ والهوى، والمشاكلة والالف، وله ابتداء في المصَاعدة، ووقوف على غاية، وهبوط في التوليد الى غاية الانحلال ووقف الملال”[4].
وقالت امراة فيه:
رايتُ الهوى حلوا اذا اجتمع الشملُ … ومُرا على الهجران لا بل هو القتلُ
ومن لم يذُق للهجرِ طعما فانه … اذا ذاق طعمَ الحبِّ لم يدرِ ما الوصلُ
وقد ذقتُ طعْمَيه على القُرب والنوى … فابعدُه قتل واقربه خبلُ[5]
فالعشق وان كان داء يصيب المحب فلا يجد له دواء؛ فانه في نظر اولئك الاقدمين ترياق في ذاته يُصلح النفس، ويكشف مكامن السعادة والجمال فيها، فقد قيل لبعض من اهل البصرة: ان ابنَك قد عشِق. فقال: وما باس به، انه اذا عشق نظف وظرُف ولطف.
وفي هذا قيل:
وما الناس الا العاشقون ذوو الهوى … وما خير فيمن لا يحبُّ ويعشقُ
وقال اخر:
وما خير في الدنيا، اذا انت لم تزُرْ … حبيبا، ولم يطربْ اليكَ حبيبُ[6].
وكما ان للعاشق عالمه الداخلي، والمه المكتوم فان له ظاهرا علامات تكاد لا تخطئها عين الرقيب، هذه العلامات اجلى بعضها اديب عصره الوشّاء حين قال: “اعلم ان اول علامات الهوى على ذي الادب نحول الجسم، وطول السقَم، واصفرار اللون، وقلة النوم، وخشوع النظر، وادمان الفكر، وسرعة الدموع، واظهار الخشوع، وكثرة الانين، واعلان الحنين، وانسكاب العبرات، وتتابع الزفرات، ولن يخفى المحب، وان تستّر، ولا ينكتمُ هواه، وان تصبّر، ولن يغني ادعاء انه قد فارق العشق والهوى؛ لان علامات الهوى نائرة، وايات الادعاء ظاهرة. وقد قال الاحوص الانصاري في ذلك:
ما عالج الناسُ مثل الحبّ مِن سقمٍ … ولا برئ منه عظما، ولا جسدا
ما يلبث الحبُّ ان تبدو شواهده … مِن المحبِّ وان لم يبدِه ابداً[7]
ويبدو ان “مشكلة” العشق والعشاق قد داخلت عالم الساسة من نوافذ الشعراء والادباء الذين كانوا يخالطونهم، وياخذون عنهم ظرفهم وادبهم واخبارهم؛ لا سيما اخبار البادية التي عظم فيها خطبُ الحب العُذري العفيف. ففي يوم دخل الشاعر نصيب بن ابي رباح على الامير عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عُمر بن عبد العزيز، فقال له: هل عشقتَ يا نصيب؟
قال: نعم – جعلني الله فداك – ومن العشق اقلّتني اليك البادية الى مصر.
قال: ومَن عشقتَ؟
قال: جارية لبني مدلج، فاحدقَ بنا الواشون، فكنتُ لا اقدر على كلامها الا بعينٍ او اشارة، فاجلسُ على الطريق، حتى تمرّ بي، فاراها، ففي ذلك اقولُ:
جلستُ لها كيما تمرّ لعلّني … اخالُسها التسليم ان لم تسلّمِ
فلما راتني والوشاة تحدّرت … مدامعُها شوقًا ولم تتكلّمِ
مساكينُ اهل العشقِ ما كنتُ اشتري … حياةَ جميع العاشقين بدرهم[8]
وحتى المامون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد شغلته مسالة العشق فاراد ان يعرف وصفها وعالمها فسال فيها التابعي والمحدّث فقيه عصره، وقاضي قضاة زمانه يحيى بن اكثم التميمي، عن العشق ما هو؟ فقال له يحيى: هو سوانح تسنحُ للمرء، فيهتمّ بها قلبه، وتؤثرها نفسه. وكان في الحضور ثمامة بن الاشرس النميري وكان نديما ظريفًا ذا خبرة ودُربة بهذه المسالة فقال: اسكت يا يحيى! انما عليك ان تُجيب في مسالة طلاقٍ او مُحرِم صادَ ظبياً او قتلَ نملةً، فاما هذه فمسائلنا نحن. فقال له المامون: قل يا ثمامة، ما العشق؟ فقال ثمامة: العشقُ جليسٌ ممتع، واليفٌ مؤنِس، وصاحبُ مُلك، مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، واحكامه جائزة، ملَك الابدان وارواحَها، والقلوبَ وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول واراءها، واُعطي عنان طاعتها، وقوْدَ تصرفها، توارى عن الابصار مدخلُه وعمي في القلوب مسلكُه. فقال له المامون: احسنت والله يا ثمامة! وامر له بالف دينار[9].
واذا كان العشق تعريفا وتوصيفا مختلفا بحسب حالة الواصف؛ لانه احساس داخلي يغلب فيه الذاتي على الموضوعي، والنفسي على المدرسي، فان اشد مشاهد العشق قتامة في نفس العاشق لحظات الفراق الفجائي التي اذهلت بعضهم فصار مجنونا او كئيبا مدى الحياة !
مشاهد الفراق
ان الم العشق الاكبر، وطامته الكبرى التي قد تودي بحياة المحب او تُذهب بعقله في مشاهد تراثنا المتنوعة؛ مفارقة المحبوب عن نظر المحب، وبعده عن قلبه، او مقابلة الحب بالصد والنكران والهجر الدائم. فلما اعتقت عائشة رضي الله عنها جاريتها بَريرة، وكان زوجها حبشيا، اسمه مُغيث، خُيرت بين الاقامة معه وبين مفارقته، فاختارت المفارقة، فكانت اذا طافَت بريرة بالبيت العتيق طاف مغيثٌ خلفها، ودموعُه تسيل على خديه. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمّه العباس: يا عمّ اما ترى حُبَّ مغيث لبريرة؟ لو كلّمناها ان تتزوجَه! فدعاها وكلّمها، فقالت: يا رسول الله ان امرتني فعلتُ، قال: اما امرٌ فلا، ولكن اشفعُ. فابَت ان تتزوجَه. قال الراوي: فهذا مَن قد راه رسول الله، وشهد لشدّة عشقه، وشفع في بابه[10].
ويزداد مشهد العُشّاق قتامة حين نرى ابن زريق البغدادي في القرن الرابع الهجري منذ الف عام يترك حبيبته في بغداد الى قرطبة عاصمة الاندلس؛ املا في لقاء الخليفة الاندلسي، وطمعا في نواله؛ رغبة منه في تحسين حالته المادية، لعله ان يعود الى ابنة عمه ومحبوبته ليبدا سويًا حياة جديدة سعيدة لا فاقة فيها ولا تعب، على ان الخليفة الاندلسي اراد ان يختبر هذا الشاعر فاعطاه شيئاً نزراً قليلاً من المال، فقال ابن زريق البغدادي: انا لله وانا اليه راجعون! سلكتُ البراري والبحار والقِفار الى هذا الرجل فاعطاني هذا العطاء النزر؟ فانكسرت اليه نفسه واعتلّ فمات.
وشُغل عنه الخليفة اياما، ثم سال عنه فخرجوا يسالون عنه، فانتهوا الى الخان (الفندق) الذي كان فيه وسالوا عنه، فقالت: انه كان في هذا البيت، ومذ امس لم اره، فصعدوا فدفعوا الباب، فاذا بالرجل ميتا، وعند راسه رقعة مكتوب فيها واحدة من نوادر الادب العربي التي تنضح جمالا والما في ان، فيها يخاطب حبيبته التي حذّرته من المغادرة والفراق والبُعد، يقول:
لا تَعْذُليهِ، فانّ العَذلَ يولِعُهُ … قد قلتِ حقّاً، ولكن ليس يسمعُهُ
جاوَزْتِ في نُصْحِهِ حدا اضرّ بِهِ … من حيثُ قَدّرْتِ ان النصْحَ ينفعه
قد كان مضطلِعا بالخطْبِ يحمِلُه … فضُلّعَتْ بخطوب البَينِ اضلُعه
ما ابَ مِن سفرٍ الا وازْعَجَهُ … عزْمٌ الى سَفَرٍ بالرُّغْمِ يُزْمِعُه
كَانّما هُوَ في حلّ وَمُرْتَحَلٍ … مُوَكَّلٌ بِقَضَاءِ اللهِ يَذرعه
استَوْدعُ الله، في بغداد، لي قمراً … بالكَرْخِ من فَلَكِ الازْرَارِ مَطلعُه
وكم تَشَفّعَ بي ان لا اُفَارِقَهُ، … وللضّرُوراتِ حالٌ لا تُشَفِّعُه
وكم تَشبّثَ بي يوْمَ الرّحيل ضُحى، … وادمُعي مُسْتَهِلاّتٌ وادمُعُه
اُعْطيتُ ملكاً فلمْ اُحسِن سياستَه، … وكلُّ مَن لا يسُوسُ المُلكَ يخلعُه
ومَن غدا لابساً ثوْبَ النّعيمِ بِلا … شكرٍ عليه، فعنهُ اللهُ ينْزِعُه
فلما وقف الخليفة الاندلسي على هذه الابيات بكى حتى اخضلّت لحيته، وقال: وددتُ ان هذا الرجل حي واشاطره نصف ملكي. وكان في رقعة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف بكذا، والقوم يعرفون بكذا، فحُمِل اليهم خمسة الاف دينار، وهكذا كانت نهاية ابن زريق وحسرته على فقدان ابنة عمه، وبُعده عنها[11].
واذا كان ابن زريق قد فارق المحبوب في بغداد ليقضي الله اجله غريبا في الاندلس، فان ذلك الفتى البصْري فقدَ محبوبته التي توفّاها الله بين يديه، وابى الا ان تُدفن في بيته، وشاءت الاقدار ان تجمعه باحد ادباء عصره الذي دوّن لنا حكايته وفيها يقول: انصرفتُ من جنازة من مسجد الرضى بالبصرة في وقت الهاجرة والحرّ الشديد، فلما دخلتُ سِكَك البصرة اشتدّ علي الحر فتوخيتُ سكة ظليلة فاضطجعتُ على باب دار، فسمعتُ ترنما يجذب القلبَ، فطرقتُ الباب واستسقيتُ ماء فاذا فتى اجتهرني جماله، الا ان اثر العِلّة والسُّقم عليه واضح جلي، فادخلني الى بيت نظيف، وفرش جميل، فلما اطماننتُ قدّم الي الطعام.
فلما انقضى اكلنا اتينا بشراب فشرب قدحا وشربت اخر، ثم زفر زفرة ظننتُ ان اعضاءه قد نُقضت وقال لي: يا اخي! ان لي نديما، فقُم بنا اليه! فقمتُ وتقدّمني، ودخل مجلسا، فاذا قَبر عليه ثوب اخضر، وفي البيت رمل مصبوب، فقعد على الرمل، وطرح لي مُصلى، فقلتُ: والله لا قعدتُ الا كما تقعد، واقبل يُردّد العبرات، وانشا يقول في محبوبته المتوفاة:
اطَاُ الترابَ، وانتَ رهنُ حفيرَة … هالتْ يدايَ على صَداك ترابَها
انّي لاعذر مَن مشى ان لم اطَا … بجفونِ عيني ما حَيِيتَ جِنَابها
لو انّ جَمرَ جَوَانِحي مُتَلَبِّسٌ … بالنّارِ اطْفا حرَّهَا واذابَهَا
ثم اكبَّ على القبر مغشياً عليه، فجاءه غلام بماء فصبّه على وجهه، فافاق فشرب ثم انشا يقول:
اليوْمَ ثابَ ليَ السرُورُ لانّني … ايقَنتُ انّي عاجلاً بكَ لاحِقُ
فَغَداً اُقاسِمُكَ البِلى، وَيسوقُني … طوْعاً الَيكَ، من المَنِيّةِ، سائِقُ!
وما كان الا الغد وقد وافته المنية، ولحق الشاب البصري بمحبوبته التي عشقها حتى بعد موتها[12]
اما الشاعر العاشق عروة بن حزام الذي ابتُلي بزواج محبوبته عفراء بنت مالك العذرية من اخر فان سقمه قد طال به حتى اواخر عمره، ومات بسبب هذا العشق، كان عروة يتيما يتربى في بيت عمّه، حتّى بلغ، فعلق قلبه ابنة عمه عفراء منذ الصبا، فسال عمّه ان يزوّجه ايّاها، فكان يُسوّفه ويُماطله، الى ان خرجَ عروة الى الشام في تجارة، فخطب عفراء ابن عمّ اخر لها من البلقاء في الاردن، فتزوّجها اثناء غياب عروة، فحملَها الى بلده، واقبل عروة في عِيره راجعا، حتّى اذا كان بتبوك شمال الجزيرة العربية، نظر الى رفقة مُقبلة من ناحية المدينة فيها امراة على جمل احمر، فقال لاصحابه: والله لكانّها عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء ابدا. على انه كان صداقًا في حدسه، فالقافلة كانت قافلة عفراء العروس التي ذهبت لاخر غير عروة، وما كان منه الا ان انشد قائلا:
وانّى لتعرونى لذكراكِ روعة … لها بين جلدى والعظام دبيبُ
وما هو الا ان اراها فُجاءة … فاُبهِت حتّى ما اكادُ اجيبُ
واصرفُ عن رايى الّذى كنتُ ارتئى … وانسى الّذى اعددتُ حين تغيبُ
ويُظهر قلبى عذرها ويعينها … علىّ، فما لي في الفؤاد نصيبُ
وقد علمت نفسى مكان شفائِها … قريبا، وهل ما لا يُنال قريب؟
لئن كان برد الماءِ ابيضَ صافيا … الىّ حبيبا، انّها لحبيبُ
ثم انصرف الى اهله باكيا محزونا، فاخذه الهلاس والجنون بها، حتّى لم يبق من جسمه شيء لشدة السقم والحسرة، وقال قوم: هو مسحور، وقال اخرون: به مسّ من الجن، وقالوا: باليمامة شرق الجزيرة العربية طبيبٌ يقال له سالم، له تابع من الجنّ، وهو اطبّ الناس في جزيرة العرب، فساروا اليه من ارض بنى عُذرة حتّى جاؤوه، فجعل يسقيه ويقرا عليه تعاويذه، فقال له عروة: هل عندك من الحبّ رُقية قال: لا والله! فانصرفوا، فمرّوا بطبيب اخر بحِجْر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال عروة: انّه والله ما دوائى الا شخص بالبلقاء يعني عفراء، فانصرفوا به، وهو يقول:
جعلتُ لعرّاف اليمامة حكمه … وعرّاف حِجر ان هما شفيانى
فما تركا من رقيّة يعْلَمانها … ولا سَلوة الا بها سقياني
فقالا: شفاكَ الله، والله ما لنا … بما حـُمِّلَتْ منك الضّلوع يدانِ[13]
على ان بعض هؤلاء العاشقين لم يياس، وحاول مرارا الوصول الى غايته في محبوبه، فبذل في ذلك كل ما استطاع من جهد وطاقة وحيلة، وبهذا اضحت لحظة “الوصل” عنده تحديا يجب الظفر به!
الوصْلُ غاية العُشاق
راى العلامة ابن حزم الاندلسي ان وصْل المحبوب ولقائه والانس به هو غاية العشق وفردوسه الارضي،
ففي كتابه “طوق الحمامة في الالفة والالاف” يمر بتجربة الحب والعشق، ويعترف بما للوصل من مكانة في نفس العاشق على العموم ونفسه، خاصّة اذا كان هذا الوصل واللقاء من بعد هجر وانكار وبُعد. يقول: “ومن وجوه العشق الوصْل، وهو حظّ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو الحياة المجدّدة، والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله عظيمة.
ولولا ان الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وامان من المكاره، لقلنا ان وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن. ولقد جربتُ اللذات على تصرفّها، وادركتُ الحظوظَ على اختلافها، فما للدنوّ من السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الاوبة بعد طول الغيبة، ولا الامن من بعد الخوف، من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر، حتى يتاجّج عليه الجوى، ويتوقّد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء”[14]. وبعض هؤلاء العشاق حاول مرارا ان يصل الى الوصل بكل ما اوتي من وسيلة لكنه لم يقدر على ذلك، حتى لم يجد امامه الا الاستعانة براس الدولة، الخليفة امير المؤمنين، من هؤلاء ذلك العربي ابو ميّاس الذي عاش منذ الف ومائتي عام في قلب الجزيرة العربية.
وعنه ينقل العلامة الاصمعيّ عن وصيف حاجب الخليفة العباسي المهدي بن ابي جعفر المنصور قال: كنا مع المهدي وقد خرج من العراق الى الحج، فاذا اعرابيّ يقول: يا امير المؤمنين، جعلني الله فداك، اني عاشق، وكان المهدي يحبُّ ذكر العشّاق. فدعا بالاعرابي فلما دخَلَ عليه خيمته قال: انت المنادي بالعشق؟ قال: نعم يا امير المؤمنين. فقال له: ما اسمك؟ قال: ابو ميّاس، قال: يا ابا مياس، من عشيقتُك؟ قال: ابنة عمّي، وقد ابى ابوها ان يزوّجها مني. قال: لعله اكثر منك مالا، قال: لا بل انا اكثر منه مالا. قال: فما قصّتك؟ قال: فقال له الاعرابي: ادنُ راسك مني. قال: فجعل المهدي يضحك واصغى اليه براسه، فقال: اني هجين (ابوه حر وامه جارية)، قال المهدي: فليس يضرّك ذلك، اخوةُ امير المؤمنين وولدِه اكثرهم هجين؛ قال ما اقلّ منفعة هذا لي اذًا؛ فانّ عمّي لا يزوّجني لهذا السبب. قال: واين عمك؟ قال: على ثلاثة اميال من هنا.
قال: فارسل الخليفة ُالخيلَ في طلب عمه، فجاءوا به. قال: ما لك لا تزّوج ابا مياس فاني ارى عليه نعمة؟ قال: ليس منا (نحن ابناء الحرائر) من زوّج مثله. قال الخليفة: فان الذي كرهتَ ليس بعيبٍ عندنا، وانا مُعطٍ صَدَاق ابنتك عشرة الاف، ومُعوّضك ممّا كرهتَ عشرة الاف مثلها. قال: فذلك لك يا امير المؤمنين. فخرج ابو ميّاس، وهو يقولُ:
ابتعتُ ظبيةً بالغلاء وانّما … يُعطي الغلاءُ بمثلها امثالي[15]
وهكذا تنوعت مشاهد العشّاق في التراث العربي، فاغلبهم لم يقدر على الوصول الى غايته من اللقاء والاجتماع بالمحبوب، وبعضهم تمكن من اتمام نهاية سعيدة بذل فيها كل طاقته، وبعضهم وهم الاسوا حظا من فقدوا القرب بالمحبوب بالموت او الجنون، ويتضح من تلك التجارب ان تراثنا بديع في جانبه العاطفي، هذا الجانب الذي طالما تم التركيز فيه على مشاهير العشّاق مثل قيس بن الملوك وليلى العامرية، وقليلا ما انتبهنا الى امثال قيس وليلى من مغامير العشاق الذين لا تزال قصصهم في بطون التراث العربي تنتظر من ينقّب عنها، ويكشف تفاصيلها الجميلة والحزينة في ان!“واني لاهوى قمرا”.. مشاهد العشق في التراث العربي

Scroll to Top