شركات-عالمية-تخطت-100-عام.-كيف-حافظت-على-نجاحها؟

شركات عالمية تخطت 100 عام.. كيف حافظت على نجاحها؟

اخبار اليوم الصحيفة, شركات عالمية تخطت اخبار اليوم الصحيفة, شركات عالمية تخطت

لا شك ان العقود القليلة الماضية جعلت عالم ريادة الاعمال يحمل عمقا تقنيا؛ فمع انتشار حركة تاسيس الشركات الناشئة عالميا المرتبطة بالخدمات الحوسبية في كافة المجالات بلا استثناء تقريبا، اصبح مفهوم الريادة يتجاوز “البيزنس” التقليدي الى ما هو ابعد، يتجاوزه الى ضرورة انتـاج فكـرة او الية او خدمة جديدة -او على الاقل غير تقليدية- تقدم حلولا مبتكـرة للسوق سواء في اضافة ميزات جديدة او حل مشاكل مزمنة.
ومع ذلك، يؤكد التاريخ ان هذه “الحالة الريادية” من البيزنس المقتـرن بالافكـار والخدمات الجديدة ليست حكـرا على الوقت الحالي، وان التاريخ يضم في طيـاته نماذج مبهـرة لشـركات بدات ناشئة وتحولت الى عمـلاقة وما زالت تعيش حتى يومنا هذا بكامل بريقها ويختلط اسمها دائما بالريادة والابتكـار رغم تجاوز عمـرها المائة عام.
في هذا التقرير نستعرض ثلاث شـركات تعود الى القرن التاسع عشر، نسلط الضوء على بداية هذه الشركات، وكيف استطـاعت البقاء والتاقلم ثم التضخم لاحقا لتتحول الى ايقونات عالميـة راسخة في الاسواق بعد مرور اكثر من قـرن على تاسيسها ورحيل اصحابها منذ وقت طويل.
نستلــه.. فلنفعل شيئا لانقاذ الاطفال
في النصف الاول من القرن التاسع عشر، فتح هاينـريش عينيه ليجد نفسـه منتميا لاسرة المـانية عريقة في فرانكفــورت الالمانية تحمل اسم “نستله”، وهو الاسم الذي سيخلده التاريخ طويلا في وقت لاحق. اسرة هائلة تضم 14 اخا واختا، طبعا اسرة بهذا العدد في هذا الزمن كان لا بد ان يموت عدد من اطفـالها بسبب سوء التغذية، خصوصا مع انتشار الامراض التي تصيب الاطفال تحديدا وغياب النظـافة والاساليب الصحيحة في التغذية والمتابعة.
عمل هاينريش مع والده في ورشته الصغيرة لتصنيع الزجاج، ثم ارتحل الى سويسـرا ليحصل على دورة تدريبية طبية اهّلته اكاديميا ووظيفيا للعمـل كمساعد صيدلي في احدى الصيدليات السويسـرية، مما اتاح له فرصة واسعة للبدء في تصنيع العقاقير الطبية وبيعها والتوسّع في مجال صناعة الادوية بشكل علمي منهجي وفقا للمتاح وقتئذ. وبعد فتـرة من العمـل في الصيدليـات، قرر هاينـريش ان يشتـري مصنعا صغيـرا جهــزه لصنـاعة وبيع بعض الزيوت والمنتجات الطبية والغذائية.
في تلك الفترة، ومع استمرار ملاحظة هاينريش الدائمة لظاهرة موت الاطفال المبكـر -بحكم عمله كصيدلي-، قرر ان يبحث عن حل لهذه المشكلة بنفسه؛ خصوصا ان لديه امكانيات جيدة من الادوات في مصنعه تؤهله لعمل وصفـات مختلفة تعلّمها من ممارسته لصناعة العقاقير والادوية. استطـاع بعد فتـرة ان يتوصل لانتاج حليب صنـاعي مكون من الحليب البقري المجفف المخلوط بالقمح والسكر جعله غنيا بالمواد الغذائية ومشابها بشكل كبير لحليب الام، وهو ما قد ينقذ حياة الاف الاطفال الذين يعانون من سوء التغذية.
ومع عبقرية هذا المنتج وضمـانة انتشاره بشكل هائل في تلك الفترة، فان تسويقه كان شديد الصعوبة بالنسبة لهاينريش. كان من الصعب جدا اقنـاع السوق بان هذا الحليب مطابق لحليب الام، ولاقى رفضا كبيرا في البداية بسبب عدم قدرة السوق على استيعاب وجود حليب من هذا النوع. في النهاية، ومع تبدد امال هاينريش في نجاح المنتج، جاء الفرج على شكل طفـل صغير وُلد حديثا قبل اوانه، وقد بدى واضحا ان الطفل سيموت لا محالة بسبب سوء التغذية التي يعاني منها، مما جعل حالته ميئوسا منها تقريبا.
ومع فقدان الامل في حيـاة الطفل، سمحت الاسرة لهاينريش ان يمنحه وصفة من حليبه الصناعي المجفف، فكانت النتيجة نجاته من الموت المحقق. فقط هذه الحادثة هي التي جعلت طلبات الشراء تتدفق بشكـل كبيـر على هاينريش لشراء حليبه الصنـاعي بعد ان بدا واضحا مدى قدرته على توفير العناصر الغذائية الاساسية للاطفال، وهو ما جعل اسم شركته ينتشر بشكل كبيـر وفي زمن قياسي.
كانت هذه هي اللحظة الحقيقية لميلاد شركته ذات المصنع الصغير التي اطلق عليها اسم عائلته “نستلــه” (Nestle). نستله التي تعتبر اليوم واحدة من اضخم شركات التغذية والمشروبات في العالم، ان لم تكن اكبـرها على الاطـلاق بالفعل.
بمرور الوقت، ومع تدفق طلبـات الشراء على منتجات الشركة، استطـاع هاينريش نستله ان يستمر في انتاج وتطوير العديد من المنتجات الغذائية الصحية، حتى قام ببيعها -وهو في الستينيات من العمـر- عام 1875 بمبلغ مليون فرنك سويسري وهو ما كان يمثل ثــروة ضخمة هائلة في القرن التاسع عشر.
اعلان نستله مصـر بمناسبة مرور 150 عاماً على تاسيس الشركة
وبعد وفاته في العام 1890، استمـرت نسلته من بعده في رحلتها كاكبر شركة عمـلاقة لانتاج المنتجات الغذائية الصحية، حيث عملت على مدار القرن التاسع عشر والقرن العشرين بالكامل على تطوير الاف المنتجات، وصل عددها حتى الان الى اكثر من 8500 منتجا تقوم بانتاجها مئات المصـانع المملوكة لها، كما قامت بالاستحواذ على مئات الشركات المتخصصة في الاغذية والمشروبات حول العالم، وتحتل مقدمة الشركات العملاقة في البورصة السويسرية، ويعمل لديها اكثر من 300 الف موظف حول العالم. ( 1، 2، 3 )
جـونسون اند جونسـون .. من اجل محاربة الجراثيم
كانت مفاجاة كبيـرة للعالم في القرن التاسع عشر عندما اعلن السير “جوزيف ليستر” حقيقـة علمية ان الالتهابات والامراض يتسبب في نقلها الجراثيم والبكتيريا الدقيقة غير المرئية التي تكون عالقة بادوات الجراحة والاجهزة الطبية، وانها تتسبب في الكثير من الامراض المُستشرية بين الناس، بل وموتهم بعد العمليـات الجراحية الناجحة.
في تلك الفتــرة، مستلهمـا بالحقيقة العلمية التي قدّمها ليستر، اقدم روبرت وود جونسـون مع اخويه جيمس وادوارد على اقتحـام هذا المجال بالعمل على تطوير افكـار في مجال التعقيم، حيث فكّـروا جميعا في انتاج ضمـادات معقمة يمكن استخدامها بشكل مباشر للتعامل مع الجروح؛ تحتوي على نسب اقل من الجراثيم القاتلة، يمكن على اثرها شفاء المرضى بشكـل اسرع دون مضاعفات جانبية من اي نوع.
وعلى الرغم ان الفكرة لم تكن واضحة تماما، فان الاخوة الثلاثة اقدموا على تاسيس شركتهم في شقة صغيـرة في ولاية نيوجيـرسي الاميـركية، اطلقوا عليها الاسم الذي سيخلده التاريخ كواحدة من اهم شركات العالم في المجال الطبي والدوائي والاجهزة الطبية: شركة “جونسـون اند جونسون” (Johnson and Johnson). بدات الشركة في عمل ابحاث مصغـرة في مجال صناعة الادوات المعقّمة المضادة للبكتيـريا، لدرجة ان روبرت واخَويه كانوا يعملون 12 ساعة يوميا للوصول الى تركيب المنتجات المعقمة بافضل شكل ممكن، ومن ثم العمل على تقديمها للمستشفيـات او منافذ البيع العادية المتاحة للجمهور.
بعد عام واحد من اطلاق الشركة، وبحلول العام 1886 استطاعت الشركة ان تطلق اول منتجـاتها وهو “الضمادة اللاصقة” التي تحتوي على مواد معقمة؛ ساعدت بشكل كبير على عملية تسريع التئام الجروح دون تلوثها، وهو ما لاقى اقبالا هائلا من السوق وبدا ينتشر بشكل كبير في كافة انحاء البلاد، تبِعتْه مجموعة من المنتجات الاخرى التي انتجتها الشركة مثل الزي الجراحي للاطباء، وغيرها من المنتجات.
بمرور الوقت، ومع غزو منتجات جونسون للاسواق، اسس الاخوة مجموعة من المختبرات لدعم البحوث ودعم انتاج المزيد من المنتجات الطبية، حتى اصبح اسم الشركة هو الاول والرائد في مجال التعقيم وتوريد المنتجات الطبية للمستشفيات والعيادات الطبية.
اعلان يعود الى الخمسينيات من القرن العشرين لاحدى اللاصقات الطبية التي تطوّرها جونسون اند جونسون
بقدوم القرن العشرين، ومع خلافة الاخوة لمنصب قيادة الشركة بعد وفاة اخيهم الاكبر روبرت جونسون، بدا العمل على التوسّع خارج اميـركا لتظهر علامتها التجارية للمرة الاولى في بريطانيا عام 1924، وتساهم في دعم الانتاج الطبي والعلاجي في اوروبا حتى في زمن الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها الملايين. وعلى مدار العقـود التالية، توسّعت الشركة لتتحول الى واحدة من اكبر الامبراطوريات الطبية في العالم تغطي مجال الاجهزة الطبية والادوية والادوات الصحية الاستهلاكيـة التي تشمل كل المنتجات تقريبا؛ بدءا من الاسعافات الاولية مرورا بالعقاقير والامصال والعدسات اللاصقة والضمادات وادوات التجميل وادوات الاطفال وغيرها من المنتجات.
اليوم، يبلغ عمـر شركة “جونسون اند جونسـون” العريقة 132 عاما، وتعتبر واحدة من اعرق واقدم شركات العالم على الاطلاق، حيث تستحوذ الشركة على اكثر من 250 شركة تابعة لها حول العالم تعمل في 60 دولة، وتصل منتجاتها الى كل دول العالم تقريبا، وتحقق مبيعات سنوية بمتوسط 70 مليار دولار، ويعمل لديها قرابة الـ125 الف موظف في مختلف شركاتها العالمية. ( 4، 5، 6 )
هيرشي .. ان تبني مدينـة كاملة للشيكـولاتة
في العام 1857 ولد ميلتون هيرشي لعائلة اميـركية مهاجرة من اصول سويسرية المـانية؛ استقرت في الولايات المتحدة اثنـاء موسم الهجرات الاوروبية الهائلة الى القارة الجديدة بعد اكتشافها. فتح ميلتون عينيه في مدينة بنسلفـانيا، واول ما وجده اسـرة تملك مزرعة متواضعـة، والكثير من المشاكل.
لم يكمل ميلتون هيـرشي تعليمه، وتوقف عند المرحلة الرابعة من المدرسة بعد ان حقق فشلا ذريعا في الدراسة. وعندما ترك الدراسة، وقرر ان يقتحم مجال العمل والوظائف ليعيل نفسه على الاقل، بدا رحلة عظيمة من الفشل المستمر في كل الوظائف التي شغلها تقريبا، حيث لم يمض وقتا كافيا في اي وظيفة الا وتركها او طُرد منها. كانت ابرز هذه الوظائف هي عمله كمحــرر لاحدى الصحف المحلية التي تصدر بالالمانية كونه يجيد الالمـانية التي ورثها من اجداده؛ لكنه طُرد منها في وقت وجيز بعد فشله الذريع في اداء مهامه ومن ثمّ قررت الصحيفة الاستغناء عن خدماته.
لم يكن امام الفتى خيار اخر سوى البحث عن عمل اخر، فالتحق بوظيفة وضيعة كمساعد في متجر لصناعة الحلويات والمرطبات، وهي الوظيفة التي ابدى فيها تميزا كبيـرا جعلته يستمر فيها لمدة اربع سنوات تشرّب فيها صناعة الحلويات بشكل ممتاز، ثم انتقل الى مدينة فيـلادلفيـا في العام 1876 وهو ابن 19 عاما مقـررا بحماس الشباب ان يفتتح شركته الخاصة لصنـاعة الحلوى التي تعلّمها طوال السنوات الاربع الماضية. ومع ذلك، لم يوفّق في افتتاح شركته الاولى، فقرر ان يخوض رحلة اخرى للبحث عن وظائف.
ارتحل الشاب الى عدد من المدن ليعمل في عدد من مصانع صناعة الحلويات المحلية، متنقلا من نيواورليانز الى شيكـاغو ومن ثم الاستقرار في نيـويورك التي قرر ان يفتتح فيها شركته للمرة الثانية، وبالفعل حققت نجاحا مبدئيا ثم ما لبثت ان انتهت بخسارة فادحة قادته الى اغلاق الشركة مرة اخرى؛ وذلك في مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر.
في النهاية، ومع بلوغه سن الثلاثين تقريبا وتشبعه بخبرات طائلة في مجال صناعة الحلويات، قرر هيرشي ان يخوض التجربة للمرة الثالثة، حيث حصل على قرض مصرفي استطاع من خلاله تامين اطلاق شـركته الجديدة التي سمّاها “لانكستـر كاراميل”، قام من خلالها بالتركيز على دعم الابحاث في صناعة الحلوى التي تمكّنه من صنـاعة وصفة جديدة للسوق بدلا من بيع منتجات تقليدية، والتركيز على اطلاق منتجات الكراميل الممزوجة بالحليب، وهو ما حقق نجاحا كبيرا في السوق. هذا النجاح الذي وصل ذروته عندما قام ببيع كمية كبيـرة لاحد المستوردين الانجليز الذي اعجب للغاية بالحلوى التي يصنعها، وقام بعقد صفقة كبيرة معه مكّنته من سداد القرض البنكي، والبدء في اطـلاق مشروعه للتوسع.
في غضون عدة سنوات، حققت الشركة نموا مدهشا من خلال مصنعين كبيرين يشغّلان اكثر من 1300 عامل، واعتبرت الشركة من اكبر شركات صناعة الكاراميل في الولايات المتحدة. لاحقا، اهتم هيرشي اهتماما استثنائيا بالشيكولاتة، واسس مصنعا جانبيا لها عام 1894، ثم قام لاحقا ببيع حصته في شركته بمبلغ مليون دولار وقتئذ -حوالي 30 مليون دولار حاليا-، قام على اثـرها بشراء مزرعة كبيــرة في بنسلفانيا وبناء مصنع ضخم لانتاج وتجهيز الشيكولاتة، باسم “شركة هيـرشي للشيكولاتة”، وذلك في العام 1905.
تحولت الشركة العمـلاقة الى واحدة من اكبر شركات الحلويات في اميـركا على الاطلاق في تلك الفتـرة، وتضخمت اعمالها لدرجة ان تحوّلت المنطقة المحيطة بالمصنع الى مدينة شبه متكاملة، حيث تم بناء مدارس ومساكن ومتنزهات وفندق ومستشفى وساحات رياضية للمدينة، واطلق عليها مدينة “هيرشي” التي تعتبر حتى الان واحدة من اهم الوجهات السياحية بالمنطقة.
عاش ميلتون هيرشي حيـاة حافلة شهد فيها كلا من الفقر المدقع والثراء الفاحش، هذا الثراء الذي استغله في توسيع اعماله الخيرية بشكل كبير؛ خصوصا انه حُرم من الاطفال طول حياته. اليوم، الشركة تعتبر من اضخم شركات الحلويات في العالم، يعمل بها اكثر من 14 الف موظف بعوائد مليارية سنوية، وتوزع منتجـاتها على كافة دول العالم، فضلا عن ملكيتها لمدن ومنشات ترفيهية عمـلاقة ومصانع ومدارس، واستحواذها على عدد كبير من الشركات العالمية. ( 7، 8 )
ربما لم يكن هنري نستله والاخوة جونسون وميلتون هيرشي يتخيّلون اثناء تاسيسهم لشـركاتهم انها ستدوم حاملة اسماءهم لاكثر من قرن كامل، حتى وان اختلفت اداراتها وتوسّعت منتجـاتها ربما فوق ما كان بامكـانهم هم انفسهم انجازه. فان بقاء اسمـائهم حتى الان على راس شركـات عمـلاقة تستحوذ على اسواق عالمية هو اشارة واضحة ان الريادي المبدع يظل اسمه برّاقا لا يغطيه التراب، ولو بعد مرور اكثر من 100 عام، حرفيا هذه المرة وليس من باب المجاز او المبالغة!شركات عالمية تخطت 100 عام.. كيف حافظت على نجاحها؟

Scroll to Top