اخبار اليوم الصحيفة, القاص المغربي سعيد اخبار اليوم الصحيفة, القاص المغربي سعيد
لم اتخيل انْ تكون المجموعة القصصية الجديدة “قبو ادغار الان بو” (2021) -للكاتب والقاص المغربي سعيد منتسب- بتلك الحرارة السردية التي تجعل النص القصصي امتدادا عميقا لجرح الكائن البشري.
فالقاص الشاب يعمل في المجموعة على جعل فكرة “القبو” مناخا ادبيا لاستلهام القصص والحكاية واعادة تخييلها في قالب قصصي محكم. وان كان منتسب يتماهى جماليا في كتابته مع نماذج قصصية غربية كبيرة عن طريق اسماء الشخصيات وفضاءاتها وعوالمها المخيفة في عتمة الجنون البشري، فان ذلك بدا اختيارا تجريبيا ناجعا، حتى يفتح الكاتب لنفسه فضاءات جديدة للتخييل.
على هذا الاساس، نجد سعيد منتسب، يعوض مفاهيم الادراك والعقل والوعي بالسوريالية والسخرية والغرائبية. ورغم ان القصص مالوفة من حيث وقائعها وواقعية شخصياتها، الا ان اسلوب صياغتها التخييلية وما تنحته من افاق انطولوجية، تجعل النصوص القصصية متميزة بحسها التشويقي الساخر.
ينتمي منتسب الى جيل التسعينيات في المشهد الادبي المغربي، هذا الجيل، الذي بدا في الاونة الاخيرة، يرسم لنفسه مساحات مغايرة شعريا وقصصيا وروائيا، بما فيه من التجريب الادبي، مما يجعله مميزا وقادرا بملامحه ووسائل ومكوناته ومخيلته على اختراق واقع الثقافة المغربية من الداخل وضخ دماء جديدة في شرايينها وفي كافة جسدها المنخور، بحكم تبعية الثقافي للسياسي، التي وسمت جيل السبعينيات وبعض من معالم جيل الثمانينيات.
وسعيد منتسب حاصل على الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وقد صدر له عدّة مؤلفات ادبية نذكر منها “ضد الجميع”، “قبلة التنين”، “طائر ابيض باجنحة مؤقتة”.
بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديد “قبو ادغار الان بو” (2021) ضمن منشورات دار اروقة بالقاهرة، كان للجزيرة نت هذا اللقاء معه:
مجموعة قصصية جديدة
صدر لك قبل ايام مجموعة قصصية جديدة بعنوان “قبو ادغار الان بو” (2021). سعيد منتسب، لماذا يشعر القارئ لهذا العمل القصصي انك تحاول استمالته الى عوالم “بو” المخيفة؟
هل حاولتُ ان افعل ذلك؟ لم يكن في نيتي اطلاقا ان اضع القارئ لـ “قبو ادغار الان بو” تحت اي سقف بالغ البرودة والحرارة. صحيح ان قصص المجموعة تحشرنا في منطقة ممغنطة، وان مستوى الالتواء فيها مرعب وبالغ التعقيد، لكنني ازعم مع ذلك ان الضوء هو مادة “القبو” وطاقته. نعم الضوء هو القوة غير المرئية التي تجعل من “برنامج السبر” شانا غير مؤقت.
الرعب في المجموعة ليس شيئا اضافيا او خارجيا او “تزيينيا”، كما ان غايته ليست سيكولوجية قطعا، لان رهان “القبو” بدرجة كبيرة هو الا ينسى القارئ موعده مع القراءة متعددة الاتجاه.
ومعنى ذلك، ان القبو يمكنه ان يكون على نحو جيد مكانا رائعا للعب مع القارئ، ومع ادغار الان بو، ومع ذلك الحمض النووي للكتابة الذي نحرص على اضماره وحجبه وطمسه، ومع سعيد منتسب نفسه.
انني لا اسعى، تبعا لذلك، الى استمالة القارئ نحو عوالم ادغار الان بو “المخيفة” (هل هي مخيفة فعلا؟)، لان الكاتب لا يتحكم -اولا- في ردود افعال القارئ ومشاعره، ولا يمكنه ان يتوقع بدرجة كبيرة ان هذا القارئ سيجد في ما يكتبه مفاجات سارة او مرغبة.
القارئ، في رايي، ما زال قارة غير مستكشفة، ولا يمكن التورط معه في قياس درجة انفعاله او المبالغة في محاولة ابهاره. القارئ بطريقة او باخرى يشبه “الهويات المتقاتلة”، كما انه ليس شيئا موضوعيا يمكننا ان نحصره في عينة تكوينية محددة. انه اشبه بـ “الماتريكس” او المصفوفة المعقدة التي لا حصر لاعدادها.
وثانيا، من الممكن ان تنتج قصص المجموعة بعض الرعب، لكنني اعتبره اثرا جانبيا. وبهذا المعنى لم اكن معنيا داخل هذه المجموعة القصصية بـ “رعب” ادغار الن بو، ولا بذلك الالتباس اللذيذ الذي قد تخلفه نصوصه في نفس قارئه. نعم، لهذا الكاتب غير المجهول جاذبية كبيرة لا يمكن التغاضي عنها. لكنني “استعملته” من اجل تدعيم شرط القراءة باثر رجعي.
وهنا استطيع القول اننا نتوهم ان هذا الشرط ياتي من الخارج، اي من نصوص (بو)، ومن التبعية المعبّر عنها في العنوان. الامر ليس بذاك اليُسر، ولا بهذا التبسيط الذي يمكن ان تفضي به “مواجهة النص باصله”. كشف المرجعية خادع، وغرضه تضليلي.
الواقعي والتخييلي
لكن كيف يستطيع الكاتب تحقيق نوع من الخلاص الجمالي بين ما يكتبه على مستوى اللغة والخيال وبين ما يعيشه هو داخل واقعه؟ او بعبارة اخرى، ما حدود الواقعي والتخييلي في مجموعتك الجديدة؟
دعني اذكرك، اولا، بان كل كاتب يحتفظ بـ “تقليد الاله” ليكتب باستمرار. هذا هو اقصى حدود الامان الذي لا يمكن ان يمنع نفسه عن الاقتناع بضرورته ليحافظ على راسه. وبهذا المعنى، فالخيال ضرورة، وليس ترفا. بل بوسعنا عبر الخيال ان ننتزع الواقع ونتملَّكه ونحوّله. وجود الخيال في الكتابة ليس محل جدل باي شكل من الاشكال، لانها ما زالت تؤسس وجودها عليه، ولا ارى اي سبب وجيه لنرغمها الان على التخلي عن عمقها السحيق والقديم.
انت تتحدث عن “الخلاص الجمالي”؟! هذا شيء مختلف، ويحمل قدرا لا باس به من الالتباس عندما نضعه في غرفة واحدة مع “التمييز بين الواقع والخيال”.
وتبعا لذلك، استطيع ان اقول انني لا امارس اي نوع من عبادة الشكل. صحيح انني العب، لكني اضع لكل نص كتبته قاعدة بيانات ضمنية غير مقيدة للمثال الاخلاقي للتاويل. وبهذا المعنى، انا متحيز لـ “الورطة الجمالية” بدل الخلاص. الغرق هو حقيقة الكتابة، ومن يطمح الى تجفيف اوعية الكتابة من مياهها الخطرة فانه كمن يسعى الى استعادة المهمل والزائف والعابر واعادة ترتيبه.
قبو “ادغار الان بو”
في نفس الطرح، كيف يمكن لـ”قبو” ان يلهمك، حتى تكتب حوالي 27 قصّة تتشابك مع عوالم القبو ودلالاته النفسية والاجتماعية والفكرية؟
لا بد ان اوضح شيئا بالغ الاهمية. “القبو” في هذه المجموعة مجرد حافز (موتيف) سردي. انه تمظهر موضوعي متكرر في جميع النصوص، يحضر فيها كاختيار جمالي، نظرا لتوفره على طاقة تخييل قوية لتوليد المواقف السردية المتعددة واختبارها وتوسيعها وتجديدها. كما انه -بمعنى من المعاني- حافز بنائي يخدم التدرج المتنوع للمادة الحكائية التي يستدعيها عنصر “القبو”.
ان عملية الكتابة حول هذا الموضوع لم تكن شبيهة باخراج ثوب تلو اخر من الدولاب. كما ان “القبو” لم يكن رفيقا ماتعا، ولم اكن واثقا تماما من قدرتي على توقع ما سيحدث او تصحيحه على الاقل. لقد جعلت من “القبو” موقعا اركيولوجيا غامضا ومغلقا ويتطلب الكثير من الخبرة والحنكة والدراية للدخول اليه. ثمة لُقى نصية قديمة، وثمة جرار سردية تعود الى ما قبل “ادغار الان بو”.
وثمة اشباح كتّاب وكتب، وثمة ترسبات حكائية لا بد من فحص اثري دقيق لمعرفة عناصرها المورفولوجية. ولذلك، فان “القبو” -كما ادعي- ليس مجرد حافز سردي تكراري لاستحضار الارواح، كما يمكن ان يلاحظ “القارئ اللئيم”، بل ورشة مفتوحة لترميم المتلاشيات خارج اي تفسير مجازي.
الكتابة وعزلة الكائن
هل للامر اية علاقة بالحجر الصحي الذي شهده العالم منذ اكثر من سنة ونصف، لا سيما ان عزلة الكائن في هذه المرحلة الحرجة تكون في سراديب قبو مهجور؟
قطعا لدابر الشك، وبالتاكيد الشامل، لا تبعية ولا خضوع لـ”القبو” لاكراه الحجر الصحي وما استتبعه من حبس وتصفيد وتباعد. صحيح ان قصص المجموعة كتبت بتقتير كبير وبصبر رواقي، لكنها لم تكتب كلها في زمن الفيروس، بل قبله وفي اثنائه. والان، انت تجعلني اعيد التفكير في الامر؛ ما علاقة ” القبو” كاستراتيجة سردية بالحجر الصحي؟ لماذا القبو، وليس اي شيء اخر؟ هل هناك تبعية متبادلة غير مفكر فيها (لا واعية)؟ ما هو الشرط الداخلي الذي جعلني اختار القبو وليس غيره، ما دام الاختيار ليس خارجا عنا؟
اتذكر انني لم اكن مضطرا، اثناء فترة الحجر الصحي الرهيبة، لتجاوز جدلية مائدة الطعام ودورة المياه، والكل كما اعتقد يضع حاجزا بينه وبين الاخرين. قد يكون حاجزا من الشك، او من الشوق، او من الاحتدام. انا جالس على الاريكة، اغمض عيني التي تؤلمني قليلا، فارى جذوع اشجار سوداء، ودبابات، وبنايات مهجورة، ولا احد يسال احدا عن الطريق. افتح عيني، لالتقط خبزا قديما، اتناوله واتذكر وجه كاترين زيتا جونز الخالي من اي تعبير.
من النافذة المح جنودا ورجال شرطة وقوات مساعدة، لا يحملون البنادق. يكتفون باحتلال الرصيف الذي تحيط به مبان رمادية، ويشرعون في افراغ الشارع من المارة. لم اسمع اي طلقة. يتنقلون ببطء. لا يضعون كمامات. ارى بعضهم يدخن، فاعود الى الاريكة وانغمس في ملاحقة اخبار الفيروس الذي يلمع في كل مكان بلون اخضر سائل ولزج.
نعم، في هذا الظرف، كل الشوارع كانت تتقاطع. بدانا نسير حول حقيقتنا ببطء. كل واحد يعيش يقظته الخاصة. نسمع اصواتا قادمة من الضفة الاخرى للحياة. الجميع يبسط كفه، يقرا خطوطها ويتهيا على مضض للاقتراب من المخرج. الكل يسال هل هو الان في المكان الصحيح، وهل هناك صديق او قريب او حبيب يريد ان يتكلم معه؟ اما انا فاقول “ان الجدران تقصر دونها العُصْم”. طيب، ما علاقة كل هذا بالقبو؟ هل القبو مكان اختباء؟ دعني اخبرك بان الكتابة مثل القبو احتماء ممنهج من الحرب بكل اشكالها، واظن بان البشرية ما زالت تعيش هذه الحرب.
صحيح جدا، ربما كتبت عن “القبو” واستدعيت اليه تلك الاشباح المفضلة لديّ، لانهي عزلتي والجرح الذي اعترى كينونتي.
من الغرائبية الى السريالية
في المجموعة تطالعنا ثيمات الموت والسخرية والغرائبية والسريالية، وهي موضوعات اضحت تنطبع بها اعمالك القصصية. لماذا الاتجاه صوب هذا المنزع السريالي والعجائبي في صياغة عالم قصصي متخيل؟
معنى كلامك هذا -في العمق- انه ينبغي علينا ان نغادر “الادب” والخيال والعجائبية، وان نكتفي بالواقع بدعوى انه “ليس في الامكان ابدع مما نعيشه”. دعني اسالك بدوري هل التمسك بالواقع ضرورة؟ ولماذا هذه الشهوة غير الواقعية للواقع؟
الواقعية السحرية او الفانتازيا او العجائبية -او ما شئت من القاب- مخلوق جيد للادب. الواقع يكتفي بذاته عكس الخيال الذي لا يكف عن صنع مكانه المطلق. وتبعا لذلك، لا ينبغي ان نتامر على الخيال بدعوى انه منافس اقل “غرابة” من الواقع. هذا ليس صحيحا البتة. الواقع هو ما نندمج فيه، ونخضع له، ونحدد وجودنا على مقاسه. اما الخيال، فدوره حاسم في العملية الابداعية، اي في دينامية التحويل والتحطيم، وايضا في الخلق والبناء.
وبهذا المعنى، ادرك ان التحيز لـ “مضادات الواقع ” احتفال حيوي بتصعيد التعارض بين البعدين (الواقعي والخيالي)، او ازاحته وخلخلته، ليكمّلا بعضهما بعضا. فالواقع -في الكثير من النماذج الروائية والقصصية- لا يكتمل بذاته، ولا ينهض الا على تلك التشكيلات السحرية والاسطورية التي تجعل الوجود ممكنا، ما دامت توجد بقوة -على المستوى الاستعاري- في الخطابين المنطوق والمكتوب.
لا ادري لماذا جعلني سؤالك افكر في موت الادب، ولماذا تخيّلت ان “الدعوة” الى محاكاة الواقع مجرد اشهار سلاح زائف في وجه “التجاوز الادبي المضطرد”. اعتقد انه ينبغي الخروج على وجه السرعة من هذا المازق.
تراث الاخر الادبي
قصص “قبو ادغار الان بو” تتماهى بشكل كبير مع نصوص غربية، يشعر بها المرء لحظة القراءة وكانّها اطياف مرعبة تقف في وجه الكاتب لحظة التفكير ثم الكتابة. كيف امكن لك التعايش مع هذه العوالم المقلقة والمخيفة لدى بعض كتاب العالم؟
ليس سرا ان الكتابة لحظة انعزال من الحياة. هذا شرطها وضرورتها. ان السيئ، في نظري، هو ان ننسحب من هذه اللحظة، بحثا عن تناسق متعمد، اي ان نضع قانونا للاندماج مع نصوص لا تقول شيئا، او مع نصوص ضعيفة او متجاوزة، بدعوى انها نصوص “عربية”. لا يعني هذا الكلام انني غير مبال تماما امام نصوص عربية ومغربية فارقة. كما لا يغيب عن بالي ان هناك نصوصا غير فانية ورائعة لكتاب مغاربة وعرب طالما استمتعت برفقتهم، واطلت النظر الى منجزهم. لكن ما الذي يحدد مصير لحظة الانعزال؟ هل هي ارادة التقيد بالهوية القاتلة ام الذهاب الى “النصوص العالمية الكبرى” دون اي احساس بالجرم؟
هل تتفق معي ان ما من شيء يحدث صدفة؟ وان شكل التاسيس لاي شيء جديد يقتضي الوعي بان الادب غير منفصل، وبان ما يحدد جدواه، ان كانت له جدوى بالطبع، هو “ابداعيته” وطبيعته الكونية. الادب هنا هو الكون نفسه، ولا يضمحل الا اذا حشرناه في مواجهة صراعية مع “مسقط راسه” او “مكان سكناه”.
هذا في نظري هو ما يفسر الحضور المكثف للنصوص الغربية. ليس في الامر اي استعراض للقوة، وليس هناك اي مسعى “تغريبي” في كل ما اكتب. نحن ننتمي الى العالم، ولا ينبغي لنا ان “نذنب” بالعالم الذي قدم لنا -على مر التاريخ- نصوصا انصت اليها اسلافنا جيدا واقاموا عليها صروح حضارتهم.
هناك شيء اخر لا بد ان اشير اليه. انني اكتب بوعي تام بان الامر الوحيد القادر على انهاء تقلبنا الادبي هو امتلاك المعرفة بالنصوص الجوهرية، والحرص على التمكن منها، ومزجها بـ”الذخيرة المحلية المشرقة”، بغاية التاسيس لادب ينتمي الى لحظته التاريخية. ولذلك، لا اعتبر ان استدعاء النصوص الغربية عملا مميتا، كما ان الكتابة في جوهرها تشبه جلسات استحضار الارواح. اضف الى ذلك كله ان نصوص المجموعة، تحفل بنصوص عربية وامازيغية ورومانية واميركية لاتينية.
تراجيديا الكتابة
ثمّة استعمال غربي مبالغ فيه احيانا لاسماء شخصياتك القصصية ومساراتها التراجيدية. الا يمكن ذلك في نظرك ان يعيق مسالة الخصوصيات الادبية، التي قد تميز قاصا مغربيا عن كاتب من بلد اخر وجغرافية محدّدة؟
اظن ان القصص “لا تقف وحدها في الفراغ” كما يقول رايموند كارفر، كيف يستطيع الكاتب ان يخرجها من الفراغ؟ وما الوسائل التي ينبغي عليه ان يحوزها من اجل ان يكسوها باللحم والمعنى؟ هذا السؤال مهم جدا بالنظر الى حساسية سؤالك. وتبعا لذلك اسال مرة اخرى؛ هل التميز يكون في الدال ام في المدلول؟ وما معنى الخصوصية الادبية؟ انك تجعلني افكر في “الافلام الصامتة” لشارلي شابلن، وتجعلني افكر في مقولة “الكتابة بصوت منخفض”.
انك تتحدث عن التراجيديا، وانت تعلم ان “بنية العقل العربي” ابعد ما تكون عن التراجيديا. ليس لدينا اي احساس بالعجز امام مشكلات الوجود. نحن مطمئنون تماما. ولهذا ازعم ان ليس هناك اي خطوط “مغلقة” يسير عليها القاص لانجاز قصته “التراجيدية”.
كما ازعم انه لكتابة قصة قصيرة، ينبغي ان “تغض الطرف عن كل ما ليس له صلة وثيقة بلوحتك الخاصة”، كما يقول روبير هنري؛ اي لا بد من نبذ الاهتمام باي شيء لا يتعلق بالقصَّة، مثلا اسماء وكلمات لا قيمة لها، شخصيات فائضة وغير ذات اهميَّة، ملاحظات جانبية، تفسيرات هامشية، مصائر لا جدوى منها.
انني اتعامل مع النص القصصي ليس كبطاقة هوية، ولا كالتفات الى “دفتر الحالة المدنية”، ولا كاستظلال بشجرة الانساب. النص القصصي كيان لغوي رمزي حي، واي تعامل معه يحتاج الى اصغاء لما يجري في شوارعه وازقته الخلفية.
ان اي نص قصصي مدرك لخصوصيته يخضع الى استراتيجية كتابية سابقة على تحققه، وهذا يعني ان تنشيط مختلف مفاصله وبنياته تحتاج الى خطط واساليب وتقنيات و”استعمالات” و”توظيفات” و”استدعاءات”.
كما يعني ان القول بـ”الاستعمال المبالغ فيه للاسماء الغربية” شيء مردود عليه. الامر ليس بهذا التبسيط. وتبعا لذلك، فالخصوصية ليست بعيدة عن النص، كما انها لا تعني “اقتراض” الاسماء والفضاءات من خارجه. لكل نص حاجياته.
وازعم ان “الحوارية” التي تفشيها نصوص المجموعة تفترض هذا الاستعمال، كما ان اي اتجاه معاكس سيضعف حركية القراءة، بل سيفشلها، ويجعلها رهينة لنموذج ثقافي واحد.القاص المغربي سعيد منتسب: كتبتُ عن “القبو” واستدعيت تلك الاشباح حتى انهي عزلتي والجرح الذي اعترى كينونتي
