queenarwauni

رواية “الهليون”.. قصة الجاسوس الاسرائيلي الذي سكن مخيما للاجئين في غزة

اخبار اليوم الصحيفة, رواية “الهليون”.. قصة اخبار اليوم الصحيفة, رواية “الهليون”.. قصة

بين بداية حوارية ندية بين مقاوم فلسطيني وضابط امن اسرائيلي، ونهاية غامضة مفتوحة؛ كثير من الحكايات المشوقة والمتشابكة في رواية “الهليون” التي تتبع فيها الروائي الفلسطيني طلال ابو شاويش قصة جاسوس اسرائيلي اقام في مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
“الهليون” لقب كان يطلقه سكان المخيم على ذلك الشخص البسيط، الذي لجا اليهم وادعى انه لاجئ فلسطيني قادم من مخيم شاتيلا في لبنان، بعدما فقد اهله اثر غرق مركب يقلهم خلال رحلة هروبهم من شمال فلسطين المحتلة بحرا الى لبنان، ابان وقوع النكبة عام 1948.
استغرق ابو شاويش شهورا طويلة في كتابة روايته المؤلفة من 300 صفحة، ويقول للجزيرة نت انه اجرى مقابلات مع سكان من مخيم الشاطئ، وبحث في كثير من المصادر الفلسطينية والاسرائيلية لمعرفة التفاصيل الدقيقة عن شخصية “الهليون” الحقيقية.
مواجهة وغموض
تبدا الرواية -حسب قراءة يقدمها للجزيرة نت الروائي محمد نصار الحائز حديثا على جائزة فلسطين للاداب- بضابط جهاز الشاباك الاسرائيلي “يوشع بن دافيد”، الذي خدم سنوات طويلة في هذا الجهاز، وامضى اغلبها في غزة، التي كانت فيها نهاية والده “ديفيد هيلين” او “الهليون” كما يلقبه سكان المخيم، نهاية ارقته سنوات طويلة وهو يبحث عن السبب الحقيقي لموت ابيه، هل مات بشكل طبيعي ام انه قتل؟ سؤال دفعه للبحث في كافة الدوائر الامنية عندهم ولكن من دون اجابة شافية، الا ان بصيص امل تراءى له حين علم من احد اصدقائه في الجهاز بسماح اسرائيل لاحد المقاومين السابقين في غزة “منصور” للعلاج في احد المستشفيات الاسرائيلية، بعدما اعياه المرض.
منصور هو بطل الرواية “الايجابي” -حسب وصف ابو شاويش- ويرمز الى المقاومة التي كانت متقدة ومتصاعدة عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967 وفي سبعينيات القرن الماضي، وقضى نحو نصف عمره في سجون الاحتلال (نحو 25 عاما)، فتكت به الامراض، ونال منه السرطان، وحصل على تصريح اسرائيلي بعد ضغوط منظمات حقوقية لوقف الرفض الاسرائيلي المتكرر للعلاج في احد المستشفيات الاسرائيلية، بسبب عدم توفر العلاج اللازم لحالته في مستشفيات غزة المتواضعة.
في الطريق الى معبر بيت حانون (ايريز)، الذي يفصل غزة عن الداخل المحتل، يسترجع يوشع ذكرياته فيها وقسوته الشديدة مع المعتقلين الفلسطينيين في التحقيق معهم. تذكر منصور وصموده الخارق، في حين يرافقه سؤال طوال الرحلة: هل من الممكن ان يستجيب منصور لطلبي او لرجائي؟ هل سينسى عناده وصلابته وهو في ضعفه ومرضه ويخبرني عن الكيفية التي مات بها والدي؟
يوشع يلتقي منصور داخل سيارة الاسعاف التي كان مستلقيا داخلها مثقلا بامراضه، ويدور حوار حرص ابو شاويش في صياغته على الكشف عن ابتزاز اسرائيل لمرضى غزة، واساليبها في المساومة بالترغيب والترهيب.
فوجئ منصور بسؤال يوشع عن “الهليون”، وكانت المفاجاة الاكبر عندما اخبره انه والده، ولا يريد سوى معرفة حقيقة موته، كونه كان مسؤولا كبيرا في غزة في تلك الفترة، ويعرف ما لا يعرفه غيره حتى في الاوساط الامنية الاسرائيلية، غير ان منصور الذي لم ينل مرضه من ذاكرته بما تختزنه من ذكريات مؤلمة عن هذا الضابط “المتوحش” وتسببه في قتل احد المقاومين اثناء التحقيق معه، ينفي معرفته بالحقيقة باسلوب يُبقي الشك في نفس يوشع.
لحظات مرت بعد مغادرة يوشع سيارة الاسعاف “خائبا” مثقلا بكثير من التساؤلات، لياتي القرار بالغاء تصريح العلاج لمنصور وعودته الى غزة، فقد هدده يوشع بانه سيموت في غزة ان لم يتجاوب معه.
عاد منصور الى غزة، وبينما كانت زوجته -التي رافقته اثناء رحلة علاج لم تكتمل- تبكي حزنا، شعر هو براحة شديدة كان نوبات الالم تتراجع تدريجيا، واسر في نفسه: “يجب كتابة رواية عن ذلك الهليون، سنكتبها كما نعرفها نحن، وليس كما يعرفونها هم”، ليترك ابو شاويش الرواية على نهاية مفتوحة وغامضة.
من الهليون؟
في تسعينيات القرن الماضي بثت قناة اسرائيلية تقريرا عن ضابط اسرائيلي يدعى ديفيد هيلين، وهو مهاجر يهودي قدم الى اسرائيل من فرنسا بعد النكبة، والتحق بالعمل باجهزة الامن الاسرائيلية، ووقع عليه الاختيار لزرعه في غزة، التي كانت تشهد مع نهاية خمسينيات القرن الماضي البدايات الاولى للعمل الفدائي المنظم.
ويقول ابو شاويش انه لولا هذا التقرير التلفزيوني لما ربط احد بين هذا الضابط و”الهليون” الذي عاش سنوات طويلة في المخيم، متنكرا في شخصية بسيطة اقرب الى “المجذوبين”.
عمل الهليون خلال سنواته في المخيم في “مهنة بائسة ووضيعة” ينفر منها اخرون، فكان “ينضح ابار الصرف الصحي” يدويا، التي كان يلجا الى حفرها اللاجئون داخل منازلهم بسبب عدم توفر شبكات الصرف الصحي في تلك الفترة، ويتقاضى نظير ذلك مبلغا زهيدا وقطعة من الصابون، وهي مهنة -يقول ابو شاويش- انها اتاحت له حرية الحركة ودخول جميع بيوت المخيم.
كان الهليون قوي البنية، قليل الكلام، ويرفض بشدة تناول الطعام الذي يقدم له في بيوت المخيم ويكتفي باجرته، وكانت حياته غريبة، غير متزوج ولا يسال عنه احد، لكن تصرفاته لم تكن مثيرة للشك لدى سكان المخيم، الذين تعاملوا معه كرجل “مجذوب” ربما فقد عقله بعد فقدان اهله كما كان يدعي حينها.
في نهاية سبعينيات القرن الماضي افتقد سكان المخيم الهليون بضعة ايام، ليجدوه ميتا داخل غرفته الصغيرة، وتطوعوا من اجل دفنه في مقبرة “الشيخ رضوان”، لتقوم في مساء يوم الدفن مروحيات اسرائيلية بعملية انزال داخل المقبرة، يقودها يوشع دون علمه بامر “الجثة” التي انتزعوها من قبرها ونقلها للدفن في اسرائيل -حسب رواية ابو شاويش- واعتقد وقتها سكان المخيم ان هدف العملية سرقة جثامين الشهداء.
مرت سنوات، وكادت ذاكرة سكان المخيم تنسى ذلك الرجل الغريب الذي جاورهم سنوات، حتى فوجئوا بالتقرير الاسرائيلي عن “الهليون” رجل المخابرات الذي زرعته اسرائيل في المخيم، بعدما “حبكت” قصته كلاجئ من يافا الى لبنان ومنها الى غزة.
في روايته يقول ابو شاويش على لسان ضابط اسرائيلي “ان العملاء المحليين يقدمون خدمات جيدة، لكنها لا ترقى الى المستوى الذي يمكن ان يفعله واحد منا يعيش بينهم”.
ويقول نصار ان رواية الهليون ركزت بشكل اكثر تفصيلا على شخصية ديفيد هيلين، وليست كغيرها من اعمال ادبية وروائية اخرى مرت سريعا على حكايات مماثلة لضباط اسرائيليين تم زرعهم في عواصم عربية، الامر الذي اتاح لصاحبها الروائي ابو شاويش عرض جوانب مهمة من حياة هذه الشخصية، بشكل اوسع واعمق، ومنح مساحة للحديث عن حقبة زمنية كاملة، بكافة تفاصيلها واحداثها.
كما ان “الهليون” رواية “مميزة ومتكاملة البناء”، حسب وصف نصار، وكان ابو شاويش ذكيا سلسا في تناول شخصيتها الرئيسية والاحداث المحيطة بها، ويقول “من الصعب الفكاك من قراءة هذه الرواية، خصوصا على اناس مثلي عايشوا فترات من تلك الحقبة وكانوا شهودا عليها”.رواية “الهليون”.. قصة الجاسوس الاسرائيلي الذي سكن مخيما للاجئين في غزة

Scroll to Top