اخبار اليوم الصحيفة, وطني عكا: فلسطين اخبار اليوم الصحيفة, وطني عكا: فلسطين
عُرضت مسرحية «وطني عكا» للمرة الاولى، على خشبة المسرح القومي في القاهرة سنة 1969، واخرجها في ذلك الوقت الفنان كرم مطاوع، امَّا مؤلِّفها عبد الرحمن الشرقاوي فكتبها سنة 1968. مكان المسرحية ارض غزَّة، وزمانها يمتد ما بين عام 1967 وعام 1968، تتنوع الشخصيات الفلسطينية في المسرحية بين اجيال مختلفة، الجيل الذي عاصر نكبة 1948، مثل العم حازم وام رشيد، اللذين عاشا قسماً من عمرهما في عكا، وبعد استيلاء اليهود على المدينة، تم تهجيرهما الى مدينة غزة. والجيل الذي ترسَّخت النكبة في ذكريات صباه مثل ماجد، والجيل الاصغر وتمثله ليلى، التي قضت بضع سنوات من طفولتها في عكا. وهناك مقبل ورشيد ايضاً، وغيرهما من الشخصيات الفلسطينية الاكثر عدداً في النص المسرحي. وتتنوع الشخصيات الاسرائيلية بين جنسيات مختلفة مشتتة، وكلهم من الجنود العسكريين، فهناك الضابط الفرنسي، والامريكي، والايطالي، وهناك سعد الضابط الاسرائيلي الذي هو من اصل فلسطيني، او هو بالاحرى من اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين، قبل انقضاض العصابات الصهيونية عليها.
يبدو سعد شخصاً يعاني صراعاً، بين الانتماء لدينه ودولته المختلقة، وشعوره بان كل هذا باطل، وليس سوى سلسلة من الجرائم، ترتكبها عصابة وان كانت عصابة متقدمة! اذ يقول رداً على احد زملائه من الجنود الاسرائيليين، الذي يتحدث عمَّا حقَّقوه من تقدم: «نعم تقدَّمنا.. تقدَّمنا واتقنا فنون الختل والتزييف والقتل.. تقدمنا واصبحنا ملوك الغدر.. تقدَّمنا واصبحنا وباء العصر». الى جانب الشخصيات الفلسطينية والاسرائيلية، هناك شخصية «الكاتب» وهو مفكِّر من غرب اوروبا، وشخصية «ايمي» وهي الاخرى صحافية من غرب اوروبا، وهناك كذلك شخصية المصري «ابو حمدان» وهو من عرب سيناء، وشخصية المجنَّد المصري «علي»، وهما من الشخصيات الثانوية.
فلسطين في مسرح عبد الرحمن الشرقاوي
يعد عبد الرحمن الشرقاوي من ابرز الكتاب المصريين، وهو شاعر المسرح، او المسرحي الشاعر صاحب المؤلفات المهمة ذائعة الصيت، كـ»الارض» و»الفتى مهران» و»النسر الاحمر» و»الحسين ثائراً» و»الحسين شهيداً». وتتسم اعمال الشرقاوي بالغنى اللغوي والتعبيري والقوة الشعرية، والعمق الفلسفي والانساني والروحي، وصياغة الجمل والعبارات، التي لا تلمس قلب القارئ فحسب، بل التي يتشبث بها القارئ كانه وجد ضالته، او كانه عثر اخيراً على ما كان يعتمل في نفسه، ولا يستطيع التعبير عنه، وقد صاغه بدقة كاتب محترف. كان الشرقاوي يستخدم اللغة الشعرية في اعماله، بدرجات متفاوتة، تكاد تقترب احياناً من الشعر الخالص، وفي احيان اخرى تكون اقرب الى النثر. عاش عبد الرحمن الشرقاوي في الفترة من سنة 1921 حتى سنة 1987، ما يعني انه عاصر النكبة في 1948، والنكسة في 1967، والكثير من مراحل الصراع الاخرى. وعند تاليفه لمسرحية «وطني عكا»، كان قد مضى عام واحد فقط على نكسة 1967، التي يتناولها بالطبع في فصول العمل، لكنه يعود ايضاً الى سنة 1948، عن طريق الشخصيات التي تروي ما جرى وكانت شاهدة عليه، كالعم حازم الذي يحكي عن الصهيوني، الذي اتى اليه في عكا قائلاً: «هذه الدار لنا.. هي والبستان ايضاً.. فاذا لم تمتثل.. اقنعتك القنبلة».
ويستمر العم حازم يروي: «وتوالت فوقنا من كل اقطار السماوات القذائف.. وراينا الدور تحترق والسماء تتشقق.. وحوالينا تهب الضربات القاتلة.. جمعوا منا السلاح وبقينا وحدنا.. والهول والنار محيطان بنا.. وطردنا كلنا». اذ يصف لنا الكاتب احداث 1948، وعملية التهجير من عكا الى غزة، من خلال كل شخصية وما شعرت به في ذلك الوقت، اذ تقول ام رشيد: «وهرعنا من طريق لطريق.. طرقات جللتها الازفة.. وحشدنا في طريق الغيب.. تحدونا المخاوف». بينما يقول ماجد الذي كان صبياً حينذاك: «سرت ليلي ونهاري تحت اهوال الحريق.. وعلى راسي اشلاء ابي.. ومضينا.. وانا عكازة في يد امي الباكية.. وخطانا في الدم الممزوج بالوحل.. ومن فوق سمائي الغاشية».
تعتمد المسرحية على الشخصيات والافكار، اكثر من الحبكة والاحداث، وتغلب التاملات والاسئلة على الدراما، وكذلك الحوارات والجدل بين الشخصيات المختلفة، سواء الشخصيات الفلسطينية او الشخصيات الاجنبية. عكا كما بدو من عنوان المسرحية، هي المكان البطل او المحور المكاني، لكن دون وجود الشخصيات في هذا المكان، فالمدينة الفلسطينية حاضرة من خلال شخصية العم حازم، الذي يردد نداءه طوال العمل: «وطني عكا.. عكا عكا يا وطني»، ويصفها في موضع اخر قائلاً: «عكا حصن الله في الارض». لا يكف العم حازم عن الحديث عن عكا، ويظل يحلم برؤيتها والوجود فيها مرة اخرى، هذا الحلم الذي نشعر احياناً بانه تحقق، او بانه لا يزال مجرد حلم. لا يمكن القول ان العم حازم هو بطل المسرحية، فالبطولة موزعة على الشخصيات الفلسطينية، لكن يمكن القول ان العم حازم هو صوت المؤلف، او الشخصية التي اختارها المؤلف، ليضع على لسانها الاقوال الكبرى، والافكار والرؤى المؤثرة، ويمرر من خلالها الرسائل المهمة. عكا هي المدينة الفلسطينية ذات التاريخ العريق، التي تحتوي على الكثير من الاثار، المصنفة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. على حصون وقلاع هذه المدينة، تكسرت سيوف واحلام الغزاة لازمان طويلة، ثم جاء زمن الاستلاب والنهب، وشهدت عكا المجازر وعرفت الاحتلال، وارتوت ارضها بدم اهلها، ثم تجرعت مرارة الافتراق عنهم، وظلوا هم يبحثون عن وجهها في كل يوم، مثل شخصية العم حازم في المسرحية، وينتظرون اليوم الذي تمسح فيه عن وجهها خيوط بيت العنكبوت. كان ذهاب الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي الى عكا، ربطاً بين نكسة 1967 ونكبة 1948، كما لو انه اراد ان يعود الى بداية الماساة، على الرغم من ان الماساة تعود الى تاريخ اقدم من ذلك بكثير، في اواخر القرن التاسع عشر.
يبقى العم حازم حتى نهاية المسرحية، بينما يستشهد الشباب كلهم تقريباً، وعن الشهادة يقول رشيد: «هذا ثمن الظلم القائم.. نحن نموت هنا شهداء.. نستصرخ وجدان العالم.. الاستشهاد هو الرفض الدموي الصارخ». كذلك يستشهد ماجد، الذي غادر فلسطين ليعمل في الخارج، فقد كان يرى ان المال هو ما يحتاج اليه، لينصر وطنه، وبالفعل عاد بالكثير من الاموال وهبها كلها للمقاومة، لكنه لا يكتفي بهذا وينضم للمقاومة ويموت شهيداً. تتكون المسرحية من مشاهد قصيرة نوعا ما، يتناول كل مشهد فكرة، من خلال الحوار بين الشخصيات، كمشهد النكسة، واخبار النصر الكاذبة، التي يقول عنها العم حازم: «يا ضلال الكلمات.. جيشنا يزحف بالنصر الى تل ابيب.. ربما يحتلها قبل الغروب.. جيشنا ارتد الى شط القنال.. الطريق الان مفتوح امام العصبة الاشرار.. مفتوح الى قلب دمشق.. اي انباء نصدق.. ظلمات.. ظلمات.. كلمات تجعل الانسان لا يعرف شيئاً ما على وجه اليقين.. كلمات تملا الدنيا ضباباً.. كلمات تملا الحلق تراباً». وعن المسؤول عما جرى وما الت اليه الامور، يقول العم حازم: «نحن جميعاً متهمون.. فلسطين ضيعها الصمت.. بل الكلمات».
كاتبة مصريةوطني عكا: فلسطين حصن الله في الارض
