اخبار اليوم الصحيفة, الكنوز الضائعة.. هكذا اخبار اليوم الصحيفة, الكنوز الضائعة.. هكذا
عاشت الدول العربية في حقب تاريخية كثيرة اوضاعًا سياسية صعبة تراجعت فيها قيمة الفكر، ولم تتمكن من المحافظة على تراثها ووثائقه النادرة ففقدت كنوزًا معرفية كثيرة، وكما يذكر كوركيس عواد
في كتابه «اقدم المخطوطات العربية في العالم » فان عدد المخطوطات العربية التي كُتبت في الـ500 سنة الاولى للهجرة فقط يُقدّر بالملايين، وكان محفوظًا في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء واعيان الناس لكن ما سلِم منها لم يتعد بضع مئات فقط.
وتزخر الكتب القديمة بعناوين كتب لم يُعثر على اصولها وهو ما يشير الى قدر المفقود من المخطوطات العربية، لكن الاوروبيين وغيرهم ممن فُتنوا بحضارة الشرق حرصوا على جمع المخطوطات العربية في فترات مختلفة من التاريخ، ما ادى الى تناثر المخطوطات العربية في مكتبات العالم، فتوزعت اصول الحضارة العربية في عدة دول نعرضها في هذا التقرير.
المكتبة البريطانية تزخر بالمخطوطات
تعكس محتويات المكتبة البريطانية الاهتمام الاوروبي بالدراسات الشرقية اذ تضم المكتبة ما يقرب من ?? الف مخطوطة تنوعت محتوياتها بين مخطوطات نفيسة للقران الكريم ونسخ من الاعمال التاريخية والادبية والعلمية في علوم القران والتفسير والحديث وعلم الكلام والفقه والتصوف والفلسفة والنحو والشعر والتاريخ والسير والموسيقى، فضلًا عن الفنون والعلوم والطب وحتى تفسير الاحلام.
تكوّنت هذه المجموعة في بداية القرن الثامن وحتى القرن التاسع عشر الميلادي، في البداية بفضل نمو التجارة البريطانية في منطقة الشرق الاوسط والعالم الاسلامي، ولاحقًا ودون مجهود كبير استحوذت بريطانيا – وكانت المستعمِر الاول للدول العربية- من خلال قناصلها ومسؤوليها على مخطوطات متنوعة من كل من الدول العربية ومن دول اخرى كان بها جاليات عربية واسلامية مثل الهند والصين واسيا الوسطى واندونيسيا وماليزيا وغرب افريقيا.
وكانت المخطوطات تنتقل الى المكتبة عن طريق الهدايا او عن طريق شرائها من الاشخاص الذين عملوا في الهند او في الشرق الاوسط لصالح بريطانيا بصفة رسمية وجمعوا خلال وجودهم في هذه الدول المخطوطات التي تمكنوا من الحصول عليها، بحيث اصبحت المكتبة البريطانية موردًا غنيًا للتعرف على الثقافة العربية والاسلامية.
سورة يوسف .. من احد المصاحف المحفوظة في المكتبة البريطانية – مصدر الصورة
اقدم المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبة البريطانية هي نسخة من المصحف الشريف تعود الى اواخر العصر الاموي وكُتبت على الرق بخط مائل، اشترتها المكتبة من المتحف البريطاني ويُرجّح ان
القس غريفيل جون تشيستر هو من حصل عليها في القرن الثامن عشر الميلادي اثناء وجوده في مصر، وكان تشيستر عالم اثار مرموق مهتمًا بالمصريات والتاريخ، ويُرجّح ان تكون النسخة قد كُتبت في القرن الثامن الميلادي في منطقة الحجاز، ولم يُعثر عليها كاملة، وقد اتاحت المكتبة البريطانية نسخة رقمية منها مؤخرًا.
الى جانب نسخة اخرى تعود الى القرن الرابع عشر اوصى بنسخها السلطان المملوكي بيبرس الثاني وكتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا بن محمد بن محمود القزويني التي يعود تاريخها الى الفترة نفسها، وكتاب «تقويم الصحة» وهو كتاب طبي لابن بطلان يعود تاريخه الى القرن الحادي عشر الميلادي. كما تضم المكتبة نسخة من ديوان المتنبي يعود تاريخ كتابته للعام 393 هـ، ونسخة من العهد القديم «اسفار موسى الخمسة» يعود تاريخها الى عام 415 ه.
مخطوطات مختلفة في اسبانيا
تجمعت في اسبانيا مخطوطات عربية في المدن الاسلامية الاندلسية؛ غرناطة وقرطبة واشبيلية وبلنسية ومرسية وغيرها،
وتتضمن المكتبة الوطنية في مدريد ما يزيد على الستمائة مخطوط
تتنوع بين المجلدات الكاملة والكتب والوثائق وتعود الى تواريخ مختلفة، اكثرها شهرة هي اعمال ابن رشد المكتوبة في القرن الثاني عشر، وكتاب عن الموسيقى للفارابي.
ويميز مجموعة المخطوطات العربية في اسبانيا ان بعضها كُتب بلغة الالخميادو وهي كتابات استخدمها سكان الاندلس العرب الذين بقوا في اراضيهم بعد سيطرة الملوك الكاثوليك عليها، فتحدثوا القشتالية القديمة التي استخدمها سكان اسبانيا في ذلك العصر، وكتبوها بحروف عربية حفاظًا على هويتهم ولتبقى سرية، وعُثر على الكثير منها في مخابئ داخل الجدران او فوق الاسقف او تحت الارضيات بمنازل سكان الاندلس، حيث اخفوها عن السلطات المدنية ومحاكم التفتيش الدينية ووجدها عند تجديد بناء المنازل اصحابها الجدد من الاسبان، فجمعوا كنزًا تاريخيًا يشمل وثائق من الحياة اليومية للاندلسيين مثل عقود الزواج والعقود التجارية وغيرها مما يكشف الكثير عن اسلوب حياتهم.
كما تضمنت المكتبة مخطوطات من منطقة المغرب العربي تعود الى الحقبة الاندلسية لكن اغلب المخطوطات تعود لما بعد سقوط الاندلس، بسبب التدمير والضياع الذي تعرضت له المخطوطات مع نهاية العصر الاندلسي وخروج كثير من الكتب والمخطوطات مع اصحابها في هجرتهم
من الاندلس الى شمال افريقيا.
كتاب «منافع الحيوان» لابن الدريهم الموصلي
اما اكبر المكتبات التي تحتوي على المخطوطات العربية فهي مكتبة دير الاسكوريال شمال مدريد التي خصصت قسمًا للمخطوطات العربية تضمّن ما يقرب من اربعة الاف مخطوط عربي بينها نسخة من «شرح الموطا» لابن مالك، ونسخة من «نسب عدنان وقحطان» للمبرد، و«جمع القوانين المقدسة» وهي نسخة قديمة لا يُعرف مؤلفها تعود الى العام 480 ه وجُمعت فيها قوانين كنسيـة، ونسخة من «مختصر ابن سينا في استعمال الترياق والسكنجبين» تعود الى عام 473 هـ، وكتاب «منافع الحيوان» لابن الدريهم الموصلي، وقد اهدت ملكة اسبانيا السابقة الملكة صوفيا ميكروفيلم يتضمن مخطوطات الاسكوريال الى مكتبة الاسكندرية في مصر.
من المخطوطات العربية في مدريد
الجزء الاهم من المخطوطات النادرة التي تتضمنها مكتبة الاسكوريال يعود الى السلطان المغربي احمد المنصور الذهبي السعدي الذي عُرف باقتناء الكتب وامتلك خزانة عظيمة بلغ ما بها حوالي
اربعة الاف مخطوط في مختلف العلوم والمعارف، واضطُر ذات مرة للفرار من مؤامرة حاكها احد اقاربه فجمع املاكه ومنها الكتب في صناديق، وابحر الى فرنسا فقاطعه في الطريق قرصان اسباني استولى على ما معه ظنًا منه ان الصناديق تحمل كنوزًا وحين اكتشف ان بها كتبًا ومخطوطات، اهداها الى ملك اسبانيا الذي حفظها بدوره في دير الاسكوريال، وهي مخطوطات طالب المغرب مرارًا عبر التاريخ باستعادتها من اسبانيا، ولم يحدث.
تركيا.. تنافس السلاطنة في اقتناء المخطوطات
النفوذ الواسع للخلافة العثمانية سمح لها بجمع المخطوطات في مختلف العلوم والفنون الاسلامية في المكتبات التركية، وتنافس السلاطين العثمانيون في جمع المخطوطات وانشاء المكتبات
في المدن التركية وخاصة في اسطنبول، رغبة منهم في ان يكون لها مكانة تماثل مكانة دمشق عاصمة الامويين، وبغداد عاصمة العباسيين، وتُقدر المخطوطات العربية بحوالي 160 الف مجلد تعود اصولها الى المكتبات الاموية والعباسية والسلجوقية والمملوكية.
مصحف الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه
ان هذا المصحف الشريف كتبه الامام الشهيد ذو النورين، امير المؤمنين، عثمان بن عفان، رضي الله عنه، املاء من افواه الصحابة القراء في عصره، الذين اخذوا القران الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبارة كُتبت على نسخة المصحف الموجود باسطنبول
بين ما تحتفظ به تركيا نسخة من مصحف عثمان كُتبت بالخط الكوفي، وقطعة خشبية نُحتت عليها اوائل سورة النجم بالخط المدني يُقدّر انها تعود الى القرن الثاني الهجري، الى جانب نسخة من «بقية الاصمعيات التي اخلت بها المفضليات» تعود الى القرن الثالث الهجري، وهي مختارات من شعر العرب الذي رواه الاصمعي، ونسخة نفسية من «المعلقات السبع»
تعود الى عام 338 هـ .
كانت المخطوطات العربية في تركيا تتوزع في اكثر من خمس وثلاثين مكتبة قبل ان يصدر قرار بجمعها في مكتبة السليمانية التي تُعدّ احد اهم مراكز المخطوطات والكتب العربية، اذ تُقدر محتوياتها العربية بحوالي من 70 الى 80 الف كتاب، تشمل مخطوطات القران الكريم وعلومه، والحديث الشريف وعلومه والفقه واصوله وكتب الادب والنحو، والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، والطبّ البشري، والبيطري، والفيزياء والكيمياء، والرياضيات والفلك، وخُزنت المخطوطات وفُهرست لتكون مرجعًا يجتذب المؤرخين والباحثين والعلماء.
ايران .. علوم العرب في المكتبة الفارسية
تضم المكتبة الوطنية الايرانية نسخًا فريدة ونادرة لمخطوطات لكبار المؤلفين في مجالات الفلسفة والفقه والاصول والطب وعلم الفلك، ابرزها «احياء علوم الدين» للامام الغزالي ومجموعة رسائل ابن سينا وعدد من رسائل السهروردي و«فصوص الحكم» لابن عربي، كما تتضمن مجموعات من الرقع والمخطوطات لكبار الخطاطين، فضلًا عن الكتب المطبوعة حجريًا وتبلغ 13 الف مجلد منها 4025 نسخة باللغة عربية.
كانت بلاد فارس محط انظار المسلمين الاوائل، وتجمّع في ايران لهذا السبب حوالي 200 الف مخطوط عربي كما يذكر جيوفري روبر في كتاب «المخطوطات الاسلامية في العالم» الذي صدر في اربعة اجزاء وترجمه الدكتور عبد الستار الحلوجي، تتوزع المخطوطات العربية في 19 مدينة ايرانية وصدر لها حوالي 200 فهرس، لخّصها للدكتور حسين علي محفوظ في كتاب
«المخطوطات العربية في العالم: نفائس المخطوطات العربية في ايران».
وبين ابرز المخطوطات الموجودة، نسخة من المصحف الشريف مكتوبة على الرق بالخط الكوفي كُتب
في اخرها «كتبه علي بن ابي طالب سنة اربعين من الهجرة»،
وكتاب «المرصع» لابن الاثير مكتوبة بخط يد المؤلف، ونسخة من
«اداب الفلاسفة» لحُنين بن اسحاق تعود لعام 249 هـ، والجزء الاول من كتاب
«العقد الفريد » لابن عبد ربه
الاندلسي.
40 الف مخطوطة عربية في المانيا
انتقلت الى المكتبات الالمانية مجموعة قيّمة من المخطوطات العربية جمعها امراء المان من اجل مكتباتهم. واستكمل المجموعة علماء المان حرصوا على جمع اعداد كبيرة منها اثناء رحلاتهم، منها مصاحف نفيسة تعود الى القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، وبين اشهر الكتب كتاب «الجامع الصحيح» للبخاري ونسخة من «تاريخ الرسل والملوك» للطبري ونسخة من «ديوان ابي العلاء المعري».
وتبلغ المخطوطات العربية في المانيا اربعين الف مخطوطة تتوزع في مكتباتها المختلفة، وابرزها مكتبة جامعة توبنغن المتخصصة في دراسات التراث الشرقي والاسلامي، ومكتبة الدولة في برلين التي
كانت تقتني حتى عام 1887 ما يزيد عن ستة الاف مخطوطة عربية ازداد عددها ليصل حاليًّا الى 11730 مخطوطة
اسرائيل تستحوذ على مخطوطات قديمة وحديثة
امتلات المكتبات الاسرائيلية ايضًا بالمخطوطات العربية، واقدمها مصحفان يعود تاريخ نسخهما الى القرن الثاني للهجرة، كما انتقلت اليها بعض مقتنيات المستشرق المعروف ابراهام شالوم يهودا الذي جمع
الكثير من المخطوطات حصل على اغلبها من مصر وبلغت حوالي
1055 مخطوطة، نُسخت في الفترة الممتدة من القرن الثالث وحتى القرن العاشر الهجري،
وكان بين مجموعته مصاحف تعود الى القرن التاسع الميلادي والثاني عشر من انطاليا والاندلس وبلاد فارس، وتُعدّ من اجمل النسخ بانماطها الزخرفية المميزة المطليّة بماء الذهب.
احد المصاحف القديمة التي تحتفظ بها المكتبة الوطنية الاسرائيلية
اما احدث الخسائر في المخطوطات العربية، فكانت المجموعات الخطية الفلسطينية في القدس وفلسطين بشكل عام، وكانت تتناول تاريخ وتراث المدينة المقدسة وبلغ عددها 50 الف مخطوطة لم يسلم منها سوى حوالي ثمانية الاف مخطوطة، اذ خلت القدس خلال تاريخها الطويل من المجامع العلمية او الخزانات الكبرى – وحتى من القصور- التي تحفظ امهاتُ الكتب والنسخ الخطية النفيسة.
ولم تتاسس مكتبات في القدس بشكل منظم الا في بدايات القرن العشرين، وادى تاخر فهرسة هذا الكنز المعرفي الى استيلاء الاسرائيليين عليه في العقود الاخيرة، وهناك الكثير من المخطوطات التي لم يُعرف على وجه التحديد كيف وصلت الى المكتبات الاسرائيلية، كما بقيت بعض المخطوطات غير معروفة اذ لم تتضمنها الفهارس، وفي عام 2006 عرضت مؤسسات علمية اسرائيلية مخطوطات القدس للبيع عبر الانترنت في غياب اي رد فعل عربي يُذكر.الكنوز الضائعة.. هكذا انتقلت اشهر المخطوطات العربية الى مكتبات العالم المختلفة
